27 فبراير 2026
26 فبراير 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


تظهر صور طوابير الجياع حول وجبات المحسنين اليومية، مستوى الواقع الإنساني المأسوي الذي بلغه اليمنيون في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية على نحو غير مسبوق.

ومع ظهيرة كل يوم، تتقاطر مئات النسوة في العاصمة صنعاء والمحافظات الأخرى على نوافذ توزيع المطابخ الخيرية ضمن المشاريع التكافلية الأهلية لإطعام الجياع والمعدمين والنازحين الذين ضربهم الجور والحرمان حتى من الحصول على وجبة واحدة تسد دوي الجوع في بطون الصغار في معركة البقاء الصعب.

اتساع دائرة الفقر

إنه واقع الناس بصورة عامة في بلد عرف بخيراته الزراعية ليتحول إلى أكبر تجمع للجياع والمعدمين في الكتلة الجغرافية الشمالية من البلاد، إذ ترفض الجماعة صرف مرتبات نحو مليون و200 ألف موظف حكومي منذ أعوام، وتكتفي بدفع نصف مرتب كل أشهر.

وقبالة هذا الرفض، يتساءل حقوقيون عن مصير الأموال الضخمة التي تجبيها الجماعة الحوثية تحت مسميات متعددة، أهمها "الزكاة" التي أنشأت لها هيئة لم يسلم منها حتى الباعة الجوالين، في حين تتفاقم الأزمة الإنسانية وترتفع معدلات الجوع وفقاً لتقارير أممية.

وكان برنامج الغذاء العالمي أعلن منتصف سبتمبر/ أيلول عام 2025 تعليق أنشطته في مناطق سيطرة الحوثيين، واعتبر البرنامج في بيان سابق له أواخر العام الماضي، ما تقوم به جماعة الحوثي كسلطة أمر واقع من اعتقالات تعسفية طاولت العاملين في المنظمات الدولية ومن بينها برنامج الغذاء العالمي أمر لا يحتمل، وأشار إلى أن ما قامت به من اعتقال تعسفي واقتحام مكاتب المنظمات الدولية أضرّ بشدة بقدرته ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى على الوصول إلى المجتمعات الضعيفة في شمال اليمن.

انعدام القدرة الشرائية

في صنعاء، بدت الأسواق خلال رمضان أقل إقبالاً مما كانت عليه في الأعوام الأخيرة، وأثبتت وقائع إفلاس كثير من المجمعات والمحال والأسواق والمطاعم عن تراجع مخيف في القدرة الشرائية للناس في وقت تتكدس البضائع في الأسواق. وأكد مصدر في صنعاء أن "الوضع بات صعباً وبالكاد يتدبر أرباب الأسر قوت معيليهم بصورة يومية على الكفاف من المأكل البسيط"، وقال إن الناس لم يعودوا "يعرفون اللحوم والفواكه، أما الكماليات والملابس فقد نسوها تماماً".

وتعيش العاصمة في دائرة فقر بدأت مع انقطاع رواتب الموظفين، ومن ثم تضاعفت المأساة بفرض جبايات ملزمة زادت الأسعار مع انعدام مصادر الدخل في المدينة الأكبر من حيث السكان الذين يعتمدون على الأجور والتجارة، وصولاً إلى احتكار العمل الإنساني والاغاثي.

مجمع الجياع والميتة وقت الحاجة

هذه الحال رفعت أعداد المحتاجين لهذا العام نتيجة للاتساع الكبير في دائرة الفقر، فضلاً عن حال الانهيار الاقتصادي المتتابع منذ مطلع عام 2015. ووفقاً لذلك اعتبرت الأمم المتحدة الأزمة اليمنية الأخطر في العالم، وصنفت اليمن على قائمة أربعة بلدان تمر بمرحلة ما قبل المجاعة مع وجود ثلثي السكان البالغ عددهم 30 مليون نسمة يعانون نقصاً حاداً في المواد الغذائية.

وعلى مدى الأيام الماضية تداول اليمنيون مقاطع فيديو لعدد من الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي وهم يطرقون أبواب الصمت والخوف بعدما بلغت الحال ببعض الآباء إلى إطعام أسرهم من مخلفات القمامة، فيما لجأ آخرون إلى إطعام أسرهم دواجن ميتة من أسواق الجملة بعد أن ضاقت بهم حال الجوع مبلغاً لم تشهده اليمن منذ عقود طويلة، في وقت يخطف مسلحو الجماعة كل من يبدي شكواه أو ينشر محتوى يطالب فيه بالحقوق وسط خوف مجتمعي من حال القمع الرهيب الذي تمارسه بحق المنتقدين.

ورغم التضييق يتواصل الدعم والاسناد لليمنيين من قبل السعودية التي تسهم لتخفيف العبء الانساني الكبير، وأعلنت أمس الأربعاء تقديم 1.3 مليار ريال (347 مليون دولار) لتغطية رواتب موظفي الحكومة اليمنية وعجز الموازنة، ويأتي هذا التحرك ‌بعد أسابيع ‌من ​إعلان ‌السعودية ​مشاريع تنموية في ⁠جنوب اليمن كلفتها 500 مليون دولار.

وبتوجيهات الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وبمتابعة من وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، أعلن "البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن" تدشين حزمة من المشاريع التنموية في مختلف المحافظات اليمنية تضم 28 مشروعاً، ومبادرة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (506.7 مليون دولار أميركي) في القطاعات الأساس والحيوية، للإسهام في تعزيز الاستقرار والنمو للشعب اليمني. دعم سعودي لتنمية اليمن وإعماره.

وكان السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر قال إن دعم الرياض الاقتصادي لليمن مستمر، وإن "المشاريع والبرامج التنموية الحيوية التي أُعلنت تركز على القطاعات الأكثر ارتباطًا بتحسين الخدمات اليومية والبنى التحتية، مما ينعكس على تعزيز استقرار اليمن وترسيخ مسار التعافي والاستقرار والتنمية في مختلف المحافظات اليمنية، ويحقق أثراً ملموساً ومستدامًا لأبناء الشعب اليمني".

يؤمل اليمنيون أن يجد هذا الدعم طريقه الصحيح لتخفيف معاناتهم بترشيد العمل الحكومي المشرف عليه.

مطابخ الخير والإقبال المضاعف

في هذا الوقت، يسهم بعض الميسورين بإيجاد مطابخ مركزية توزع وجبات جاهزة يومية وهي ظاهرة لم تحصر على صنعاء فقط ولكنها موجودة في غالبية المحافظات التي يضربها الجوع شمال البلاد.

ففي صنعاء هناك نحو 36 مطبخاً خيرياً تتوزع على مديريات آزال بواقع 12 مطبخاً وسبعة مخابز خيرية تستهدف 11 ألف أسرة، وتضم مديرية شعوب وهي المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان هناك نحو 16 مطبخاً تستهدف أكثر من 8500 أسرة.

وفي محافظه ذمار أعلن أحد المطابخ الخيرية تسليم وجبة إفطار لكل عائلة، لكن القائمين تفاجأوا بصورة محزنة مع الازدياد الكبير لعدد المحتاجين في ما يحكي شيئاً من المأساة التي ضربت صميم أهل هذه البلاد.

وتعمل هذه المطابخ على توفير وجبات إفطار يومية ووجبات عشاء للأسر الفقيرة والنازحين. وتتنوع مصادر الدعم لهذه المبادرات الأهلية بين فاعلي الخير والمؤسسات التنموية مثل مؤسسة "رباط الخير" ومؤسسة "الخير"، والحال ذاتها تنسحب بصورة تقريبية بالنسبة إلى المحافظات الأخرى كما هي الحال في محافظ إب.

إغلاق وإفلاس

وبصورة متتابعة، أعلنت سلسلة أحد أشهر المطاعم الشعبية في صنعاء إفلاسها وإغلاق فروعها في العاصمة والمحافظات بعد تراجع الإقبال على نحو غير مسبوق، وسبقتها شركات ومجمعات تجارية عدة أغلقت أبوابها بصورة نهائية.

ويرى مراقبون أن توقف مطعم بهذه المكانة يترجم عمق الركود الاقتصادي والتجاري في صنعاء كنتيجة طبيعية لاستمرار الضغوط الحوثية على التجار، مما دفع كثيراً من المنشآت إلى تقليص أو وقف نشاطها.

وأكد مصدر تجاري في صنعاء اضطرار آلاف المحال والشركات التي ظلت تخدم المجتمع وتعرضت للإفلاس، إلى الإقفال النهائي جراء التدهور الاقتصادي والتراجع المهول في القدرة الشرائية نتيجة اتساع رقعة الجوع والبطالة وفي مقدمتها انقطاع الرواتب.

وقال إن بإمكان المار بشوارع صنعاء أن يلحظ عدد المحال والمتاجر والأسواق الخاصة المغلقة.

وأفادت تقارير اقتصادية بأن حال الإفلاس التجاري المتزايد يعود لأسباب عدة نتيجة التدهور الاقتصادي العام والإجراءات الجبائية غير القانونية المفروضة على اليمنيين من قبل الميليشيات الحوثية وقطع المرتبات، بالتالي تدني القوة الشرائية للسكان.

وهذه التقديرات أشارت إلى تسريح أكثر من 75% من العمالة التي لدى شركات القطاع الخاص، بمعدل واحدة من كل أربع شركات جرى إغلاقها في البلاد، فضلاً عن تدهور القيمة الشرائية للسكان، وفقاً لتقارير دولية.

منع الكفاف.. والفرق بين الدولة والميليشيات

الحوثيون سعوا للتحكم بهذه المبادرات وتوزيع ما تقدمه بنظرها عبر مشرفيهم ومندوبيهم في الحارات وعن طريق مؤسسات تديرها الجماعة، يعملون لمصلحة أفرادهم ومجنديهم ويمنحون أولوية المساعدات للمناطق والأسر التي قتل مجندوها.

تواصلت اندبندنت عربية بقيادي في جماعة الحوثي لكننا لم نتلق رداً على استفساراتنا حتى لحظة النشر.

وفي مناطق الشرعية تبدو الحال أفضل كثيراً، فهناك سعت الحكومة، بدعم سعودي، بانتظام إلى صرف المرتبات مع استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى جهود الإغاثة الأممية والدولية المقدمة، ولا سيما ما يقدمه "مركز الملك سلمان" و"البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن" الذي يسعى إلى إيصال مساعداته للمحافظات اليمنية كافة بلا استثناء بما فيها مناطق الحوثيين.

وتوقفت غالبية العمليات الإنسانية للمنظمات الدولية خلال الأشهر الأخيرة في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، بسبب انتهاكات الميليشيات وتقليص الدعم، مما انعكس على الأسر التي كانت تحصل على مساعدات غذائية.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI