على رغم مضي أكثر من شهر ونصف الشهر على حادثة حجة المأسوية، التي قضى صاروخ حوثي على معظم أفراد عائلتين كانتا تتناولان وجبة الإفطار معاً، فإن آثارها النفسية لا تزال عالقة في نفوس الناجين الذين يعيشون حالاً من الهلع والخوف، وسط مطالبات بتدخل متخصصين نفسيين لمعالجة ما تبقى من آثار الصدمة.
ففي مساء الإثنين السادس عشر من مارس/ آذار الماضي، وبينما كان عدد من أفراد العائلتين اللتين ينحدر منهما زوجا شقيقتين تحدثتا لنا وبينما كانا في انتظار موعد أذان المغرب، متحلقين حول المائدة، بمشاركة عدد من الأطفال، من بينهم فتاة تدعى عبير.
في تلك اللحظة سقط صاروخ حوثي مباشرة على المجتمعين، حتى اختلط الدم بالتمر، وأجساد الضحايا بوجبات الإفطار.
واختطف الصاروخ ثمانية أرواح دفعة واحدة في اللحظة الأولى، ومزقت شظاياه ستة آخرين بإصابات عدة.
بين الحياة والفقد
كانت حرض تعرف بـ"المدينة التي لا تنام"، لكن الحرب أغرقتها في صمت ثقيل، فتحولت إلى أطلال وأصابها ما أصاب سائر مدن اليمن، بعدما فر أهلها وأصبحت ساحة للمواجهة العسكرية.
بدأت قصة عبير وعهود في أواخر عام 2015، حين نزحت العائلة من مدينة حرض شمال محافظة حجة هرباً من جحيم الحرب، واستقر بها الحال في مديرية حيران المجاورة، على أمل أن يكون النزوح موقتاً، لكن الحرب فرضت واقعها المرير، فتحول ما كان موقتاً إلى شبه دائم، ولم تعد الحياة إلى طبيعتها، ولم يعد النازحون إلى مساكنهم.
تطوعت عهود للعمل في حملات التوعية الصحية، قبل أن تصبح موظفة استقبال في أحد المرافق الطبية، وفي عام 2020 احتفلت مع شقيقتها عبير بزفافهما في يوم واحد.
وفي نهاية العام ذاته، فقدتا شقيقهما في المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، وفي عام 2024 فقدتا والدتهما إثر جلطة مفاجئة.
عبدالرحمن بن عبدالرحمن
بعد زواج عهود من عبدالرحمن سليمان بدأت رحلة أخرى من نوع مختلف، البحث عن علاج يساعد الزوجين على الإنجاب.
لم تكن الرحلة سهلة في بلد فتكت به الميليشيات ومزقت أواصره الجغرافية والاجتماعية، واضطرت عهود وزوجها إلى خوض رحلات شاقة براً وبحراً للوصول إلى مستشفيات خارج منطقة إقامتهما، وللأسف، أبلغ الأطباء الزوجين بصعوبة علاجهما ومساعدتهما على تجربة الأمومة والأبوة.
في المقابل رزقت شقيقتها عبير بطفل سماه زوجها مصعب الطيب "عبدالرحمن" على اسم صديقه زوج شقيقة زوجته.
ومع تقارب مسكني الأسرتين، وجد عهود وزوجها عبدالرحمن في ابن شقيقتها عبير، الطفل عبدالرحمن مصعب ما يخفف من ثقل أحمالهما، فكانا يقضيان معظم وقتهما مع ذلك الطفل اللطيف.
وحين كان يسأل "ابن من أنت؟" كان يجيب "أنا عبدالرحمن بن عبدالرحمن".
الصدمة الكبيرة
ليلة الـ27 من رمضان كانت اللحظة الموجعة والفقد الصادم، إذ سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على تجمع الأهالي خلال مائدة إفطار جماعية. كان بعضهم لا يزال يتناول طعامه، وآخرون يستعدون لصلاة المغرب.
أسفر القصف عن مقتل ثمانية مدنيين بينهم أطفال، وإصابة ستة آخرين بجروح متفاوتة، وفي لحظة واحدة، فقدت الشقيقتان كل شيء تقريباً.
قتل زوج عهود عبدالرحمن سليمان، وقتل زوج عبير مصعب الطيب، وقتل أيضاً الطفل اللطيف الذي كان أنس العائلتين، عبدالرحمن مصعب، وأصيبت الطفلة أسماء مصعب بإصابات بالغة، فنقلت إلى السعودية لتلقي العلاج في أحد مستشفياتها.
ومحمد ياسين، المرافق للطفلة في رحلتها العلاجية، يقول إن الطفلة البالغة من العمر ثلاث سنوات لم تنبس بكلمة منذ ليلة الـ27 من رمضان حتى الـ12 من شوال، "كانت تفتح عينيها فحسب، ولا تزال آثار الصدمة واضحة عليها، وبعد مرور 12 يوماً، بدأت تبكي: ماما… بابا، وهي لا تعلم أن والدها وشقيقها عبدالرحمن قد رحلا في القصف، وأنها نجت من الموت بأعجوبة".
"ودعيهم، ربك كلهم راحوا"
في زيارتنا الأولى لم تتمكن عهود من الحديث، انفجرت بالبكاء وعجزت عن الكلام. وأفاد أحد أقاربها أنها حين وصلت إلى موقع القصف بحثاً عن زوجها وجدته ممزقاً بفعل الشظايا، فسقطت مغشياً عليها، ونقلت لاحقاً لتلقي العلاج.
وفي زيارة لاحقة، تحدثت شقيقتها عبير، التي فقدت زوجها مصعب وطفلها عبدالرحمن، وأصيبت طفلتها الأخرى، فقالت "نزحنا من حرض إلى حيران هرباً من الحرب… لكن الموت لحق بنا".
وأضافت أن الإفطار الجماعي كان عادة يومية منذ بداية رمضان، كنا نطلب منهم أن يفطروا في البيت، لكنهم كانوا يقولون "نريد أجر الإفطار الجماعي".
وتستعيد عبير اللحظات الأخيرة التي سبقت سقوط الصاروخ "قبل الأذان بدقائق، طلبت من زوجي أن نبقى ونفطر معاً، لكنه أصر على الخروج. لحق به أطفالي وجلسوا أمام البيت"، ثم صمتت قليلاً قبل أن تكمل "سمعنا الانفجار… وسمعت صوت بنتي تبكي، حاولنا الخروج لكنهم قالوا إن المشهد لا يحتمل."
وعن اللحظة الأصعب، تقول عهود إنها كانت حين جاء شقيقها وقال لها "ودعيهم عند ربك، كلهم راحوا".
بعد 20 يوماً من حادثة قصف مائدة الإفطار تمكنا من سماع رواية عهود ياسين لما جرى، إذ تقول "في ليلة الـ27 من رمضان، كنا نعيش أجواء العيد، كنا نجهز ملابسنا ونخطط لزيارة إحدى الجارات بعد الإفطار. ومع تكبير الإمام لإقامة صلاة المغرب، حدث ما لم يكن في الحسبان، ضربة غادرة استهدفت مجموعة من الناس كانوا مجتمعين على مائدة الإفطار.
في لحظات، تحولت الدنيا إلى ظلام والسماء تمطر شظايا فوق رؤوسنا. لم نعد نعلم أين نذهب، كنا نسمع صراخ الأطفال، ومن بينهم صرخة الطفلة أسماء ابنة أختي. خرجنا نركض بلا وعي، والناس متجمعون حول الضحايا، حين وصلت إلى مكان الحادثة رأيت مشهداً لم أكن أتخيله، شخصاً مزقته شظايا الصاروخ نصفين، لم أتعرف إليه في البداية، لكن قلبي أخبرني أنه زوجي، كان جسده ممزقاً ولم أتحمل المشهد، فسقطت مغشياً عليَّ، لم أستفق إلا وأنا في المستشفى".
وتقول عهود عن حياتها قبل نزوحها من مدينة حرض "كنت في آخر عام من دراستي الثانوية، فقدت تعليمي ومدينتي وصديقاتي وتفرقنا.
وعلى رغم كل ذلك لم أستسلم، أصررت على إكمال دراستي وخضت اختبارات الثانوية العامة وسط ظروف قاسية، كان حلمي أن أواصل تعليمي الجامعي، لكن الظروف أخرتني سبعة أعوام.
ومع ذلك تحقق الحلم أخيراً حين أتيحت فرصة الدراسة عن بعد، عملت ودرست، واليوم أنا في السنة الثالثة من دراستي الجامعية.
كان زوجي عبدالرحمن هو السند الحقيقي في حياتي، دعمني في عملي وتعليمي، وكان يشجعني دائماً على الاستمرار مهما تعبت، لم يكن مجرد زوج، بل كان قوة تدفعني للأمام. اليوم لم يعد ثمة ذلك السند الذي كان يمنحني القوة، فقدت الشخص الذي كان يدفعني للاستمرار وتحقيق أحلامي، ولا أنسى آخر لحظة جمعتني به… نظرة الوداع في عينيه، تلك النظرة التي لم أفهمها حينها، وآخر قبلة طبعها على خدي قبل أن يخرج، وابتسامته التي لم تفارق وجهه".
شهادات من داخل المستشفى
يقول طبيب الجراحة في المستشفى الميداني السعودي بحيران، نجم الدين فؤاد السبئي، إن الطاقم الطبي واجه واحدة من أقسى الليالي منذ أعوام.
وأوضح أن الإصابات كانت بالغة الخطورة، تراوحت ما بين شظايا نافذة في الصدر والبطن ونزف داخلي حاد، وصولاً إلى تهتك كامل في بعض الحالات.
وأشار السبئي إلى أن الطفل عبدالرحمن وصل في حال بالغة الخطورة إثر إصابته المباشرة بالشظايا التي مزقت جسده تمزيقاً واسعاً، وأشار إلى حال الطفلة أسماء التي وصلت بنزف شديد وإصابات خطرة، قائلاً إنه لم يكن يتوقع نجاتها قبل أن تتحسن حالتها لاحقاً بعد تدخلات طبية.
أما الطفلة مودة فقد وصلت متوفاة، محمولة بين يدي والدها الذي كان يستغيث لإنقاذها، لكن الإصابات كانت أشد من أن تعالج.
وبينما قدمت الحكومة اليمنية دعماً مالياً لأهالي الضحايا مواساة وجبراً للضرر، فإن كثيراً من اليمنيين يرون أن الأولى بالحكومة أن تعمل على إنهاء المأساة من جذورها، فتحرر البلاد وتنهي الانقلاب وتعيد النازحين إلى ديارهم، إذ ما الذي يصنعه المال وقد ذهب كل شيء؟
واتهمت الحكومة اليمنية وأهالي الضحايا جماعة الحوثي بالوقوف وراء حادثة استهداف مائدة الإفطار الرمضانية في قرية بني المش بمديرية حيران بمحافظة حجة، التي أودت بحياة ثمانية مدنيين بينهم أطفال وأصابت ستة آخرين بجروح متفاوتة.
ولم يصدر تعليق رسمي واضح من جماعة الحوثي في شأن الحادثة، ولم تتطرق وسائل الإعلام التابعة للجماعة إليها ولا إلى تفاصيلها.
(اندبندنت عربية)