16 يناير 2026
7 يناير 2026
يمن فريدم-خاص-ياسمين الصلوي
أرشيف


لم تكن أماني (اسم مستعار) تعلم أن إقامة الفتيات في الفنادق تتطلب وجود "محرم"، فقد انطلقت برفقة والدتها، التي تعاني من أمراض مزمنة، في رحلة علاجية من مدينة تعز إلى العاصمة صنعاء، بغرض زيارة طبيب مختص. لكنها فوجئت عند وصولها بأن الإقامة في الفندق غير ممكنة بدون مرافق شرعي، الأمر الذي وضعها في موقف صعب وأربك رحلتهن العلاجية.

تقول أماني إنها حاولت إقناع موظف الاستقبال بالسماح لها بالمبيت ولو لليلة واحدة، لكنه رفض وأكد أن عليه التزاماً بتعميم صادر عن الجهات المختصة يمنع إقامة النساء في الفنادق دون وجود محرم، مهما كان السبب.

تصف أماني "ذلك اليوم بأنه كان عصيباً؛ فقد وصلت إلى مدينة لا تعرف فيها أحداً، سوى أنها عاصمة وطن يفترض أن يكون للجميع، لكنه اختار أن يغلب عليه التمييز وتقييد النساء بدل تمكينهن".

بعد ساعات من الانتظار والقلق، كانت صديقتها بمثابة طوق نجاة أنقذها من المبيت في الشارع. جلست أماني على أحد الأرصفة في العاصمة، وبجوارها والدتها المريضة، تحاول بشتى الوسائل التواصل مع صديقاتها عبر الهاتف، بحثاً عن من يمكنه مساعدتها في إيجاد وساطة لدى أحد العاملين في الفنادق، علّها تتمكن من الإقامة ليومين فقط. وأخيراً، استجابت إحدى الصديقات وساعدتها في تأمين مكان للمبيت، وسط شعور بالخوف وعدم الأمان، قبل أن تتمكن لاحقاً من العودة إلى منزلها في تعز.

تقول أماني :"لابأس أن نمشي وفق العادات والتقاليد والأعراف مع مراعاة ظروفنا في حالات كثيرة، هل يعقل أن أبقى على الرصيف افضل من أن أجد غرفة أأمن بها على نفسي في مدينة لا تعرف بها أحد واضطرت لزيارتها".

تتكرر المعاناة لدى (هناء) وصديقتها اللواتي قرّرن أخذ إجازة قصيرة من عملهن ، والسفر إلى إحدى المحافظات بغرض التنزّه، لكن رحلتهن تحوّلت إلى متاعب متتالية بسبب رفض الفنادق استقبالهن لعدم وجود "محرم" يرافقهن.

تقول هناء: "زرنا أكثر من فندق بحثًا عن مكان للمبيت ليلة واحدة فقط، لكننا صُدمنا برفض الجميع. تفاجأنا بأن أسماءنا كانت معمّمة في كافة الفنادق، وتم منعنا من الإقامة بشكل نهائي. لم يكن أمامنا خيار سوى العودة إلى مناطقنا، رغم أننا لم نرتكب شيئًا سوى أننا أردنا قضاء وقت راحة واستجمام كأي مواطن".

مبررات

قال مسؤول في أحد فنادق مدينة تعز – فضل عدم ذكر اسمه – إن إدارة الفندق تلقت توجيهات من البحث الجنائي تقضي بعدم السماح بإقامة النساء بدون محرم، مؤكدًا أن هذا التعميم مُلزم ويُطبق في جميع فنادق المدينة.

وأضاف أن الخروج عن هذه التعليمات قد يعرّض الفندق للمساءلة القانونية، ما يجعل من الصعب عليهم التعامل مع الحالات الاستثنائية حتى وإن كانت إنسانية.

قال مسؤول في أحد فنادق الحديدة إن القرارات المتعلقة بإقامة النساء صادرة عن وزارة الداخلية، وتشمل تعميمات تنظم استقبال العائلات وموظفات الشركات والمنظمات وفق بروتوكول محدد. وأكد أن إدارة الفندق تلتزم بتطبيق هذه الإجراءات، أسوة ببقية الفنادق في عدد من المحافظات اليمنية، مشيرًا إلى أن الالتزام بها يأتي تجنبًا لأي مساءلة قانونية.

نظر القانون

ترى المحامية ورئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات، هدى الصراري، أن الإجراءات المفروضة على تنقل النساء وإقامتهن تمثل "قيودًا إضافية" لا يواجهها الرجال، وتحوّل السفر أو الإقامة الفندقية من حق طبيعي إلى عبء نفسي وإجرائي.

وأوضحت أن المرأة العاملة أو المسافرة تضطر في كثير من الأحيان إلى إلغاء فرص عمل أو تدريبات أو مشاركات مهنية، لمجرد عدم توفر مرافق ذكر، الأمر الذي يحد من قدرتها على الاستفادة من فرص التطور المهني.

وأضافت الصراري أن هذه القيود تخلق ضغوطًا نفسية متزايدة لدى النساء، وتُشعرهن بعدم الأمان، وكأن استقلاليتهن موضع شك دائم. وعمليًا، تؤدي هذه الإجراءات إلى تقليص فرص النساء الاقتصادية والمهنية، ودفع بعضهن إلى العزوف عن السفر أو حصر نشاطهن في نطاق جغرافي ضيق.

وبحسب الصراري، فإن هذه الإجراءات لا تقيّد حركة النساء فحسب، بل تعيد تعريف الفضاء العام بوصفه مساحة غير متاحة لهن إلا بشروط، حيث تصبح المرأة غير قادرة على اتخاذ قرارات أساسية مثل الإقامة في فندق لأغراض العمل أو العلاج أو التعليم دون وصاية ذكرية.
وأشارت إلى أن هذا الواقع يفرض اعتمادًا قسريًا على الرجل، ويحد من استقلالية المرأة وقدرتها على التخطيط لحياتها المهنية والشخصية.

وترى أن استمرار هذه السياسات قد يحول القيود المؤقتة إلى أداة إقصاء ممنهجة، تُبقي النساء محصورات في أدوار تقليدية، وتمنع مشاركتهن الكاملة في الحياة العامة.

اعتبرت الصراري أن هذه الإجراءات يمكن إدراجها ضمن أشكال العنف "القائم على النوع الاجتماعي"، كونها تفرض تمييزًا ممنهجًا على النساء بسبب جنسهن فقط، دون مبررات قانونية موضوعية. وأوضحت أن العنف لا يقتصر على الأذى الجسدي، بل قد يكون مؤسسيًا أو قانونيًا، من خلال تقييد الحقوق والحريات وتعزيز علاقات قوة غير متكافئة بين الرجال والنساء.

وأكدت أن منع امرأة راشدة من التنقل أو الإقامة بشكل مستقل يشكل انتهاكًا لكرامتها الإنسانية، وحقها في حرية الحركة والمساواة أمام القانون.

فيما أكدت الحقوقية خديجة خالد، أن منع النساء من الإقامة في الفنادق دون محرم لا يستند إلى أي أساس قانوني، بل يُشكّل انتهاكًا صريحًا للدستور اليمني الذي كفل حرية التنقل والإقامة لجميع المواطنين دون تمييز.

"القوانين اليمنية النافذة، بما فيها قانون الأحوال المدنية وقانون العمل وقانون العقوبات، لا تتضمن أي نص يلزم المرأة بوجود محرم، وما يمارس على الأرض اليوم ليس قانوناً، بل قرارات أمر واقع فرضتها جماعات دينية ومسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة. بحسب خديجة.

وتضيف في حديثها ليمن فريدم:" أن هذه الممارسات انعكست بشكل مباشر على النساء العاملات، حيث يتعرضن للتوقيف في النقاط الأمنية أو يُمنعن من الإقامة أثناء أداء مهام عملهن، ما يشكل عائقاً قانونياً واقتصادياً، ويقوّض حق المرأة في العمل والاستقلال، ويعيد إنتاج الوصاية الذكورية تحت غطاء ديني لا علاقة له بسيادة القانون أو الدين الإسلامي".

تداعيات الإجراء

ترى المدير التنفيذي لمؤسسة وجود للامن الإنساني مودة خالد قدار أن هذه الإجراءات تقيد تحركات النساء المسافرات والعاملات، وأن هناك من يسافرن من أجل العمل، أو العلاج، أو التعليم، أو حتى لقضاء مهمة قصيرة، وعندما يُطلب منهن وجود محرم، تتعطل أمورهن، وتُلغى خططهن، وأحيانًا تُضيع فرص مهمة في حياتهن. بعض النساء يضطررن لرفض عمل أو تدريب أو مهمة مهنية ليس لأنهن غير قادرات، بل لأن الطريق لم يُفتح لهن".

وتقول إن هذه التحركات تحرم النساء من حقهن في السكن المؤقت أثناء السفر وتعرض النساء للإهانة والتمييز أثناء محاولتهن الحصول على إقامة فندقية وتمنع كثيرًا من النساء من السفر للعمل أو الدراسة أو العلاج كما تؤدي إلى خسارة فرص عمل وتدريب ومشاركة في أنشطة مهنية، وتضع النساء في مواقف غير آمنة، مثل الاضطرار للمبيت خارج الفنادق.

وترى قدار أن هذه القيود تجعل المرأة تفكر ألف مرة قبل أن تتحرك.: هل سأُمنع؟ هل سأتعرّض للإحراج؟ هل سأُعيد من منتصف الطريق؟ هذا الخوف المستمر يجعل كثيرًا من النساء يفضلن البقاء في أماكنهن، ويقللن من مشاركتهن في الحياة العامة، ويبتعدن عن السفر حتى لو كان ضرورياً. مع الوقت، تصبح الحركة نفسها عبئاً نفسياً.

وتعتبر قدار هذا الإجراء عنف قائم على النوع الاجتماعي لأنها تُفرض على المرأة فقط، وتُبنى على فكرة أن المرأة لا تستطيع أن تقرر أو تتحرك أو تحمي نفسها دون رجل.

وترى أن هذا النوع من العنف لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يترك شعورًا دائمًا بالقيود، وبأن المرأة أقل حرية وأقل ثقة. عندما تُقيّد المرأة فقط لأنها امرأة، فهذا عنف قائم على النوع الاجتماعي، حتى وإن جاء في صورة "إجراء أو عرف".

آراء متفاوتة

رئيس منظمة "نضال لحقوق الإنسان"، محمد الخضيري، يقول إن إقامة الفتيات في الفنادق بدون محرم لأسباب تتعلق بالعمل أو الدراسة أو العلاج أمر طبيعي ولا يحمل أي إشكال، ويضيف: "معظم الفتيات في دول مثل الصين، فرنسا، وروسيا سافرن ودرسن دون محرم، واليوم أصبحن دكتورات وقويات ولهن دور فاعل في المجتمع".

ويؤكد الخضيري أن الفارق يكمن في البيئة والواقع: "في الدول المتقدمة، هناك أمن وعدالة تحمي المرأة، ولا يجرؤ أحد على التحرش بها أو اختطافها. أما في اليمن، فالوضع مختلف تماماً، فغياب الأمن هو ما يثير المخاوف".

ويختم تصريحه قائلاً: "لو توفرت الدولة المدنية الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان والمرأة، لما كانت هناك أي مشكلة، بل سيكون الأمر طبيعياً جداً".

الأكاديمية في جامعة صنعاء سامية الاغبري تقول إنها مع إقامة النساء في الفنادق بدون محرم ، باعتبار أن المرأة مواطنة لها حقوق مثلها مثل الرجل.

وترى "أن الأهم هو إبرازها هويتها بطاقتها أو جواز سفر،فهي إذن شخصية مستقلة وتحاسب على أي خطأ ترتكبه. وإذا حدث إخلال بالاداب العامة فهي تنطبق على المرأة والرجل لأن المرأة ستمارس الخطيئة مع رجل وبالتالي فإنها ستحاسب مثله أيضًا".

وتشير في حديثها أن هناك نساء ليس لهن محرم لا زوج ولا أخ ولا أهل يسافروا معها فبعضهن من باب الضرورات والبعض الآخر شخصيات اجتماعية معروفة وذات كيان مستقل كاستاذة جامعية أو صحفية أو محامية أو إدارية أو ناشطة سياسية وما شابه ذلك فكيف يطالبوها بمحرم!.
تقول الاغبري في حديثها إن حكاية المحرم هو تقليل من شأن المرأة وانتقاص من وجودها الاجتماعي وأهميتها في التنمية المجتمعية.

كما أن وضع المرأة اليمنية أثناء الحرب تغير تمامًا فقد أضحت تعول أسر وتتحمل مسؤوليات جسام فكيف نعرقلها بحكاية المحرم. وأنه قد يكون معها مؤتمر في دولة عربية أو أجنبية ومن الصعب عليها أن تأخذ معها "محرم" وتصرف عليه.

وتختم الاغبري حديثها بقولها "إن وضع البلد على كف عفريت ونحن مازلنا نحاصر المرأة ونضع أمامها العراقيل الا يكفيها ما هي فيه".

بدائل

تقول الصحفية وداد البدوي إن هذه الإجراءات تخلق معاناة حقيقية أمام حرية تنقل وإقامة النساء، وتشكل في الوقت ذاته عائقاً أمام إدارات الفنادق التي تتكبد خسائر نتيجة تراجع عدد الزائرات.

وتوضح البدوي أنها سبق أن طرحت مقترحات على بعض أصحاب الفنادق، تضمنت تخصيص أجنحة خاصة بالنساء تُمنع فيها زيارات الرجال بشكل تام، مع التأكيد على التحقق من الهوية الشخصية للمرأة عند الإقامة، دون الحاجة لمحرم، إذا كانت هذه الإجراءات تهدف لحمايتها.

لكنها تشير إلى أن رد الفنادق كان بأن هذه المقترحات قُدمت سابقاً للجهات المختصة، لكنها قُوبلت بالرفض، مؤكدين على ضرورة وجود محرم أو مذكرة رسمية من جهة العمل.

وتتابع البدوي: "إذا كان هناك قلق حقيقي على النساء، فليُمنع الرجال من زيارة النساء والعكس داخل الفنادق، أما أن يُمنع النساء من الإقامة دون محرم، فليس هذا هو الحل العادل".

يبقى السؤال: كيف يمكن للمرأة أن تعيش في وطنها بحرية واستقرار، وهي تُحرم من أبسط حقوقها، وتُسلب منها بالقوة، وتُجبر على النضال لاستعادتها بالقوة أيضًا؟
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI