8 أغسطس 2026
8 أغسطس 2026
يمن فريدم-الجزيرة نت


يبدو التصعيد العسكري في اليمن هذه المرة أكثر حدة من أي وقت مضى إثر استهداف مكثف من جماعة أنصار الله (الحوثيين) بالصواريخ الباليستية والطيران المسير -الخميس الماضي- لمعسكرات قوات الطوارئ الحكومية في مأرب وحضرموت شرقي البلاد.

وجاء هذا الهجوم العنيف، وفق تصريح مدير المركز الإعلامي للفرقة الأولى طوارئ منصور الزيلعي، للجزيرة نت، ردا على عملية أمنية نفذتها الفرقة في صحراء حضرموت ومأرب وشبوة وجزء من الجوف يوم الأربعاء الماضي، لقطع طرق تهريب السلاح والمخدرات القادمة عبر المسارات الصحراوية الممتدة من حدود سلطنة عمان.

تستمد هذه الرقعة الجغرافية ثقلها الجيوسياسي -وفق الزيلعي- من كونها الرئة اللوجستية والشريان الحيوي الممتد عبر صحراء هذه المناطق الأربع، إذ تشكّل هذه الهضبة الشرقية المفتوحة جسرا صحراويا يربط خطوط التهريب القادمة من المنافذ والحدود الشرقية بمراكز القيادة والتصنيع العسكري لجماعة الحوثي في شمال ووسط اليمن.

وتكمن أهميتها -حسب المصدر نفسه- في أنها مسرح لشبكة طرق صحراوية سرية وغير معبدة تُستخدم لتمرير شحنات السلاح والمعدات التقنية ومكونات المتفجرات، متجاوزة خطوط التماس العسكرية والنقاط الرسمية؛ مما يجعل السيطرة عليها ضربة مباشرة لقلب التمويل اللوجستي للجماعة.

حملة استباقية

ووفق الزيلعي، أجرت الفرقة الأولى طوارئ حملة استباقية -الأربعاء الماضي- تضمنت تنفيذ عمليات اقتحام استهدفت مقار وشخصيات قبليّة في المنطقة، كان أبرزها مداهمة مقر الشيخ علي الهفتري المعروف بـ"أبي زامل"، حيث كشفت التحركات الميدانية -التي رصدتها الجزيرة نت- عن "وجود ورش متكاملة لتصنيع ألغام مموّهة على شكل صخور جبلية"، إضافة إلى "ترسانات ضخمة من الأسلحة والذخائر المتنوعة".

وهذه الفرقة هي تشكيل عسكري وأمني ينتمي إلى وزارة الدفاع في الحكومة الشرعية ويقودها اللواء ياسر عبد الله المعبري الحارثي، حيث تتولى مهام تأمين الطرق الدولية ومكافحة التهريب والإرهاب، وتنتشر في المناطق الصحراوية الإستراتيجية بين مأرب وشبوة وحضرموت كالعبر والرويك.

وقال مدير المركز الإعلامي للفرقة منصور الزيلعي إن المبادرة الاستباقية حسمت الجولة الأولى من المواجهة، موضحا: "أوجعناهم وكان لنا السبق في الهجوم وكسرهم نتيجة معلومات استخباراتية دقيقة. اقتحمنا منزل أبي زامل ووجدنا فيه مصنعا للمتفجرات والألغام التي تُزرع في الجبال على شكل أحجار، إضافة إلى سلاح بلا حساب".

وأكد أن "هذه الضربة حرمت جماعة الحوثي من إستراتيجية حرب الطرقات التي اعتمدت عليها لإعاقة تقدم القوات الحكومية واستنزاف تحركاتها عبر العبوات الناسفة؛ لأن تأمين خطوط الإمداد يمثل ركيزة بقاء الوحدات الميدانية".

أفضت التحقيقات المكثفة مع العناصر التي تم القبض عليها -وفق الزيلعي- إلى تفكيك الخرائط السرية للتهريب، بعدما تبين وجود طرق صحراوية ممتدة أصبحت تبدو كالمسارات الرسمية نتيجة الكثافة العالية لشاحنات و"قواطر" التهريب المارة عبرها.

وأضاف أنه على إثر ذلك، صدرت الأوامر العسكرية بنشر 4 ألوية تضم أكثر من 200 عربة عسكرية في الصحاري الممتدة بين مأرب وحضرموت، مما أدى إلى إحكام السيطرة على المسارات الصحراوية وضبط شحنات وقوافل تهريب متتالية منذ ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء الماضي، وشكّل خنقا متزايدا لشبكات التمويل اللوجستي الحوثية.

ضربات انتقامية

في المقابل، اتجهت جماعة الحوثي نحو خيار الضربات الصاروخية الانتقامية المباشرة باتجاه معسكرات ومقرات القيادة التابعة لقوات الطوارئ الحكومية، إلا أن "الانتشار العملياتي الميداني للفرقة الأولى طوارئ ووجود معظم قياداتها وكادرها الإعلامي على بعد نحو 400 كيلومتر في المهمة الصحراوية، حال دون وقوع نكسة قيادية واسعة"، حسب الزيلعي.

وأوضح: "أراد الحوثي أن يوجعنا باستهداف المعسكر حيث كان يوجد الجنود المستجدون، لكن القوة الكبيرة كان معظمها معنا في الصحاري لأننا استعنا بهم في الميدان. وبفضل الله معظم القادة والضباط كانوا معنا، ولو كنا موجودين لحظة وصول الصواريخ لحدثت كارثة أكبر ولتجاوز عدد الخسائر مئات الشهداء والجرحى".

وفي التفاصيل، استهدفت جماعة الحوثي قوات الفرقة الأولى طوارئ بـ8 صواريخ باليستية تركزت على معسكر "الثنية" ومعسكر قيادة الفرقة في منطقة "العبر" (اللواء 23 سابقا)، وأصابت عنابر الجنود المستجدين والمباني القيادية صباح الخميس الماضي، وتعرضت الفرقة الثالثة لهجوم بعد الظهيرة.

واستخدمت الجماعة في هجماتها نحو 17 صاروخا باليستيا ومن 5 إلى 7 طائرات مسيرة انتحارية ضد مقرات الفرقتين، وفق المصدر نفسه، وسط تكتم رسمي من المتحدث العسكري للجماعة حول تفاصيل العملية وإحصائياتها.

وحسب الأرقام التي وثقتها الشعبة الطبية التابعة لقوات الطوارئ الحكومية ليلة الخميس الماضي، واطلعت عليها الجزيرة نت، فقد ارتفع عدد قتلى الفرقة الأولى إلى 17 شخصا بعد انتشال جثة شخص كان مفقودا تحت الأنقاض، وأصيب 61 آخرون بجروح بين متوسطة وحرجة، تركز معظمها في صفوف الجنود المستجدين، مع ترجيح مقتل 3 ضباط في نطاق المنطقة الوسطى.

في المقابل، صرح عمار التام، من العلاقات العامة في الفرقة الثالثة طوارئ، للجزيرة نت، بأن خسائرهم اقتصرت على تسجيل 8 جرحى من كتيبة الشرطة وأضرار مادية "بسيطة"، إذ تركزت الخسائر البشرية في الفرقة الأولى طوارئ.

كما نفى قائد ميداني في الفرقة الثالثة، طلب حجب هويته، الأنباء التي أعلنها الإعلام المحسوب على الحوثيين بشأن مقتل أحد القادة الميدانيين، وقال للجزيرة نت: "القائد الذي أعلنوا استشهاده موجود خارج اليمن في دورة عسكرية ولم يصب بأذى، والحملة الإعلامية المصاحبة للعدو بعيدة تماما عن الواقع".

إجراءات احترازية

وفي إطار الإجراءات الاحترازية التي أعقبت الهجمات، أوقفت السلطات الحكومية ليلة الخميس الماضي جميع شبكات الاتصالات والإنترنت في مأرب وحضرموت. وأوضح مسؤول في جهاز أمن الدولة في مأرب، طلب حجب هويته، للجزيرة نت أن القرار كان "لدواعٍ أمنية ولمنع التجسس الرقمي، لكون معظم الشبكات تقع تحت سيطرة الحوثيين، ليقتصر الاستخدام على شبكة البث الفضائي "ستارلينك".

ولم تتوقف الهجمات عند حدود الثكنات العسكرية؛ إذ امتد القصف صباح أمس الجمعة ليستهدف مخيمات النازحين في منطقة "سائلة الميل" ومحيط "جو النسيم" بضواحي مدينة مأرب. وأسفر الهجوم -وفق تصريحات وزارة الصحة- عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، بينهم نساء وأطفال.

من جانبها، أدانت "الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين" بمأرب الاستهداف، واصفة إياه بـ"الاعتداء الجديد والانتهاك الصارخ للقانون الدولي الإنساني، والجريمة التي تهدد حياة آلاف الأسر النازحة"، داعية المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى اتخاذ موقف حازم يكفل حماية المدنيين ومخيمات النزوح من القصف المتكرر.

تؤكد المعطيات الميدانية في مأرب وحضرموت -حسب مراقبين- أن المواجهة الحالية تجاوزت نمط الاشتباكات التقليدية على خطوط التماس، لتتحول إلى حرب شبكات وطرق إمداد حاسمة. ويبقى الميدان مفتوحا على احتمالات تصعيد أوسع حيث تحاول جماعة الحوثي التعويض عن خسائرها عبر الكثافة الصاروخية، بينما تسعى القوات الحكومية إلى تأسيس نفوذها العسكري والأمني في عمق الهضبة الشرقية.

(صهيب المياحي)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI