منذ اللحظة التي تصاعدت فيها التوترات العسكرية المرتبطة بإيران وعادت المخاوف حول أمن الملاحة في الخليج، بدأت أسواق الطاقة العالمية تتعامل مع مضيق هرمز بوصفه أكثر من مجرد ممر بحري استراتيجي، بل باعتباره "نقطة الاختبار الأخطر" لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام صدمة نفطية قد تمتد آثارها من أسعار الوقود إلى النمو والتضخم والفائدة وسلاسل الإمداد العالمية.
فالعالم الذي خرج مثقلاً من أعوام متلاحقة من الأزمات، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية واضطرابات التجارة العالمية، يجد نفسه اليوم أمام سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع الأسواق العالمية والدول الصناعية الكبرى احتواء إغلاق طويل لمضيق يمر عبره الجزء الأهم من تجارة الطاقة العالمية؟
تكشف التحركات الأخيرة في أسواق النفط وشركات الشحن والتأمين وحكومات الدول المستهلكة أن القلق الحقيقي لا يتعلق فحسب بارتفاع الأسعار، بل بالخوف من فقدان "الاستقرار النفسي" للأسواق، وهو العامل الذي غالباً ما يحول الأزمات الجيوسياسية إلى صدمات اقتصادية عالمية واسعة.
ممر عبور عالي الأخطار
وكانت أسعار النفط قد قفزت بصورة حادة فور تصاعد المخاوف حول الملاحة في الخليج، إذ تجاوز خام "برنت" مستوى 100 دولار للبرميل خلال ذروة التوترات، قبل أن يتراجع لاحقاً مع انحسار مخاوف الإغلاق الكامل للمضيق، بينما ظلت الأسواق تتعامل مع المنطقة بوصفها "ممر عبور عالي الأخطار"، وليس منطقة عادت بالكامل إلى الاستقرار.
وفي هذا السياق، قال صندوق النقد الدولي إن استمرار أسعار النفط فوق مستويات تراوح ما بين 120 و130 دولاراً للبرميل فترة ممتدة قد يدفع نمو الاقتصاد العالمي إلى حدود 2%، وهو المستوى الذي يصنف اقتصادياً باعتباره ركوداً تقنياً، في وقت حذرت فيه وكالة الطاقة الدولية من أن تداعيات الحرب المرتبطة بإيران بدأت تؤثر بالفعل في الطلب العالمي وحركة الإمدادات وكلف الشحن والطاقة.
أرقام حساسة
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ويعد أهم ممر للطاقة في العالم. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر المضيق يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، أي ما يقارب خمس الاستهلاك النفطي العالمي، إلى جانب نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن آسيا تستحوذ وحدها على نحو 90% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق، فيما تعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بصورة كبيرة على نفط وغاز الخليج لتأمين حاجاتها الصناعية والاقتصادية.
وتتصدر السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر قائمة الدول الأكثر اعتماداً على المضيق في تصدير النفط والغاز، بينما تظل إيران القوة الجغرافية والعسكرية الأكثر التصاقاً بالممر المائي بحكم سيطرتها على الساحل الشمالي للمضيق وانتشار قواعدها البحرية والصاروخية في المنطقة.
وعلى رغم امتلاك بعض الدول الخليجية بدائل جزئية، مثل خط الأنابيب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر وخط "أبوظبي ـ الفجيرة" الذي ينقل النفط الإماراتي بعيداً من المضيق، فإن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل لا تستطيع تعويض كامل الإمدادات العابرة لهرمز إذا طال أمد الإغلاق.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن أي تعطل واسع للإمدادات عبر الخليج قد يؤدي إلى فقدان ملايين البراميل يومياً من الأسواق العالمية، في وقت يستهلك فيه العالم حالياً أكثر من 105 ملايين برميل يومياً، وفق أحدث تقديرات الوكالة لعام 2026.
أما على مستوى المخزونات الاستراتيجية فتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن الصين تمتلك أكبر احتياط نفطي استراتيجي في العالم بنحو 1.5 مليار برميل، تليها الولايات المتحدة بنحو 413 مليون برميل، ثم اليابان بـ263 مليون برميل، وكوريا الجنوبية بـ78 مليون برميل، والهند بنحو 21 مليون برميل.
لكن هذه الأرقام، على رغم ضخامتها لا تعني امتلاك العالم "حصانة كاملة" ضد صدمة طويلة الأمد، خصوصاً بعد أعوام من السحب المكثف من الاحتياطات خلال أزمات التضخم والحرب الروسية - الأوكرانية.
وفي هذا السياق، قالت وكالة الطاقة الدولية إن مخزونات الطوارئ لدى الدول الأعضاء صممت للتعامل مع اضطرابات موقتة في الإمدادات، وليس لتعويض توقف ممتد لأهم شريان نفطي في العالم.
قلق خليجي
وشددت السعودية مراراً عبر مسؤولي الطاقة و"أرامكو السعودية" على التزامها استقرار السوق العالمية وقدرتها على استخدام الطاقة الفائضة عند الحاجة، فيما واصلت قطر التأكيد أن صادرات الغاز الطبيعي المسال لا تزال تمثل عنصراً أساساً في أمن الطاقة العالمي، خصوصاً لأوروبا وآسيا.
وفي المقابل، بدأت شركات الشحن والتأمين البحري بالفعل إعادة تقييم أخطار المرور في الخليج، وسط ارتفاع كلفة التأمين على الناقلات وتزايد المخاوف من أي اضطرابات مفاجئة قد تعيد الأسواق إلى موجة صعود حادة.
وتوقعت مؤسسات مالية عالمية، بينها "جي بي مورغان"، أن يؤدي أي إغلاق طويل لمضيق هرمز إلى دفع أسعار النفط فوق 130 دولاراً للبرميل، بينما حذرت "غولدمان ساكس" من أن السوق العالمية لا تمتلك حتى الآن طاقة فائضة كافية لتعويض اضطراب طويل في الخليج.
أما "سيتي غروب" فرأت أن المخزونات الاستراتيجية تمنح الأسواق "وقتاً إضافياً" لكنها لا تمثل حلاً دائماً إذا استمرت الأزمة لأشهر، في حين حذر بنك "مورغان ستانلي" من أن استمرار التوترات قد يدفع البنوك المركزية العالمية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول بسبب الضغوط التضخمية.
اختبار بالغ التعقيد
وأفاد متخصصون بالشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" بأن قدرة الأسواق العالمية على امتصاص صدمة قصيرة الأجل لا تزال قائمة، لكن استمرار إغلاق المضيق فترة طويلة سيضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار بالغ التعقيد، في ظل محدودية البدائل السريعة وارتفاع هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف متخصصون أن مشهد الطاقة العالمي دخل فعلياً مرحلة إعادة رسم شاملة لخريطة الإمدادات حول العالم بعيداً من مضيق هرمز.
خطر حقيقي
بدوره يرى المتخصص في شؤون النفط والغاز علي الريامي أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز لم يعد مجرد احتمال بعيد، بل خطر حقيقي يهدد استقرار الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة، موضحاً أن العالم لم يتهيأ حتى الآن للتعامل مع أزمة بهذا الحجم، خصوصاً مع الاعتماد الكبير على إمدادات النفط القادمة من الخليج.
وقال الريامي إن التعويل على المخزونات النفطية الاستراتيجية لدى الدول الصناعية الكبرى لن يكون كافياً إذا استمرت الأزمة فترة طويلة، لافتاً إلى أن هذه الاحتياطات تعرضت خلال الأعوام الماضية لضغوط واستنزاف متكرر بسبب الأزمات العالمية، مما يجعل قدرتها على تعويض أي نقص كبير في الإمدادات محدودة للغاية.
وأشار إلى أن العالم يستهلك حالياً نحو 105 ملايين برميل يومياً، وأن أي تعطل واسع لحركة النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى نقص يتجاوز 7 ملايين برميل يومياً، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على أسعار الطاقة وحركة الاقتصاد العالمي.
وأوضح الريامي أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على ارتفاع أسعار الوقود وحسب، بل ستمتد إلى قطاعات النقل والطيران والصناعة وسلاسل الإمداد، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو تباطؤ حاد أو ركود واسع إذا استمرت الأزمة فترة طويلة.
وأضاف أن الدول الكبرى بدأت بالفعل في البحث عن بدائل جديدة لتأمين حاجاتها النفطية بعيداً من منطقة الخليج، عبر التوسع في أسواق أخرى، إلا أن هذا التحول يحتاج إلى أعوام طويلة واستثمارات ضخمة وتغييرات واسعة في البنية اللوجيستية وشبكات النقل العالمية.
نفوذ متصاعد
من جانبه قال مستشار الطاقة في شركة "هوك" خالد العوضي إن مشهد الطاقة العالمي دخل فعلياً مرحلة إعادة رسم شاملة لخريطة الإمدادات العالمية، موضحاً أن قدرة الأسواق على التكيف باتت مستمدة من "ذاكرة الأزمات" التي تشكلت بعد جائحة كورونا والحروب الجيوسياسية الأخيرة.
وأشار العوضي إلى أن الصين بنت خلال الأعوام الماضية جدار حماية اقتصادياً عبر مخزونات ضخمة وسياسات صارمة للتحكم في تصدير المشتقات النفطية، بالتوازي مع التوسع في الاعتماد على الغاز الروسي وتقليص حساسيتها تجاه صدمات النفط العالمية.
وأوضح أن دول الخليج بدأت بدورها تسريع مشاريع الربط البري والسككي والموانئ البديلة وخطوط الأنابيب العابرة للممرات التقليدية، في محاولة لتحويل المشاريع اللوجيستية القديمة إلى "شرايين طاقة بديلة" تقلل الاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً،
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استمرار إغلاق المضيق لا يمثل أزمة نقل فحسب، بل تهديداً مباشراً للنمو العالمي، موضحاً أن بقاء النفط فوق 100 دولار فترة طويلة سيجبر الاقتصادات الكبرى على الاختيار بين تقليص الاستهلاك أو تحمل كلفة تضخمية باهظة قد تدفع كثيراً من الاقتصادات نحو الركود.
صدمة معاكسة
من جانبه أوضح المتخصص في قطاع الطاقة عامر الشوبكي أن الأسواق العالمية تتعامل حالياً مع إعادة فتح مضيق هرمز باعتبارها "صدمة معاكسة" للحرب، لكنها لا تعكس عودة كاملة إلى مستويات ما قبل الأزمة، خصوصاً مع استمرار القيود العملية المرتبطة بالموانئ الإيرانية وارتفاع أخطار الشحن والتأمين.
وقال الشوبكي إن التراجعات الأخيرة في الأسعار لا تمثل مجرد تصحيح فني، لكنها أيضاً لا تضمن مساراً هبوطياً مستداماً، موضحاً أن الأسواق سارعت إلى شطب جزء كبير من "علاوة الحرب" ليتراجع خام "برنت" بنحو 10 إلى 13 في المئة إلى مستويات تراوح ما بين 86 و88 دولاراً للبرميل بعد تراجع المخاوف من توقف الإمدادات بالكامل.
وأشار إلى أن استدامة هذا التراجع تتطلب عبوراً طبيعياً واستعادة كاملة للثقة واستمرار الهدنة، موضحاً أن الأسواق انتقلت حالياً من تسعير "الإغلاق الكامل" إلى تسعير ممر مفتوح لكنه لا يزال "غير آمن بالكامل".
وأضاف أن تأثيرات الأزمة لم تنته فعلياً مع استمرار التأخير المتراكم في الشحنات وارتفاع كلفة الأخطار على نفط الخليج، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات رئيسة للمرحلة المقبلة، تبدأ باستقرار نسبي للأسعار قرب 85 دولاراً إذا هدأت الجبهة السياسية، أو عودة الأسعار إلى الصعود إذا استمرت التعطلات، أو خفض تحالف "أوبك+" الإنتاج، وصولاً إلى سيناريو هبوط أعمق إذا دخل الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ حاد وتراجع الطلب على الطاقة بصورة أكبر.
اختبار قاسٍ
في المحصلة، تبدو أسواق النفط العالمية قادرة على احتواء صدمة قصيرة وموقتة في مضيق هرمز عبر المخزونات الاستراتيجية ورفع الإنتاج من خارج المنطقة واستخدام البدائل اللوجيستية المتاحة، لكنها لا تملك حتى الآن بديلاً حقيقياً قادراً على تعويض هذا الشريان الحيوي إذا تحول الإغلاق إلى أزمة طويلة الأمد، فكلما امتدت الأزمة ارتفعت كلفة الطاقة والشحن والتأمين، واتسعت الضغوط التضخمية، وتعقدت حسابات التجارة العالمية وأسعار الفائدة والنمو، وهو ما يعني أن استقرار مضيق هرمز لم يعد شأناً إقليمياً يخص الخليج وحده، بل تحول إلى أحد أهم محددات استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
(اندبندنت عربية)