24 مايو 2026
23 مايو 2026
يمن فريدم-أحمد الأغبري


لم يواجه اليمن الحديث لحظة سياسية أكثر تعقيدًا من اللحظة الراهنة، التي تسببت خلالها الحرب في تكريس حالة الاختلاف مع فكرة الوطن والمصالحة والمواطنة والعدالة والوحدة؛ وهي حالة لم تبدأ مع الحرب الراهنة؛ إذ أن لها جذور ينبغي الوقوف عليها، والاعتراف بها، والبدء منها، وانطلاقًا من تجاوز ما سبق صار الطريق إلى السلام ملغومًا بمعوقات قد تتجدد معها دورات الصراع، ما يجعل من الحل المطلوب معنيًا بطي ذاكرة الصراعات، من خلال معالجة جذور الأزمة، ووأد ثقافة القوة والغلبة والإقصاء وتحقيق العدالة للجميع، على سبيل تهيئة الطريق إلى سلام يفترض أن يُفضي إلى بيئة لا تتكرر فيها دورات العنف، ويعاد معها بناء يمن ديموقراطي يعترف فيه الجميع بالجميع.

الذهاب إلى السلام في بلد يمثل تاريخه الحديث سلسلة من دورات الصراع عملية ليست يسيرة، لكنها متاحة من خلال دراسة جذور الأزمة والاتفاق على حلحلتها بتوافق من جميع الأطراف، متى ما أبدت استعدادها للاعتراف بالآخر وجبر الضرر، والتنازل للوطن والمستقبل، وصولًا إلى عملية سياسية شاملة بمشاركة جميع القوى اليمنيّة، وهو ما يشمل إيقاف العمليات العسكرية والانتقال من الإدارة المؤقتة للصراع إلى تسوية سياسية مستدامة، من خلال تمكين مشاركة كافة القوى الفاعلة على الأرض، وإتاحة المشاركة في المفاوضات لمنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب، وتسهيل الممرات الإنسانية وتبادل الأسرى، بموازاة معالجات اقتصادية، وصولًا إلى التوافق على شكل الدولة وإدارتها، في سياق حل يعالج مظالم الماضي ويحقق العدالة الانتقالية والمواطنة المتساوية، وينهي التدخلات الإقليمية والدولية، بما يذهب إلى تأسيس يمن ديمقراطي ومستقر؛ وهو ما اقتربت منه وابتعدت عنه رؤى مختلفة، في سياق دراسات واطروحات عديدة ناقشت سؤال السلام، واختلفت في الإجابة عليه.

بالنظر إلى الواقع وتعقيداته يبدو الأمر ليس هينًا؛ ما يجعل من سؤال السلام السؤال الأهم في ملف الأزمة اليمنية، لكنه ليس مستحيلًا؛ باعتباره يقتضي أولا إرادة سياسية تعي خطورة المرحلة والمنعطف الذي دخل فيه البلد، وأن الوقت حان ليعلن الجميع اعترافهم بأن اليمن لجميع أبنائه، بموازاة إقرار الجميع بأخطاء الماضي ومظلومياته؛ عندها يكون اليمن قد وضع قدميه على أول الطريق نحو السلام الآمن.

إرث الصراعات

يتوقف الباحث عادل دشيلة في الإجابة على سؤال السلام منطلقًا مما اعتبره فشل الاتفاقات السياسية السابقة في مسار تاريخ دولة الوحدة في معالجة جذور الصراعات؛ وبالتالي بقيت الأزمة تجدد نفسها بمستويات مختلفة إلى أن وصل الحال باليمن إلى ما صار إليه.

ويقول لـ"القدس العربي": لدى اليمن إرث من الصراعات العسكرية والسياسية، وإرث من الصراعات الاجتماعية، بما فيها الثارات والمشاكل القبلية والاجتماعية وتهميش فئات من المجتمع، إلى آخره من المظلوميات الخاصة بالمجتمع. والخروج من هذه الأزمة يحتاج في المقام الأول وجود نخبة لديها إرادة سياسية لمعالجة جذور هذه الصراعات والمظلوميات الخاصة بالمجتمع.

وأضاف: بموازاة ذلك لدينا مشاكل سياسية سواءً كانت في جنوب البلاد أو في المناطق الأخرى. والفشل في حل إرث مشاكل وصراعات الماضي القائمة على المظلوميات قاد البلد إلى هذا الواقع. اليوم نسأل: كيف يمكن الخروج بالبلد إلى بر الأمان؟

ويرى دشيلة أن البلد ليس عبارة عن حلبة صراع، وبالتالي مَن له الغلبة عليه أن يفرض شروطه، وعلى المهزوم أن يأتي إلى الاتفاق السياسي، فمثل هذا لا يقود إلى إنهاء الصراع.

وانطلاقًا من هذا فشلت الاتفاقيات السياسية اليمنية السابقة في معالجة جذور الصراعات؛ لأن هذه الاتفاقيات كانت عبارة عن اتفاقيات الضرورة للأطراف المتصارعة؛ التي تأتي إلى طاولة التفاوض وهي مُحمّلة بأجندة الانقضاض عليها.

وهذا واقع لن نقول إنه يعود إلى ما قبل الوحدة، لنقل منذ اتفاقية العهد والاتفاق الموقعّة في عمّان (20 شباط/فبراير 1994)، إلى الاتفاقيات الأخرى، كاتفاقيات حروب صعدة، واتفاقية الثورة الشبابية السلمية، إلى اتفاقية 2014، وما بعدها من اتفاقيات وحوارات في جنيف، واتفاقية الرياض 1، واتفاقية الرياض2، وجميعها فشلت؛ لأن هذه الاتفاقيات لم تسع إلى معالجة جذور الصراعات السياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية.

بل كانت دومًا تسعى إلى ايجاد مصالحة بين الفرقاء السياسيين والمتصارعين على السلطة والثروة. وبالتالي كانت لا معنى لها من الناحية العملية؛ لأنها لم تعالج قضايا الشعب.

ويعتقد عادل دشيلة أن خروج اليمن إلى طريق السلام باتجاه بر الأمان، يبدأ باعتراف القوى المتورطة في الصراع بحق جميع اليمنيين في العيش المشترك في ظل دولة مستقرة وآمنة.

ويستدرك: قد يكون هذا الطرح مبالغا فيه نظريًا، لكن بدون الاعتراف بالجميع في إطار دولة يحكمها النظام والقانون، وتصدّر نموذجًا يمكن الاحتذاء به مستقبلًا، فسنبقى في دوامة العنف والفوضى، ولن يتحقق مشروع تفكيك اليمن إلى ما قبل 1990، أو إلى ما قبل ذلك، بل سنرى أكثر من ذلك، وفي المحصلة لن يتحقق حلم أي تيار لديه أجندات تتعارض مع مصالح اليمنيين من حوف في المهرة إلى منبّه في صعدة.

ويعتقد أنه يمكن الخروج من هذا المأزق من خلال التالي: أولًا: الدخول في في حوار سياسي جاد، والبدء بمناقشة جبر الضرر للضحايا، وقد يكون ماديًا ومعنويًا، والبدء في ايجاد حلول مستدامة لمعالجة القضايا الاجتماعية. وخلال ذلك يتم معالجة قضايا المجتمع بالتوازي مع قضايا السياسيين، والدخول في هذا عبر اتفاق سياسي يكون طويل الأمد وتنفيذه تدريجيًا.

وأكد على حاجة البلد إلى عدالة تعالج مشاكل اليمنيين، ولتكن هذه العدالة عدالة تصالحية أو اجتماعية أو عدالة انتقالية. المهم أن تعالج قضايا اليمنيين بدون تفريق بين سياسي ومدني ومهمش أو ما شابه ذلك.

وقال: أما المرحلة الثانية فتتعلق بالانتقال إلى عملية سياسية تشاورية تكاملية للبحث في كيفية ايجاد صيغة توافقية لدولة يمنيّة تحافظ على مصالح جميع الأطراف، فلتكن دولة فيدرالية مكونة من أقاليم، وهذا هو الأقرب في حقيقة الأمر للواقع. دولة مكونة من جيش واحد وبنك واحد وشؤون خارجية واحدة.

وبالتالي ايجاد صيغة يتم تطويرها والاتفاق عليها. إذا بدأنا بمعالجة قضايا المجتمع والسياسيين على حد سواء، واعترفنا بأن اليمن لليمنيين جميعًا، حينها نستطيع أن نتغلّب على المشاريع الفئوية والمناطقية والسياسية، التي لا تمت إلى اليمنيين بصلة، والدخول في عملية سياسية.

وإذا لم يغلّب اليمنيون صوت العقل والحكمة فالسيناريوهات الأخرى مطروحة على الطاولة.

هناك واقع جديد في اليمن: شرق، شمال، جنوب؛ أي ثلاثة مشاريع. وقد يتصالح المجتمع الدولي مع الواقع، وبالتالي يذهب اليمن إلى اللادولة، والبقاء في دوامة العنف والفوضى.

(القدس العربي)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI