19 مايو 2026
19 مايو 2026
يمن فريدم-عبد الله قطران


بينما كانت الأنظار تتجه نحو الجبهات المشتعلة، جاء الإعلان عن "صفقة تبادل الأسرى الكبرى" في اليمن ليعيد ترتيب أولويات المشهد السياسي والإنساني.

بوساطة أممية وتيسير من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، اتفقت الأطراف على إطلاق سراح 1728 محتجزاً، في خطوة وُصفت بأنها "الاختراق الأهم" منذ سنوات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول توقيت هذه الصفقة ودلالاتها على مستقبل الحل الشامل.

أرقام تتحدث

لا تقتصر أهمية هذه الصفقة على عددها الإجمالي فحسب، بل أيضًا على توزيعها الجغرافي، الذي شمل كافة خطوط التماس.

ففي جبهة الحدود، تم الاتفاق على الإفراج عن 7 طيارين سعوديين و20 جندياً سودانياً، مقابل 245 محتجزاً من جماعة الحوثيين، وهو ما يعكس -حسب مراقبين- رغبة إقليمية في تخفيف الصراع المباشر.

أما في الداخل اليمني، فقد تركز الثقل في جبهتي مأرب وتعز بإجمالي 813 محتجزاً من الطرفين، يليهما الساحل الغربي والمحافظات الجنوبية بـ 642 محتجزاً.

يتضح من التوزيع أن الصفقة استهدفت الجبهات الأكثر استنزافاً بشرياً، سعياً لخلق مناخ من "الثقة المتبادلة" بين القوى الميدانية.

وفي هذا الإطار، كشف رئيس الوفد الحكومي المفاوض هادي هيج، في حديث خاص لـ"الجزيرة نت"، أن الصفقة الحالية لا يُنظر إليها باعتبارها اتفاقًا معزولًا، بل جزءًا من مسار أوسع متعدد المراحل، يبدأ بالتحقق من مصير القيادي محمد قحطان، قبل تنفيذ عمليات التبادل، وبعدها سيمتد إلى ملفات المفقودين والجثامين وإخلاء السجون المرتبطة بالحرب.

كسر الجمود

برز ملف السياسي اليمني والقيادي في حزب الإصلاح، محمد قحطان، كأحد أكثر الملفات حساسية في هذه الجولة. فللمرة الأولى منذ سنوات، جرى الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة بمشاركة أسرته والصليب الأحمر للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا الإجراء يمثل "تنازلاً إجرائياً" مهماً يمهد لإنهاء ملف المخفيين قسراً، وهو المطلب الذي طالما عرقل تفاهمات سابقة.

وفيما أعادت الصفقة ملف القيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان إلى الواجهة، كشف رئيس الوفد الحكومي المفاوض هادي هيج، في حديثه لـ"الجزيرة نت"، أن ملف قحطان "يمثل أولوية قصوى" بالنسبة للحكومة منذ بدء مفاوضات الأسرى عام 2018.

وأوضح هيج أن الاتفاق الأخير تضمّن آلية خاصة تبدأ "بالتحقق من وضع محمد قحطان قبل تنفيذ عملية التبادل، باعتبار ذلك الضمان الأوثق بالنسبة لنا"، مضيفاً أن تشكيل لجنة مشتركة للتحقق من مصيره "سيغلق المرحلة السابقة التي تعذر فيها الوصول إلى معلومات واضحة بشأنه".

وأشار رئيس الوفد الحكومي إلى أن ملف الأسرى مرّ "بمخاض شديد ونقاشات وحوارات طويلة" منذ أول اتفاق تبادل جرى في 2020، وصولاً إلى الصفقة الحالية التي تُعد الأكبر منذ اندلاع الحرب.

وفي ما يتعلق بالدور الدولي والإقليمي، قال هيج إن ملف الأسرى "يتعرض لضغوط دولية وإقليمية واسعة على الطرفين"، موضحاً أن الأمم المتحدة ودولاً إقليمية ودولية تدفع باستمرار نحو إنجاز عمليات التبادل، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن "لا شيء يمر إلا بالتوافق بين الطرفين".

وأكد أن الحكومة تتعامل مع ملف الأسرى باعتباره "ملفاً إنسانياً بحتاً"، رافضاً نقله إلى المسار السياسي، وأضاف "إذا دخل هذا الملف دهاليز السياسة فلن يخرج منها بسهولة".

وكشف هيج أن الاتفاق الموقع في مسقط أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 لا يقتصر على المرحلة الحالية فقط، بل يتضمن عدة مراحل لاحقة، تشمل النزول إلى السجون وإطلاق المحتجزين على ذمة الحرب، والبحث عن المفقودين، وتسليم الجثامين، وصولاً إلى انتشال جثامين من بعض الجبهات.

الحوثيون وملف قحطان

من جانبها، أعلنت جماعة الحوثيين أن الاتفاق الأخير لا يقتصر على تبادل الأسرى، بل يشمل "انتشال وتسليم الجثامين من مختلف الجبهات والمناطق" بإشراف أممي ودولي، في إشارة إلى توسيع مسار الملف الإنساني.

ووصف كبير مفاوضي الجماعة، محمد عبد السلام، الاتفاق بأنه جاء استناداً لاتفاق السويد وبعد تفاهمات مسقط نهاية 2025، معبراً عن تقديره لجهود الأمم المتحدة والصليب الأحمر في إنجاز الجولة.

أما في ما يتعلق بملف السياسي اليمني والقيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان، فقد أحاطت الجماعة القضية بقدر كبير من الغموض، مع تداول روايات ومعلومات متباينة بشأن مصيره خلال مختلف جولات التفاوض، وهو ما اعتبره مراقبون أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية داخل مسار مفاوضات الأسرى.

وكان رئيس لجنة شؤون الأسرى لدى الحوثيين، عبد القادر المرتضى، قد تحدث في جولات سابقة عن وجود "إشكالية" مرتبطة بملف قحطان، موضحاً أن المفاوضات التي جرت في مسقط تناولت "حل الإشكالية المتعلقة بمحمد قحطان" ضمن التفاهمات الأوسع بين الطرفين.

لكن الرأي العام اليمني فوجئ مؤخراً بتقارير إعلامية تحدثت عن إبلاغ وفد الحوثيين للطرف الحكومي بأن قحطان "قُتل بغارة جوية عام 2015".

غير أن أسرة قحطان سارعت إلى نفي تلك الرواية بشكل قاطع، محمّلة جماعة الحوثيين المسؤولية الكاملة عن مصيره، ومعتبرة أن استمرار الغموض حول وضعه يعكس تعثراً مستمراً في واحد من أكثر الملفات الإنسانية والسياسية حساسية منذ اندلاع الحرب.

دلالات التوقيت

يأتي هذا الانفراج الإنساني في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية حادة جراء توقف تصدير النفط وتدهور العملة. وفي هذا السياق، توقع مصدر قيادي في الحكومة اليمنية لـ"الجزيرة نت"، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، أن "نجاح تنفيذ صفقة الأسرى بسلاسة قد يتحول إلى مؤشر سياسي مهم على إمكانية الانتقال إلى ملفات أكثر حساسية وتعقيداً".

مشيراً إلى أن أبرز تلك الملفات تتمثل في صرف الرواتب، وفتح الطرقات الحيوية بين المدن، ومعالجة الانقسام المالي والنقدي الذي عمّق اضطرابات سعر صرف العملة اليمنية خلال سنوات الحرب.

وأضاف المصدر أن أي تقدم في هذه الملفات "سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة، بعد سنوات طويلة من التعثر والانقسام".

الجسر الجوي للحرية المرتقبة

من المقرر أن تنطلق الآلية التنفيذية في 11 يوليو/تموز 2026، عبر جسر جوي تقوده طائرات الصليب الأحمر، حيث سيبدأ اليوم الأول برحلات بين صنعاء وعدن، يليه في اليوم الثاني ربط السعودية ومأرب بصنعاء، لينتهي في اليوم الثالث برحلات الساحل الغربي (المخا وتعز). هذا الجدول الزمني المكثف يضع الأطراف أمام استحقاق ميداني أمام أنظار المجتمع الدولي.

ورغم الطابع الإنساني الذي أحاطت به الأطراف هذه الصفقة، خلف الأرقام الكبيرة التي حملتها الصفقة، ظل ملف محمد قحطان حاضراً باعتباره القضية الأكثر حساسية وتعقيداً، في حرب امتزجت فيها الملفات الإنسانية بالحسابات السياسية منذ سنوات، وهو ما يعيد إثارة الأسئلة القديمة حول مدى قدرة هذا الملف الإنساني على التحرر من الحسابات السياسية والأمنية المعقدة.

وبينما تستعد الطائرات لبدء "الجسر الجوي" لنقل الأسرى بين المدن والجبهات، تبدو الصفقة أكبر من مجرد عملية تبادل محتجزين، إذ تمثل اختباراً سياسياً وإنسانياً جديداً لقدرة الأطراف اليمنية على الانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى مساحات التفاهم الممكنة.

بيد أن نجاح هذا الاختبار سيظل مرهوناً بما إذا كانت الصفقة ستبقى خطوة إنسانية معزولة، أم بوابة فعلية لكسر حالة الجمود الراهنة التي تُبقي اليمن عالقاً بين هدنة غير مكتملة وحرب لم تنتهِ بعد.

(الجزيرة نت)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI