في الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل/ نيسان عام 2023 لم تُقصف المدن والقرى وحدها، بل أصبحت أجساد النساء هي الحدود الأخيرة للصراع، حين تحول العنف الجنسي إلى رسالة سياسية، وأداة ترهيب ولغة صامتة يخاطب بها المجتمع بأكمله.
الانتهاكات التي طاولت النساء تجاوزت كونها مجرد جرائم عابرة، بل امتداد طويل لتاريخ حروب طويلة بُنيت على أن السيطرة الحقيقية تبدأ من الجسد، من ضبطه، وإعادة تعريفه، والتحكم في قدرته على الحياة والكرامة. ففي اللحظات التي تنهار فيها المؤسسات والقوانين، يتحول الجسد إلى المجال الأكثر قابلية للاحتلال، والأسرع تأثيراً في الوعي الجمعي، لأنه يمس المعنى العميق للأمان والانتماء والهوية.
وقد بدا هذا المعنى أكثر قسوة في التطورات الأخيرة للحرب، خصوصاً بعد التقارير الدولية حول حصار مدينة الفاشر في دارفور، أواخر العام الماضي، حيث وثقت بعثة أممية أنماطاً واسعة من العنف الجنسي ارتكبت في حق نساء وفتيات تراوح أعمارهن بين السابعة والـ70 سنة، شملت الاغتصاب الجماعي والتعذيب والإذلال العلني أثناء الهجمات على المدنيين.
وظهرت هذه الأفعال ضمن سياق من العنف المنهجي الذي رافق السيطرة العسكرية على المدينة، حتى وصفه محققون دوليون بأنه يحمل "سمات الإبادة الجماعية" من حيث استهداف جماعات بشرية عبر أجساد نسائها أولاً.
وأفادت تقارير أممية ومنظمات إنسانية بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي تضاعف بصورة غير مسبوقة خلال الحرب، مع ارتفاع أعداد المعرضين له إلى أكثر من 12 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات.
أظهر تحقيق مستقل عن بعثة تقصي الحقائق المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة صدر الخميس الماضي أن العنف الجنسي الممنهج في مدينة الفاشر بعد سيطرة قوات "الدعم السريع" في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يشكل جزءاً من خطة إبادة جماعية. شهدت المدينة آلاف حالات القتل والاغتصاب خلال ثلاثة أيام، مع استهداف ممنهج للنساء والفتيات من قبيلتي الزغاوة والفور، إضافة إلى البرتي والمساليت والتاما، في إطار حصار دام 18 شهراً.
وذكر رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شاندي عثمان أن "نطاق العمليات وتنسيقها وتأييد قيادة (الدعم السريع) تظهر أن الجرائم لم تكن تجاوزات عشوائية، بل استراتيجية مخططة". وأكد التقرير أن العنف الجنسي، إلى جانب القتل الجماعي والتعذيب ونهب الممتلكات، استخدم كوسيلة لتدمير الجماعات غير العربية، مما يشكل جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي، مطالباً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتحرك فوراً لحماية المدنيين وضمان المساءلة.
إحصاءات صادمة
أورد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول العنف الجنسي في النزاعات أن مقدمي الخدمات الإنسانية وثقوا عشرات الحالات المؤكدة خلال عام 2023، ثم سجلت منذ بداية عام 2024 وحده 221 حالة اغتصاب لأطفال، بينهم رضع لم تتجاوز أعمار بعضهم سنة واحدة، مع تسجيل حالات اختطاف واحتجاز أعقبها اغتصاب جماعي أدى إلى حمل قسري وإصابات جسدية خطرة.
في السياق ذاته أعلنت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في السودان توثيق 1138 حالة اغتصاب نسبت إلى عناصر من قوات "الدعم السريع" منذ اندلاع الحرب وحتى فبراير/ شباط عام 2025، مع تأكيد المسؤولين أن العدد الحقيقي يرجح أن يكون أعلى بكثير نتيجة الصمت القسري والوصمة الاجتماعية التي تمنع الإبلاغ.
ووثقت تقارير حقوقية دولية حالات استعباد جنسي واعتداءات جماعية ارتكبت أثناء عمليات اقتحام وتهجير، مما دفع منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" إلى وصف بعض الانتهاكات بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
في مارس/ آذار عام 2025، كشفت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في السودان عن إحصائية صادمة حول حالات الاغتصاب في مناطق سيطرة قوات "الدعم السريع".
وأوضحت مديرة الوحدة سليمى إسحاق أن 193 طفلة وثقت تعرضهن للاغتصاب، فيما قدمت الوحدة خدمات صحية للمصابات في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار وشمال وغرب كردفان وولايات دارفور بين أبريل عام 2023 وفبراير عام 2025.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تسجيل 221 حالة اغتصاب أطفال منذ بداية عام 2024، 66% منها إناث و33% ذكور، بما في ذلك 16 طفلاً تحت عمر خمس سنوات وأربعة رضع.
واعتبرت المديرة التنفيذية لـ"اليونيسيف" كاثرين راسل هذه الجرائم انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي قد يشكل جريمة حرب، وأضافت أن العنف الجنسي يزرع الرعب ويترك ندوباً طويلة الأمد، داعية جميع الأطراف لوضع حد لهذه الانتهاكات.
وذكرت "هيومن رايتس ووتش" أنه منذ سبتمبر/ أيلول عام 2023، ارتكب مقاتلو "الدعم السريع" والميليشيات المتحالفة معها في جنوب كردفان سلسلة من الانتهاكات المروعة في حق النساء والفتيات، شملت الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي.
ففي الـ31 من ديسمبر/ كانون الأول 2023، عقب سيطرتهم على بلدة حبيلة، اقتحم المقاتلون منازل المدنيين وقتلوا عدداً من الرجال واغتصبوا عشرات النساء والفتيات أمام ذويهن، ونهبوا ممتلكات العائلات.
وفي فبراير 2024 هاجمت المسلحون بلدة فايو، حيث اختطفت مجموعة من النساء والفتيات، احتجزن في قاعدة عسكرية في الدبيبات، واغتصبن يومياً على مدى ثلاثة أشهر، مما يرقى إلى استعباد جنسي منهجي.
وقالت المديرة المشاركة لقسم الأزمات والنزاعات في "هيومن رايتس ووتش" بلقيس والي "تعكس هذه الحوادث اغتصاباً جماعياً واستعباداً جنسياً منظماً، ويجب على الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي التحرك فوراً لحماية الضحايا وضمان العدالة".
توصيف الانتهاكات
قال الباحث الاجتماعي محمد الشيخ إدريس "إن فهم ما يجري اليوم في الحرب لا يمكن أن يقتصر على توصيف الانتهاكات باعتبارها جرائم فردية، بل يجب قراءتها ضمن تاريخ طويل من توظيف الجسد كأداة للسلطة".
وأفاد بأن أنثروبولوجيا الجسد تنظر إلى الإنسان بوصفه كياناً اجتماعيًا وسياسيًا، لا مجرد وجود بيولوجي، "إذ تتشكل دلالات الجسد داخل علاقات القوة والأيديولوجيا والتحولات التاريخية"،
وأورد أن الدراسات التي تناولت السودان في الحقبة الاستعمارية بينت كيف أصبح الجسد محوراً لسياسات الضبط، "إذ تدخلت السلطة في تفاصيل الحياة اليومية، من الولادة والصحة إلى العادات الجسدية، باعتبار أن السيطرة على المجتمع تبدأ من السيطرة على أجساده"، وأضاف أن هذه الرؤية تجعل من العنف في الحروب وسيلة لإعادة ترتيب المجتمع عبر الخوف والإذلال، لا مجرد نتيجة جانبية للقتال.
وتابع الشيخ إدريس أن مفهوم "السياسة الحيوية" يفسر هذا النمط بوضوح، "فالسلطات الاستعمارية، كما أظهرت التجربة السودانية، سعت إلى تنظيم التكاثر والصحة والسلوك الاجتماعي بهدف إنتاج مجتمع قابل للإدارة والانقياد".
وأفاد بأن العنف الجنسي في النزاعات الحديثة يؤدي وظيفة مشابهة، إذ يعيد تشكيل البنية الاجتماعية من خلال تحطيم الروابط الأسرية والنفسية، وزرع شعور دائم بالهشاشة الجماعية، وأشار إلى أن الاستعمار لم يكن معنياً بالجسد لذاته، بل بما يمثله من طاقة بشرية واقتصادية ورمزية، وهو ما يتكرر اليوم بصيغة أكثر عنفاً في الحروب الداخلية.
ولفت الباحث الاجتماعي إلى أن "استهداف النساء تحديداً ليس أمراً عشوائياً، لأن الجسد الأنثوي في المخيال الاجتماعي السوداني يرتبط بالشرف واستمرارية النسب والاستقرار الأسري".
وأورد أن الاعتداء على المرأة يتحول بذلك إلى اعتداء على الجماعة كلها، إذ يضرب الإحساس بالأمان الاجتماعي في عمقه، ويتحول الجسد إلى "أرض رمزية" تحتل لإخضاع المجتمع نفسياً قبل إخضاعه عسكرياً.
وأضاف أن ما شهدته مناطق دارفور والجزيرة خلال الحرب الأخيرة، من انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات "الدعم السريع"، يعكس هذا النمط التاريخي بوضوح، إذ استخدم العنف الجنسي كسلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير.
وأشار إلى أن شهادات الناجيات تشير إلى أن الاعتداءات غالباً ما رافقت عمليات الاقتحام والتهجير، بما يجعلها جزءاً من استراتيجية ترهيب جماعي، وخلص إلى أن الحرب هنا لا تسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى كسر الإرادة الاجتماعية عبر أكثر نقاطها هشاشة، مؤكداً أن قراءة هذه الأحداث خارج إطارها الأنثروبولوجي تفقدنا القدرة على فهم عمق الكارثة التي يعيشها المجتمع السوداني اليوم.
نمط متكرر
من ناحيتها قالت المحامية وصال عبدالله إن قراءة الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الحرب الحالية لا يمكن فصلها عن الذاكرة القريبة لحرب دارفور منذ عام 2003، مؤكدة أن ما يحدث اليوم يمثل، في جوهره، إعادة إنتاج لنمط عنف قديم أكثر منه ظاهرة جديدة.
وأفادت بأن المنظمات الدولية وثقت خلال حرب دارفور الأولى استخدام الاغتصاب الجماعي كوسيلة لإرهاب المجتمعات المحلية، خصوصاً ضد النساء المنتميات إلى جماعات إثنية بعينها، وهو الأسلوب ذاته الذي تعود تقاريره اليوم في النزاع الراهن، مما يكشف استمرارية بنيوية في طريقة إدارة العنف داخل الصراع السوداني.
وأوضحت عبدالله أن "ميليشيات الجنجويد، التي تطورت لاحقاً إلى قوات (الدعم السريع)، ارتبط اسمها منذ بداية الألفية باتهامات دولية باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، ليس بهدف الاعتداء الفردي، بل لإحداث تفكك اجتماعي واسع".
وأضافت أن التقارير الحديثة الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وثقت حالات اغتصاب جماعي واستهداف نساء وفتيات، مما يشير إلى أن العنف الجنسي في الحرب الحالية اتخذ طابعاً ممنهجاً مشابهاً ضمن عمليات وصفت بأنها منظمة وليست عشوائية، وأشارت تقارير حقوقية إلى أن الاعتداءات غالباً ما نفذت أمام أفراد الأسرة أو أثناء عمليات الاقتحام، وهو نمط سبق توثيقه في دارفور قبل عقدين.
وتابعت المحامية أن المقارنة بين المرحلتين تكشف ثلاث دلالات أساسية، "أولها أن الجسد الأنثوي ظل أداة لإيصال رسالة سياسية إلى الجماعات المنافسة، إذ استخدم الاغتصاب في دارفور عام 2003 لإجبار السكان على النزوح، وهو ما يتكرر اليوم مع موجات تهجير واسعة صاحبت سيطرة قوات (الدعم السريع) على مناطق عدة.
وثانيها أن العنف الجنسي أصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، إذ يؤدي دوراً سريع التأثير في كسر الروابط الاجتماعية من دون الحاجة إلى سيطرة عسكرية طويلة. أما الدلالة الثالثة، فهي أن الإفلات من العقاب في المرحلة السابقة أسهم في ترسيخ هذا السلوك بوصفه ممارسة قابلة للتكرار".
وخلصت إلى أن أخطر ما تكشفه المقارنة ليس فقط تكرار الجريمة، بل تكرار منطقها، فالحرب، كما قالت، لم تتعلم من تاريخها، بل أعادت استخدام الأدوات نفسها، وختمت بأن استهداف النساء في الحالتين لم يكن نتيجة فوضى السلاح وحدها، بل تعبيراً عن فهم عميق داخل بنية الصراع بأن كسر المجتمع يبدأ من كسر أكثر رموزه حساسية، جسد المرأة، بوصفه حامل الذاكرة والاستمرار الاجتماعي معاً.
مسار العدالة
يشير أحدث التقارير الحقوقية إلى أن مسار العدالة في السودان يسير ببطء شديد مقارنة بحجم الانتهاكات المروعة التي ارتكبت ضد النساء، على رغم تصاعد الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عنها.
وتعمل بعثة تقصي الحقائق المستقلة على جمع الأدلة تمهيداً لمساءلة المتورطين، مع مطالبات بتمديد ولايتها لضمان عدم فقدان الأدلة وسط استمرار القتال، غير أن خبراء قانونيين يؤكدون أن الطريق إلى العدالة لا يزال معقداً بسبب غياب سلطة قضائية مستقرة وصعوبة توقيف المتهمين في ظل تعدد مراكز القوة العسكرية.
على رغم ذلك، يبقى الأمل قانونياً قائماً، إذ يمكن إحالة ملفات الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إنشاء آلية دولية خاصة، كما حدث في نزاعات سابقة، فإن الواقع يشير إلى أن العدالة في السودان تقف اليوم عند مرحلة التوثيق وجمع الشهادات أكثر من وصولها إلى المحاكمات الفعلية، مما يفتح تساؤلاً أخلاقياً وسياسياً حول ما إذا كانت هذه الملفات ستتحول إلى تقاضٍ حقيقي أم ستنضم إلى أرشيف طويل من الجرائم غير المحاسبة.
هذا الموقف تحول اليوم إلى إجماع حقوقي وسياسي تتبناه منظمات دولية وسودانية، ترى أن أي سلام محتمل يظل هشاً ما لم يتم تحقيق العدالة للنساء الناجيات من الانتهاكات.
فقد أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أجساد النساء في السودان "أصبحت مسرحاً للجريمة"، داعية إلى استعادة كرامتهن الإنسانية كشرط أساس للخروج من الأزمة. وشددت مبادرات نسوية سودانية وشبكات مجتمع مدني إقليمية، مثل مبادرة النساء في القرن الإفريقي، على أن إنهاء الحرب لا يمكن فصله عن محاسبة مرتكبي العنف الجنسي وضمان مشاركة النساء في مسارات السلام، معتبرة الإفلات من العقاب العامل الذي سمح بتكرار الجرائم منذ دارفور عام 2003 وحتى اليوم.
وأكدت هذه الجهات أن حماية النساء ليست بنداً إنسانياً ثانوياً، بل مدخلاً لإعادة بناء الثقة المجتمعية المدمرة بفعل النزاع.
من جانبها قالت مستشارة النوع الاجتماعي عائشة حمد في وقت سابق "لا سلام في السودان من دون عدالة جندرية ومحاسبة على الانتهاكات"، مؤكدة أن تحرير المدن لا يكتمل طالما بقيت النساء تحت تهديد العنف أو الصمت القسري.
وتتقاطع هذه المواقف مع دعوات مجلس حقوق الإنسان الذي شدد على أن الانتهاكات الواسعة ضد النساء والفتيات تقوض أي عملية سياسية مستقبلية، مؤكداً أن السلام الحقيقي لا يقاس بوقف إطلاق النار، بل بعودة الجسد الإنساني إلى كرامته الطبيعية، كبيت للحياة وليس ساحة للرسائل الدموية.
(اندبندنت عربية)