في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1976، وفي عز الحرب الدائرة جنوب لبنان بين الجيش الإسرائيلي الذي بدأ بمحاولات التوغل إلى المنطقة الحدودية من قطاعات عدة (بعد عام ونيف من انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية) وبين القوى المسلحة التابعة للمنظمات الفلسطينية المختلفة وحلفائها اللبنانيين في قوى اليسار التي كانت انتشرت جنوباً منذ ما بعد 1969 من أعالي مدن حاصبيا وكفرشوبا والخيام في القطاع الشرقي، إلى بنت جبيل وقضائها في القطاع الوسط، إلى قضاء صور في القطاع الغربي، في ذلك التاريخ أعلنت "الإذاعة الإسرائيلية" أن "المعركة على بنت جبيل ستقرر من سيكون المسيطر على جنوب لبنان".
من هنا يعرف المتابعون والمحللون السياسيون والعسكريون لماذا تحتدم المعركة في الحرب الحالية وفي كل حرب سابقة منذ سنوات طويلة حول عاصمة القضاء، مدينة بنت جبيل.
تدور اشتباكات عنيفة راهناً بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله" لحسم معركة بنت جبيل، وهي معارك برية مباشرة بدأت قبل أسابيع قليلة، ولا تزال قائمة حتى الساعة، فيما يحاول الجيش الإسرائيلي التوغل في المدينة والسيطرة عليها، بهدف ضمها إلى المنطقة العازلة التي أقامها في الجنوب اللبناني.
ويقول الإسرائيليون إنهم وصلوا إلى مشارفها بعد السيطرة على عدد من قراها المحيطة تضمنت توغلات برية بدأت منذ نحو أسبوعين من الحرب الأخيرة، منذ أواخر مارس/ آذار الماضي، فيما هم يصرون لأسباب عدة على احتلالها أو حصارها كي تصبح ساقطة حكماً، مع ما يرافق ذلك من غارات متواصلة من الطيران الحربي ونسف المباني والمتاجر التي وصلت إليها القوات العسكرية المتوغلة، وبخاصة عند المشارف ومثلث "صف الهوا" من ناحيتها الشمالية الغربية.
فماذا نعرف عن مدينة بنت جبيل جنوب لبنان؟ ماذا شهدت منذ عقود طويلة وصولاً إلى حرب اليوم؟ ولماذا يصر الإسرائيلي على الدخول إليها مجدداً بعد 26 عاماً على الخروج منها؟
إصرار على الاحتلال والتصدي
قضاء بنت جبيل هو أحد أقضية محافظة النبطية الأربعة في جنوب لبنان، يضم 36 بلدية، ومركزه بلدية بنت جبيل، التي تعد من البلدات القريبة من الحدود مع إسرائيل.
تبعد المدينة نحو 125 كيلومتراً عن العاصمة بيروت، وتتمركز على تلال مشرفة بارتفاع نحو 770 متراً عن سطح البحر، مما يمنحها موقعاً جغرافياً مميزاً وإطلالة واسعة على المناطق المحيطة، ويعد موقعها المرتفع والمكشوف نسبياً عاملاً مهماً في أهميتها العسكرية، إذ يوفر إشرافاً مباشراً على مناطق حدودية حساسة.
وقد برزت بصورة خاصة خلال حرب يوليو/ تموز 2006 حين خاص الجيش الإسرائيلي معارك قاسية للسيطرة عليها، لكنه فشل بمهمته.
ما قبل حرب 2023 وصولاً إلى اليوم، كان يقدر عدد سكان بنت جبيل بالآلاف، مع كثافة سكانية متوسطة تزداد خلال فصل الصيف مع عودة المغتربين.
معارك مباشرة مع "حزب الله"
تعد حالياً آخر بلدات القطاع الأوسط في جنوب لبنان التي يقاتل فيها عناصر "حزب الله" الجيش الإسرائيلي من النقطة الصفر، بعدما دخل الأخير إلى عدد من البلدات في القطاعات الثلاثة (الشرقي الأوسط والغربي) وتوغل فيها.
يظهر الإصرار الإسرائيلي على الدخول إلى بنت جبيل واضحاً، ليس من خلال تطويقها بعشرات الدبابات والمدرعات وقصفها وتدمير ما يمكن تدميره، بل من تصريحات القادة الإسرائيليين، وقيام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بجولة على قواته المنتشرة حول المدينة خلال التاسع من أبريل/ نيسان الجاري وتأكيده "استمرار العمليات العسكرية في محيط بنت جبيل"، مشدداً على أن "الجيش الإسرائيلي في حال حرب، ولسنا في حال وقف إطلاق نار. نحن مستمرون في القتال هنا في هذا القطاع، فهذه هي ساحة قتالنا الأساسية".
في المقابل يظهر إصرار "حزب الله" في الدفاع عن بنت جبيل، وهي أحد معاقله المعنوية والعسكرية والسياسية، المدينة الأقرب إلى الحدود تماماً، مثل دفاعه عن مدينة الخيام في القطاع الشرقي.
وواقع الميدان اليوم، كما يقول المتابعون العسكريون، يكشف عن أن الجيش الإسرائيلي يحاول عزل بنت جبيل من الجهات الأربع، عبر محاور بلدات دبل عين إبل رميش من جهة، وصف الهوا (عيناتا وعيترون) من جهة ثانية، ويارون من جهة ثالثة، إضافة إلى محور مارون الراس باتجاه المهنية ومجمع موسى عباس من جهة رابعة.
فيما لا توجد تقارير موثقة على ما يحدث داخل المدينة في المعارك الحالية، بخاصة أن الإعلام غير قادر على الدخول وكذلك أية مؤسسات أخرى، بالتالي تبقى الرواية التي تخرج إلى العلن حكراً على طرفي النزاع، أي إسرائيل و"حزب الله".
قبل 20 عاماً
في حرب 2006، التي استمرت 33 يوماً، طوقها الجيش الإسرائيلي ولم يستطع الدخول إليها، بعدما سقط عديد من الجنود الإسرائيليين وقادتهم قتلى عند تخومها بينهم ثلاثة ضباط كبار، منهم الرائد روي كلاين، مثلما سقط عديد من قادة الحزب من أبناء المدينة منهم القائد العسكري خالد أحمد بزي (المقرب من القائد العسكري السابق للحزب ومؤسس "قوة الرضوان" عماد مغنية الذي اغتيل في سوريا 2008).
وفي حرب 2024 حاول الجيش الإسرائيلي بعد توغله في عدد من القرى المحيطة اقتحام مدينة بنت جبيل بغية تطهيرها من عناصر "حزب الله"، لكن الحرب المعلنة في حينه انتهت ولم يدخل الإسرائيليون إليها.
ثأر تاريخي وعسكري
من يقرأ تاريخ مدينة بنت جبيل يكتشف بسرعة مدى الثأر المتبادل بين أبنائها والقوى التي حلت بها تباعاً وآخرها "حركة أمل" و"حزب الله" وبين إسرائيل، ليس من الحرب الأخيرة وحسب، بل منذ عام 1936 تاريخ ما سمي "الثورة العربية" التي انتهت عام 1939، ثم عام 1948، تاريخ النكبة الفلسطينية وقيام دولة إسرائيل ونزوح عدد كبير من الفلسطينيين إلى بنت جبيل المدينة اللبنانية القريبة من الحدود، وبقائهم فيها أعواماً عدة قبل ترحيلهم من قبل السلطات اللبنانية إلى منطقة عنجر في البقاع شرقاً، لإبعادهم قدر الإمكان عن الحدود المتاخمة، إلى مواجهات ما بعد 1969 في أعقاب "اتفاقية القاهرة" التي سمحت للمنظمات الفلسطينية القيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل من جنوب لبنان، ثم إلى حرب 1978 بعد "عملية الليطاني" التي أفضت إلى احتلال مقر القطاع الوسط في جنوب لبنان، أي مدينة بنت جبيل، وما تلاها من إنشاء ما يعرف بـ"الحزام الأمني" وبقاء المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر مدة 22 عاماً متواصلة إلى الـ25 من مايو/ أيار عام 2000، تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وتبقى الرمزية الأهم في ذهن "حزب الله"، قيادات مقاتلين وبيئة، الخطاب الشهير الذي أدلى به الأمين العام للحزب السابق حسن نصرالله في الـ25 من مايو عام 2000 من مدينة بنت جبيل احتفالاً بخروج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وقد وصف إسرائيل بأنها "أوهن من بيت العنكبوت"، في دلالة على ما اعتبره الضعف الإسرائيلي.
وانطلاقاً من كل ما ذكر، تظهر الأهمية الكبرى بالنسبة إلى إسرائيل ولأسباب عدة، أهمها الموقع الجغرافي الذي تتمتع به، فالسيطرة عليها تعني أولاً في الميدان تقدم الجيش الإسرائيلي أكثر باتجاه حدود نهر الليطاني وتوسيع منطقته العازلة نحو العمق اللبناني، ثانياً كسر حلقة 20 عاماً من فشل تل أبيب من انتزاع سيطرة "حزب الله" على هذه المنطقة، وثالثاً السيطرة عليها تعني حكماً إسدال الستارة على الجملة الشهيرة التي بقيت قيادات الحزب ترددها وتصل أصداؤها إلى تل أبيب لسنوات طويلة.
أما بالنسبة إلى الحزب، فإن خسارة هذه المدينة تعني حكماً ضربة معنوية وعسكرية ستؤثر في سياق المعركة كلها، وعلى المقاتلين الموجودين في الميدان.
العودة بالتاريخ
يذكر المؤرخ منذر جابر في سلسلة مقالات تحت عنوان "بنت جبيل تبحث عن إداراتها وشوارعها" أنه "في أحداث 1936، كانت بنت جبيل في أتون هذه الأحداث وقلب التحركات السياسية والشارعية من تظاهرات وإضرابات واعتصامات، كذلك كانت بنت جبيل مع أحداث 1936 في فلسطين قاعدة للتسليح والتذخير، ما زالت شخوص الحاج أمين الحسيني (مفتي القدس السابق) وفوزي القاوقجي (ضابط سوري) وأكرم زعيتر (أديب فلسطيني) وأبو إبراهيم الكبير وأبو إبراهيم الصغير (قياديان في ثورة 1936)، بقاماتهم وتحركاتهم، ترعى ذاكرة الكبار من أبناء البلدة صبيان تلك المرحلة، أي صبيان منتصف الثلاثينيات.
ويضيف "وقد تتابعت سيرة التذخير والتسليح، مع الأعمال العسكرية في الجليل، سنوات النصف الثاني من الأربعينيات، ومع سقوط فلسطين شكلت بنت جبيل بأهاليها ‘أنصار‘ المهاجرين الفلسطينيين الخارجين من ديارهم إلى غير أرض ومكان، كما كانت ‘بنت أم جبيل‘، بحسب اللهجة الفلسطينية، أرض مؤاساة واستشفاء ميداني أثناء المعارك الدائرة فوق أرض الجليل، وقد ظلت البلدة موطن المئات من عائلات الجليل حتى منع هؤلاء، منتصف الخمسينيات، من الإقامة في مناطق تقارب ما بين الفلسطينيين وحدود إسرائيل".
مفاعيل شراكة القضية الفلسطينية
برأي المؤرخ جابر أن القضية الفلسطينية لم تنتهِ لدى أبناء المدينة عند هذا الحد، "لكن البلدة عادت واحتبكت مجدداً مع الوجه المسلح للقضية الفلسطينية، مع نفاذ الفدائيين الفلسطينيين إليها في أكتوبر/ تشرين الأول من سنة 1969، قبل اتفاق القاهرة.
وما لبثت بنت جبيل من يومها تعيش مفاعيل شراكة القضية الفلسطينية واستتباعات الموقع والقرب، فقد ظلت تتقلب على نار الاعتداءات الإسرائيلية وكانت جولة القصف الأولى التي أصابت البلدة ليلة الـ31 من يناير/ كانون الثاني من عام 1969، وكانت أول الغيث من ترددات طويلة في القتل والتدمير وفي الغيلة والخطف.
ويذكر "يبدو قصف البلدة في الـ21 من أكتوبر عام 1976 ‘النقطة الصفراء‘ في شاشة الذاكرة البنت جبيلية. كان النهار نهار خميس، كان السوق على ازدحامه بعد امتلاء القرى الحدودية بالوافدين من أبنائها هرباً من خطوط التماس البيروتية، جاء القصف من دون سابق إنذار، ومن دون مقدمات أو تدرج في إحداثيات القصف ونقاطه، مما يسمح للناس بتجنب الخروج من منازلهم تحسباً، القذيقة الأولى كانت مباشرة في قلب ساحة السوق، كانت الحصيلة 14 قتيلاً و27 جريحاً".
وتابع المؤرخ جابر "مع تطور الأحداث العسكرية في الجنوب الحدودي، صارت بنت جبيل عقدة الحرب الأولى، وهذا ما لفتت إليه إذاعة إسرائيل عام 1976 في تأكيدها ‘أن المعركة على بنت جبيل ستقرر من سيكون المسيطر على جنوب لبنان‘. أما خسائر البلدة فيستحيل تقديرها، حتى لو حصرنا الخسائر بوجهها المباشر، فامتداد البلدة على مساحة الأحزاب اللبنانية وامتدادها في الإقامة على مساحة لبنان، يعذر من هذا العمل. ولكن الأكيد واليقين أن بنت جبيل شربت كأس القضية الفلسطينية وكأس الأزمة اللبنانية حتى جمامها".
"بيت العنكبوت"
يقول الكاتب والباحث السياسي أكرم ناظم بزي (من بنت جبيل) "تعتبر بنت جبيل عقدة وصل جغرافية في قلب القطاع الأوسط من جنوب لبنان، كما أنها عاصمة القضاء ومركزه وفيها سرايا حكومية رسمية وتحوطها مجموعة من التلال الحاكمة على مختلف بلدات ومناطق القضاء، ومن يسيطر عليها يسيطر على المنطقة، وتطل على عين إبل من ناحية الغرب، ومن ناحية أخرى مارون الراس (شرق وجنوب شرق) وعلى عيناثا (شمال وشمال شرق) وعلى عيترون من الشرق وعلى يارون من الجنوب. وهي شريان حيوي بغض النظر عن البعد العسكري والاستراتيجي الذي تتمتع به، لكنها تتمتع بأهمية البعد النفسي لدى أهلها والجنوبيين".
ويتابع الباحث بزي "اليوم الإسرائيلي يسعى إلى الوصول إلى وسطها لتأكيد أن إسرائيل ليست أوهن من بيت العنكبوت وباستطاعته احتلال المدينة، لذلك تشهد بنت جبيل معارك ضارية. وفي حرب الـ66 يوماً 2024 بين الـ 23 من سبتمبر/ أيلول والـ27 من نوفمبر حصلت معارك طاحنة حول بنت جبيل سعياً إلى دخولها، من دون أن تنجح.
تدمير على قدم وساق
ونسأل عن الوضع الميداني الحالي في بنت جبيل وما يدور فيها من معارك، فيجيب الباحث بزي "ثمة محاولات للدخول إليها منذ أكثر من 10 أيام متواصلة من خلال إنزالات عدة، منها من ناحية مارون الراس ومن ناحية مثلث التحرير (بين مارون الراس وعيترون وعيناثا) وإلى الآن لم يقدر الجيش الإسرائيلي على الدخول إليها"، فيما في المقابل تشير تقارير صحافية إلى وجود ما يقارب 800 مقاتل من الحزب داخلها، من دون أي إعلان رسمي من قبله.
ويؤكد الباحث بزي أن "الإسرائيليين يحاولون بشدة الوصول إلى وسط بنت جبيل، وتحديداً إلى المكان الذي ألقى فيه حسن نصرالله خطبته الشهيرة عام 2000، لذلك ما زال الجيش المتقدم يدمر كل نقطة يصل إليها".
ويشير الباحث بزي إلى "وجود بيوت تاريخية في بنت جبيل لها علاقة بالتراث العاملي يعود عمر بعضها إلى 300 و400 سنة. وفي المدينة ثمة 17 مسجداً، بينها مساجد تاريخية، و17 شارعاً منفرجاً، فهي مدينة كبيرة وليست قرية صغيرة، ومهما دمر الجيش الإسرائيلي من بيوتها تبقى هناك عمارات وبيوت كثيرة. عملية التدمير قائمة على قدم وساق ومستمرة".
(اندبندنت عربية)