لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي إستراتيجي يربط الخليج العربي بالعالم، بل تحول مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى أحد أخطر بؤر التهديد للاقتصاد العالمي، فكل تصعيد عسكري أو اضطراب أمني في هذا الممر، ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويقود إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، قبل أن تمتد آثاره إلى أسعار الغذاء والنقل والصناعة، لتصبح الدول النامية، وفي مقدمها مصر، الأكثر عرضة لتحمل فاتورة الأزمة.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس النفط المنقول بحراً في العالم، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما من قطر، أكبر مصدر للغاز المسال عالمياً، وأيضاً تعتمد عليه اقتصادات الخليج بصورة رئيسة لتصدير الطاقة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة داخله كفيلاً بإرباك أسواق الطاقة العالمية خلال ساعات.
أزمة تتجاوز النفط
وعلى رغم أن الاهتمام الإعلامي يتركز غالباً على أسعار النفط، فإن التأثير الحقيقي لأي اضطراب في مضيق هرمز يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، فارتفاع أسعار الخام يؤدي تلقائياً إلى زيادة أسعار الوقود، وهو ما يرفع كلفة تشغيل المصانع، وأسعار النقل البري والبحري والجوي، ويزيد كلفة إنتاج الغذاء والسلع الاستهلاكية.
وكذلك ترتفع أقساط التأمين على السفن التي تعبر الخليج العربي، مما يدفع شركات الشحن إلى تحميل تلك الكلفة على المستوردين، لتصل في النهاية إلى المستهلك النهائي، وفي حال استمرار الأزمة تلجأ بعض السفن إلى تغيير مساراتها أو تأجيل رحلاتها، مما يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتأخر وصول البضائع، وارتفاع أسعار المواد الخام والسلع الوسيطة، وهو السيناريو الذي عاشه العالم خلال جائحة كورونا، وإن كان هذه المرة مدفوعاً بعوامل جيو-سياسية.
النفط والغاز في قلب العاصفة
يعتمد الاقتصاد العالمي بصورة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج، حيث تمر عبر مضيق هرمز ملايين البراميل من النفط يومياً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، وأي انخفاض في هذه الإمدادات يرفع الأسعار بصورة حادة، حتى وإن لم يتوقف التصدير بالكامل، لأن الأسواق تتفاعل مع الأخطار المستقبلية أكثر من الكميات الحالية، وكذلك فإن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي ينعكس مباشرة على كلفة إنتاج الكهرباء والصناعات الثقيلة والأسمدة والبتروكيماويات، وهو ما يضغط على أسعار الغذاء عالمياً، نظراً إلى اعتماد الزراعة الحديثة بصورة كبيرة على الأسمدة والطاقة.
الدول النامية تدفع الثمن الأكبر
تستطيع الدول الغنية امتصاص جزء من الصدمة عبر احتياطاتها المالية، أو من خلال دعم الطاقة لفترات محدودة، أما الاقتصادات النامية فتواجه وضعاً أكثر تعقيداً، فارتفاع أسعار النفط يعني زيادة فاتورة الواردات، واستنزاف احتياطات النقد الأجنبي، وارتفاع عجز الميزان التجاري، إضافة إلى زيادة الضغوط على الموازنات العامة، خصوصاً في الدول التي تدعم الوقود أو الكهرباء، ويؤدي ارتفاع كلفة النقل والشحن إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، مما يغذي التضخم ويضعف القوة الشرائية للأسر، في وقت تعاني فيه معظم الدول النامية بالفعل ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو.
مصر أمام اختبار اقتصادي جديد
وعلى رغم أن مصر عززت إنتاجها المحلي من الغاز خلال الأعوام الماضية، فإنها لا تزال تتأثر بصورة مباشرة بأي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة العالمية، فزيادة أسعار النفط تعني ارتفاع كلفة استيراد المنتجات البترولية، ورفع كلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال عند الحاجة لتغطية فجوات الاستهلاك المحلي، وهو ما ينعكس على فاتورة الواردات الدولارية.
وتمثل أسعار النفط أحد أهم العوامل المؤثرة في عجز الموازنة العامة، لأن الحكومة تتحمل جزءاً من كلفة دعم الوقود والكهرباء، أو تتحمل كلفة إضافية عند تثبيت الأسعار لفترة معينة، وفي الوقت نفسه يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة النقل والإنتاج الصناعي، وهو ما ينعكس تدريجاً على أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، ويضيف ضغوطاً جديدة على معدلات التضخم، ولا تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ إن استمرار التوتر في الخليج والبحر الأحمر قد يضغط أيضاً على حركة التجارة العالمية، ويؤثر بصورة غير مباشرة في إيرادات قناة السويس، إذا فضلت شركات الشحن تجنب المنطقة أو خفض رحلاتها نتيجة ارتفاع الأخطار الأمنية.
الدولار تحت الضغط
من بين أكثر التداعيات حساسية بالنسبة إلى مصر تأثير الأزمة في سوق النقد الأجنبي، فارتفاع فاتورة استيراد الطاقة يعني زيادة الطلب على الدولار، في وقت تحتاج الدولة إلى تمويل واردات الغذاء والقمح والسلع الإستراتيجية، وارتفاع أسعار النفط يرفع كلفة الإنتاج والنقل عالمياً، مما يزيد أسعار السلع المستوردة، ويؤدي إلى خروج كميات أكبر من العملات الأجنبية لسداد الواردات.
وفي حال استمرت الأزمة لفترة طويلة، فقد تواجه الأسواق الناشئة، وعلى رأسها مصر، ضغوطاً إضافية نتيجة خروج بعض الاستثمارات الأجنبية نحو الملاذات الآمنة، وهو ما يزيد الطلب على الدولار عالمياً.
التضخم يعود للواجهة
خلال العامين الماضيين بدأت معظم البنوك المركزية في العالم تشهد تراجعاً تدريجاً في معدلات التضخم، وهو ما فتح الباب أمام توقعات بخفض أسعار الفائدة، لكن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز قد يغير هذا المشهد بالكامل، فارتفاع أسعار النفط والغاز يعيد إشعال موجة تضخمية جديدة، ويجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وهو ما يرفع كلفة الاقتراض ويبطئ النمو الاقتصادي، وأيضاً يؤدي استمرار الفائدة المرتفعة إلى زيادة أعباء خدمة الديون على الاقتصادات الناشئة، التي تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض الخارجي.
الخليج بين المكاسب والأخطار
قد تبدو الدول المصدرة للنفط المستفيد الأول من ارتفاع الأسعار، إذ ترتفع إيراداتها النفطية بصورة مباشرة،
لكن استمرار الأزمة لا يخلو من أخطار، فإذا تعطلت حركة الملاحة أو انخفضت الصادرات، فإن ارتفاع الأسعار لن يعوض بالكامل خسارة الكميات المصدرة، إذ تواجه دول الخليج ارتفاعاً في كلفة التأمين والشحن، إضافة إلى احتمال تأجيل بعض الاستثمارات إذا استمرت حال عدم اليقين.
ثلاثة سيناريوهات
السيناريو الأول يتمثل في احتواء التوترات وعودة الملاحة بصورة طبيعية، وهو ما يسمح باستقرار أسعار الطاقة تدريجاً، أما الثاني فيقوم على استمرار المناوشات والتهديدات المتقطعة، وهو ما يبقي أسعار النفط مرتفعة ويزيد تقلبات الأسواق، في حين يبقى السيناريو الأخطر إغلاق المضيق لفترة طويلة، أو امتداد الأزمة إلى باب المندب والبحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى أكبر اضطراب في تجارة الطاقة منذ عقود، مع موجة تضخمية عالمية قد تطاول معظم الاقتصادات.
اقتصاد العالم أمام اختبار جديد
تكشف أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد قضية تخص الدول المنتجة وحدها، بل أصبح عنصراً أساساً في استقرار الاقتصاد العالمي، فكل اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعاً على أسعار الوقود والغذاء والنقل، ويضع الدول المستوردة للطاقة أمام تحديات مالية واقتصادية متزايدة، وبالنسبة إلى مصر فإن استمرار الأزمة لا يعني ارتفاع فاتورة النفط وحسب، بل يهدد بزيادة الضغوط على الدولار، ورفع معدلات التضخم، وزيادة كلفة الإنتاج والواردات، فضلاً عن التأثير المحتمل في حركة التجارة وقناة السويس، ولذلك يبقى استقرار مضيق هرمز عاملاً حاسماً ليس لأسواق الطاقة وحسب، وإنما أيضاً لاستقرار الاقتصادات النامية التي تتحمل عادة النصيب الأكبر من كلفة الأزمات الجيو-سياسية.
(اندبندنت عربية)