عقب نحو أربع سنوات من التهدئة في اليمن، شهدت الأيام الماضية ارتفاع مؤشرات التصعيد بين أطراف الصراع وآخره استهداف جماعة الحوثي تجمعات جنود حكوميين، يوم الخميس، نتج عنه قتل وجرح العشرات في تطور ينذر بعودة الحرب.
وبدأت ملامح التصعيد بإطلاق الحوثيين رحلات جوية مباشرة بين طهران وصنعاء رغماً عن السلطات المعترف بها دولياً، وأتبعت ذلك بتهديد السعودية، وهو ما قوبل بإجراءات منسقة للحكومة والتحالف الداعم لها بقيادة الرياض بلغ قصف مدرج مطار صنعاء لقطع الجسر الجوي بين طهران وذراعها في اليمن. فيما أعلن مجلس الوزراء اليمني حالة الانعقاد الدائم لمواجهة ما وصفه بـ "التصعيد الحوثي" وحماية السيادة الوطنية.
ومن جانبها، واصلت الميليشيات تصعيدها وأعلنت "فرض حظر بحري على الملاحة السعودية" قوبل بإدانة الأخيرة والدول العربية وأتبع عملياً بتشكيل تحالف بحري يتوقع أن يفضي إلى هندسة أمنية مائية مهمتها ردع السلوك الحوثي وتأسيس منظومة بحرية جديدة.
وبالتزامن توالت مؤشرات الاستعداد القتالي لقوات الحكومة الشرعية على كافة جبهات القتال في ظل أنباء تتحدث عن اقتراب بدء عمليات حربية تنهي سيطرة الجماعة الحوثية، استبقته الأخيرة بقصف تجمعات "قوات الطوارئ" في منطقة الرويك شرقي مأرب سقط إثرها عشرات القتلى والجرحى من الجنود، وهو التصعيد الأعنف منذ بدء الهدنة الأممية غير المعلنة في العام 2022.
في محاولة لفهم الذهنية السياسية التي تدير بها الجماعة مشاريعها السياسية، لا يقرأ المراقبون مؤشرات تصعيدها الأخير بمعزل عن التطورات المتعلقة بالملف الإيراني، ولكنهم يعدونه في الوقت ذاته وسيلة معتادة دأبت عليها للهرب من الأزمات الداخلية والتزاماتها أمام السكان في المناطق التي يسيطرون عليها في ظل الضيق الشعبي المتنامي.
الحصار رافعة المطالب للهرب من الداخل
يستدل المراقبون السياسيون بالسلوك الحوثي "المعتاد" المتمثل بإحياء الخطاب التعبوي الذي يحشد المجتمع لمواجهة "العدو والحصار"، وتسخير الطاقات والإمكانات لمجابهة "المؤامرات الإسرائيلية" كوسيلة فعالة لاستعادة التعبئة وتوجيه اهتمام الرأي العام نحو خصم خارجي بلغة تستدعي البعد الديني والوطني بوضوح.
وفق السردية المعلنة للتصعيد الأخير، تذرعت آلة الدعاية الحوثية بما تصفه بـ"كسر الحصار"، وظلت الحجة الأكثر ترديداً في خطابها الرسمي.
بينما يرى مراقبون، أن وراء هذه الدعاية المكثفة أهدافاً سياسية أخرى بإيعاز من النظام الإيراني كان آخرها حديث المستشار العسكري للمرشد الأعلى محسن رضائي المطابق لما يطرحه المراقبون، عندما توعد في مقابلة مع CNN في يونيو/ حزيران الماضي بتوسيع نطاق الصراع العسكري ليشمل المحيط الهندي ومضيق باب المندب، ما لم تفِ واشنطن بالتزاماتها وتسارع لدفع 24 مليار دولار كدفعة أولى من الأموال الإيرانية المجمدة.
ولفهم طبيعة هذه العلاقة، يقول الباحث السياسي اليمني، محمد القاضي، إن طهران ترى في التصعيد الإقليمي وسيلة فعالة ومنخفضة الكلفة لتشغيل جبهة اليمن في محاولة لدفع السعودية إلى ممارسة ضغوط على واشنطن للعودة إلى مسار خفض التصعيد.
من خلال تفعيل الجبهة اليمنية، تكشف طهران، وفقاً للقاضي، عن القيمة الاستراتيجية لأوراق أذرعها في المنطقة، التي آن أوان استخدامها لتبعث برسالة ابتزاز مفادها أن استمرار استهدافها سيترتب عليه دفع أثمان في ساحات أخرى دشنته بدخول الطيران الإيراني وقصف جنود الشرعية في العبر اليوم.
سبق وسارعت سارعت الشرعية برعاية إقليمية لسد ذرائع الحوثي بإعلان استئناف الرحلات الجوية بين مطاري صنعاء وعمّان كإثبات لحسن النية لتخفيف العناء أمام حركة المسافرين، ولكن الحوثيين رفضوا تلك المبادرة وأكدوا على مطلبهم بحصر النقل الجوي عبر شركة ميهان التابعة للحرس الثوري، وهو موقف يكشف بحسب القاضي "التناقض بين سلوكهم وشعاراتهم".
وتنفي البيانات التي أعلنها التحالف ادعاءات الجماعة المصنفة على لوائح الإرهاب عن إغلاق موانئ الحديدة المطلة على البحر الأحمر (غرب اليمن) التي يسيطرون عليها أمام حركة الملاحة.
وأصدر متحدث التحالف، عشية وصول الطائرة الإيرانية إلى صنعاء، بياناً قال فيه إن جميع الموانئ اليمنية بما فيها الحديدة ورأس عيسى والصليف مفتوحة لاستقبال السفن التجارية.
وكشف عن دخول أكثر من 300 سفينة تجارية خلال النصف الأول من عام 2026، وهو ما لم تود الجماعة كشفه أمام الرأي العام والكتلة السكانية الأكبر في البلاد التي تحكم قبضتها عليها، خصوصاً وهي ملزمة بتوفير الخدمات وفي مقدمتها المرتبات.
في تصريحات متلفزة، يقدّر المستشار الاقتصادي في الرئاسة اليمنية فارس النجار حجم عائدات الـ 300 سفينة فقط التي جنتها الجماعة الحوثية بنحو مليار دولار، قال إنهم "ينفقونها لدعم الترسانة العسكرية وليس الخدمات العامة أو رواتب الموظفين".
مكاسب بلا كلفة
عند الإقرار بالتبعية الحوثية لإيران، تبرز التساؤلات عن مصلحة الجماعة من منظورها السياسي والاجتماعي في ظل الأزمة الوجودية التي تحيط بحلفائهم في طهران.
يربط المراقبون بين تصعيدها الأخير والتطورات المتعلقة بالملف الإيراني، ولكنهم في الوقت ذاته يعدونه وسيلة ابتزاز معتادة لتحقيق مكاسب ذاتية، إضافة إلى الهرب من الالتزامات الداخلية في المناطق التي يسيطرون عليها.
يرى الباحث السياسي ماجد عبدالله أنه يمكن فهم ذهنية الحوثي من خلال سلوكه على مدى الفترة الماضية.
سنلحظ، وفقاً لعبدالله، "نمطاً متكرراً"، يتمثل هذا النمط في الآتي، "عادة ما يقوم بالتصعيد التدريجي ويتجنب الحرب الشاملة وهذا يساعده في رفع سقف مطالبه، ويمنحه بالتالي قوة في أي موقع تفاوضي".
يلحظ أيضاً "تجنب أية مواجهة قد تهدد بقاء الجماعة نفسها كما فعل بقصف الجنود في العبر، ولكنه في الوقت ذاته يلعب على تناقضات الشرعية وتشتتها، كذلك ينتهز تردد خصومه ويعده فرصة سانحة لتوسيع هامش حركته ميدانياً وسياسياً".
بمعنى أن الحوثي "ليس من مصلحته حرب مفتوحة ومكلفة مع الشرعية والسعودية إذا كان قادراً على تحقيق مكاسب من دونها، من خلال تعظيم نفوذه السياسي والعسكري بأقل تكلفة ممكنة". للوصول لتلك المكاسب يقول إن الميليشيات تنتهج "سياسة رفع الأخطار تدريجاً"، وهي سياسة "قد تنجح إذا لم تواجه بردع كامل، وقد تنقلب عليها إذا أدت إلى رد عسكري واسع يفوق توقعاتها".
(توفيق الشنواح)