على رغم مآسي الحروب وأضرارها وتبعاتها الاقتصادية السلبية على أطرافها وكثير من دول العالم، فإن الحروب لها فوائد أيضاً، ليس للمضاربين في الأسواق فحسب، إنما أيضاً لبعض القطاعات، ومن بين أكثر القطاعات استفادة من الحرب الحالية في الخليج قطاع الطاقة الأمريكي وشركات الطاقة الكبرى.
مع نقص ما بين 6 و10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج النفطي نتيجة الإغلاق المستمر لمضيق هرمز، يسعى المشترون من أوروبا وآسيا إلى اقتناص أي شحنة نفط أو غاز طبيعي أميركية لتعويض ذلك النقص.
هكذا، ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والمشتقات المكررة إلى مستوى غير مسبوق هذا الشهر، وحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفعت الصادرات الأمريكية إلى 12.9 مليون برميل يومياً الأسبوع الماضي.
ووصل عدد شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تصدرها أمريكا إلى مستوى غير مسبوق في مارس/ آذار، حسب بيانات شركة "كبلر" لمراقبة الشحن البحري.
ويتوقع الأمريكيون، حسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أن يستمر هذا المنحى بزيادة الصادرات الأمريكية من النفط والغاز والمشتقات، بخاصة وقود الطائرات، في الفترة القادمة، ما دامت الملاحة معطلة عبر مضيق هرمز.
ويشير التقرير إلى أن 60 ناقلة عملاقة فارغة كانت تتوجه نحو مرافق التحميل على شاطئ الخليج الأميركي الأسبوع الماضي، وهو عدد يتجاوز ثلاثة أضعاف عدد الناقلات قبل بدء الحرب.
أكبر مصدر للطاقة
مع أن الولايات المتحدة أصبحت "مصدراً صافياً" للنفط عام 2017، مع الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط الصخري، إلا أن صادراتها لم تصل سوى إلى ثلث المستوى الحالي. ومع إنتاج يزيد على 13 مليون برميل يومياً من الخام، كانت صادرات الولايات المتحدة تدور حول 4 ملايين برميل يومياً في المتوسط، وهو ما جعلها بين كبار مصدري النفط بعد السعودية وروسيا.
ومع حرب أوكرانيا عام 2022، وحظر أوروبا استيراد الطاقة من موسكو، ارتفعت الصادرات الأمريكية من النفط والغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا لتعويض غياب الصادرات الروسية، حتى إنه في العام الأول بعد الحظر والعقوبات على موسكو، حققت كبرى شركات الطاقة الأمريكية أرباحاً إضافية بنحو 200 مليار دولار، معظمها من زيادة الصادرات إلى أوروبا.
تباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بهذا الوضع الذي جعل من بلاده أكبر مصدر للطاقة في العالم، مكرراً في تصريحاته أن الناقلات العملاقة تتجه فارغة إلى الموانئ الأمريكية لتحميل نفطها. ومع أن هذا المنحى قد يستمر طالما ظلت الملاحة معطلة عبر مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 20% من النفط إلى السوق العالمية، إلا أن استمراره بعد الحرب ليس مضموناً برأي الخبراء والمحللين.
عقبات الهيمنة على سوق الطاقة
يعاني قطاع التكرير في الولايات المتحدة قيوداً كثيرة أدت إلى عدم الاستثمار فيه بقوة لعقود، وعلى رغم سياسات إدارة الرئيس ترمب التي تشجع العودة إلى الوقود الأحفوري على حساب سياسات الطاقة المتجددة، فإن سعة الطاقة التكريرية الأميركية لم ترتفع كثيراً، وما زالت كثير من المصافي يعود تاريخها إلى عقود وتعمل على خامات مستوردة من دول في القارة الأمريكية.
حسب تقرير الصحيفة، سيكون من الصعب على المستوردين في آسيا إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة لتعمل على الخام الأمريكي، لأنها عملية عالية الكلفة تعني ضياع أي هامش أرباح.
يضاف إلى ذلك أن أوروبا أصبحت قلقة من زيادة اعتمادها على واردات الطاقة من أمريكا في ظل سياسات إدارة ترمب تجاه القارة، ووصول العلاقات بين ترمب وقادة الدول الأوروبية إلى أدنى مستوياتها.
ومع أن الاتحاد الأوروبي يحصل حالياً على نسبة 60% من وارداته من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، إلا أن استيراد أوروبا من الغاز الطبيعي عموماً انخفض بنسبة 25% منذ بداية حرب أوكرانيا، إلى جانب أن دول أوروبا تحاول تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
يقول مدير شؤون الطاقة في "يوراشيا غروب" هننغ غلويشتاين إن هناك "مخاوف من أن تستخدم الولايات المتحدة (الهيمنة على سوق الطاقة) كورقة ضغط سياسية، بخاصة في ظل إدارة ترمب، بمعنى أن تستغل اعتماد الدول الأخرى على استيراد الطاقة منها للتأثير في سياسات مكافحة التغيرات المناخية وفي الضغط على (الناتو) وقضايا الأمن ومشكلة التعريفة الجمركية".
هذا ما يحدث بالفعل، إذ تستخدم واشنطن اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الأميركي للضغط على بروكسل لقبول اتفاقية تجارية مصممة لمصلحة أميركا.
وهدد السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي بأن أوروبا قد تفقد ميزة الوصول إلى الغاز الأمريكي إذا لم توافق بروكسل على اتفاق التجارة المعطل، مما دفع مفوض شؤون الطاقة للاتحاد الأوروبي دان يورغنسن إلى القول وكأن أوروبا "تستبدل الاعتماد على طرف بالاعتماد على آخر".
أهمية صادرات الطاقة الأمريكية
مع أن زيادة الصادرات الأمريكية من الطاقة بصورة غير مسبوقة عوضت قدراً كبيراً من غياب بعض نفط الشرق الأوسط عن السوق نتيجة إغلاق مضيق هرمز، لكنها لم تحل المشكلة تماماً، فمهما زاد الإنتاج والتصدير الأمريكي، لا يمكنه تعويض غياب ما يصل إلى 10% من الإنتاج العالمي من منطقة الخليج.
إلا أن أهمية زيادة الصادرات الأمريكية تكمن في تعويض النقص الحاد في بعض المشتقات، مثل وقود الطائرات في أوروبا وغاز الطهي في آسيا، وهي المشتقات التي شهدت اضطراباً شديداً في الإمدادات من الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، تسعى الدول الآسيوية إلى شراء ما يمكنها من المشتقات من الولايات المتحدة، لأنها كانت أكثر اعتماداً على الاستيراد من منطقة الخليج.
وتستورد اليابان كمثال، 95% من حاجاتها النفطية من دول الخليج، لذا منذ بدء الحرب أخذت طوكيو في تحسين علاقاتها مع واشنطن.
في مؤتمر في طوكيو الشهر الماضي، تحت رعاية وزير الداخلية الأمريكي دوغ برغوم، أبرمت الشركات الأمريكية صفقات طاقة مع مستثمرين من آسيا بقيمة 56 مليار دولار.
وقال برغوم في تصريح على هامش المنتدى، "نريد أن نبيع الطاقة لأصدقائنا وحلفائنا حتى لا يشتروا من منافسينا وألا يكونوا معتمدين على مصادر طاقة يمكن التحكم بها"، لكن ذلك هو ما تخشاه الدول المستوردة بالفعل، من أن تتحول من الاعتماد على مصادر طاقة من جهة إلى جهة أخرى، بخاصة في ظل عدم الثقة في سياسات واشنطن تجاه الأصدقاء والحلفاء.
عقبات أمريكية
حسب بيانات وأرقام شركة "كبلر"، فإن واردات دول آسيا من النفط والغاز الطبيعي المسال الأميركي ارتفعت في مارس وأبريل/ نيسان بنسبة 30% تقريباً عن مستوياتها في هذين الشهرين من العام الماضي، لكن من الصعب استبدال نفوط الشرق الأوسط، الثقيلة وعالية المحتوى الكبريتي، النفط الأميركي الخفيف.
ذلك أن غالب المصافي الآسيوية مصممة للعمل على النفط الثقيل، ومع أن بعضها قد يعمل على النفط الأميركي الخفيف، إلا أن عمليات التكرير لا تكون بذات الكفاءة والإنتاجية.
ومثلما يقول الباحث في معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة بارول باكشي، فإن إعادة تأهيل المصافي الآسيوية "يتطلب أشهراً من التصميم الهندسي وأعوام من التنفيذ"، وذلك إضافة إلى أنها عملية عالية الكلفة على الشركات المالكة للمصافي.
لدى الولايات المتحدة عقبات داخلية تجعل استمرارها عند هذا المستوى من التصدير غير قابل للاستدامة، حتى إذا زاد الإنتاج بمعدلات أكبر من الحالية، فمرافق التحميل في تكساس ولويزيانا وصلت إلى طاقتها القصوى، إضافة إلى أن شبكة نقل الغاز الطبيعي الداخلية تعمل بطاقتها القصوى.
حتى إذا جرى الاستثمار في زيادة طاقة الشحن والنقل الداخلي، فإن ذلك يحتاج إلى وقت، ويقدر الخبراء والمحللون أنه حتى لو حدث ذلك، فإنه عند الوصول إلى زيادة السعة قد لا يكون المستوردون في حاجة إلى الإنتاج الأمريكي كما هي الحال الآن في ظل الحرب.
(اندبندنت عربية)