29 مايو 2026
28 مايو 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


بعد مسيرة سياسية وعسكرية امتدت لعقود، يطوي رحيل الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي صفحة شديدة الاضطراب من تاريخ اليمن الحديث، صفحة بدأت بأحلام الانتقال السياسي بعد احتجاجات عام 2011، ومرت بسقوط صنعاء في يد الحوثيين، ثم الحرب وتدخل التحالف العربي، وانتهت بخروجه من السلطة لمصلحة مجلس قيادة رئاسي عام 2022.

توفي هادي اليوم الخميس في الرياض عن عمر يناهز 80 سنة، بعدما ارتبط اسمه بمرحلة انتقالية لم تكُن عادية في بلد أنهكته الانقسامات، وتنازعت فيه مراكز القوة السياسية والعسكرية والقبلية، ولم يكُن الرجل صاحب حضور خطابي طاغٍ أو ميل دائم إلى المواجهة العلنية، لكنه وجد نفسه في قلب أكثر محطات اليمن حساسية، شاهداً ولاعباً في آن واحد.

ويُنظر إليه على أنه رجل الدولة الذي رفض منح الانقلاب الحوثي شرعية واحتفظ بخيط الجمهورية ووحدة اليمن، وحاولت سلطته "الشرعية" منع التمدد الحوثي خلال أعوام الحرب، لتبدو سيرته أقرب إلى مرآة لبلد دخل العاصفة ولم يخرج منها بعد.

رئيس المرحلة الانتقالية

يُعد المشير عبدربه منصور هادي الفضلي الرئيس الثاني للجمهورية اليمنية والقائد الأعلى السابق للقوات المسلحة والأمن منذ تحقيق الوحدة عام 1990، إذ وصل إلى الرئاسة في فبراير/ شباط 2012 كمرشح توافقي وحيد، أجمعت عليه القوى التي وقعت على المبادرة الخليجية بعد احتجاجات 2011، وفي مقدمتها حزب المؤتمر الشعبي العام وأحزاب تكتل اللقاء المشترك.

قبل ذلك، شغل هادي منصب نائب الرئيس الراحل علي عبدالله صالح من عام 1994 حتى 2012، وهي فترة طويلة أكسبته موقعاً دستورياً متقدماً لكنها لم تمنحه، وفق كثير من التقديرات، نفوذاً فعلياً يوازي المنصب، وحين أصبح الرجل الأول، كان عليه أن يدير دولة منقسمة وجيشاً موزع الولاءات ومشهداً سياسياً تتجاذبه قوى الثورة وبقايا النظام والقوى المسلحة الصاعدة.

في تلك اللحظة، كان هادي خياراً ضرورياً لتجنب انهيار أوسع ورمزاً لانتقال سلمي للسلطة، وبالنسبة إلى خصومه، كان رئيساً انتقالياً محدود الأدوات، جاء من خارج مراكز النفوذ التقليدية التي حكمت القرار اليمني لعقود.

من أبين إلى المؤسسة العسكرية

ولد هادي في الأول من سبتمبر/ أيلول عام 1945 في قرية ذكين بمديرية الوضيع في محافظة أبين جنوب اليمن، في بيئة ريفية قاسية زمن السلطنة الفضلية ومحمية عدن البريطانية، ونشأ داخل مجتمع يعتمد على الرعي والزراعة، وحمل مبكراً طموح الخروج من ضيق الحياة الريفية عبر التعليم والالتحاق بالمؤسسة العسكرية.

تخرج في "أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية" عام 1966، ثم استفاد من فرصة ما بعد الاستقلال الوطني في جنوب اليمن عام 1967 للتدرج في المؤسسة العسكرية، وحصل لاحقاً على دراسات عسكرية عليا في الاتحاد السوفياتي السابق ومصر، بينها الماجستير في القيادة العسكرية وآخر في العلوم العسكرية في سلاح الدبابات من "أكاديمية ناصر العسكرية" عام 1970.

هذه الخلفية صنعت ضابطاً أقرب إلى الانضباط والصمت منه إلى الاستعراض السياسي، وهي صورة لازمته لاحقاً، فبدا رجلاً هادئاً، غامضاً في نظر خصومه، ومتحفظاً في ظهوره العام مقارنة بكثير من رجال السلطة في اليمن.

نائب هادئ في ظل صالح

كانت محطة الـ 13 يناير/ كانون الثاني عام 1986 في عدن مفصلية في مسار هادي، فبعد انفجار الصراع داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في جنوب اليمن، غادر مع الجناح المحسوب على الرئيس علي ناصر محمد إلى شمال اليمن، حيث بدأ فصلاً جديداً في ظل الجمهورية العربية اليمنية، قبل أن تعلن الوحدة بين الشطرين عام 1990.

تعزز حضوره في صنعاء بعد حرب صيف 1994، حين شارك مع القوات الشمالية قائداً لمحور البيضاء ضد القوات الجنوبية، ثم تولى وزارة الدفاع، وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه عينه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح نائباً له، في خطوة منحت السلطة وجهاً جنوبياً بعد هزيمة مشروع الانفصال وإعلان علي سالم البيض فك الارتباط.

طوال الـ 18 عاماً، بقي هادي الرجل الثاني في الدولة من دون أن يتحول إلى مركز قرار مستقل، وصعد داخل حزب المؤتمر الشعبي العام إلى موقع نائب رئيس الحزب ثم أمينه العام عام 2008، لكنه ظل بعيداً من الخطابات الحادة والمناورات الإعلامية، ومقيماً في ظل منظومة حكم أدارت البلاد بتوازنات دقيقة ومتناقضة.

الانتقال الصعب ومحاولة إعادة تشكيل الدولة

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام صالح عام 2011 التي صاحبت موجة "الربيع العربي"، دخل اليمن مرحلة انتقال سياسي برعاية إقليمية ودولية، انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية ونقل السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً، وأوكلت إليه مهمة قيادة بلد يخرج من حكم طويل إلى مرحلة جديدة.

منذ أيامه الأولى، حاول هادي إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية عبر قرارات "هيكلة" الجيش، في وقت كانت العاصمة نفسها منقسمة بين وحدات محسوبة على صالح وأخرى مرتبطة بالجنرال علي محسن الأحمر، وأراد الرئيس الجديد أن ينتزع القرار السيادي من مراكز نفوذ تقاسمت الجيش والقبيلة والسياسة، لكنه اصطدم بمنظومة أعمق من القرارات الرئاسية.

وخلال عامي 2013 و2014، أطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي قدمته سلطته بوصفه محاولة جدية لإعادة صياغة العقد السياسي بين اليمنيين، وكان جوهر المشروع يقوم على الشراكة الواسعة والتوزيع العادل للسلطة والثروة، ومعالجة جذور المشكلات التاريخية وفي مقدمتها القضية الجنوبية، بما يفتح الباب أمام دولة لا تحتكرها جماعة أو جغرافيا أو شبكة نفوذ.

وحصلت تلك التوجهات على دعم إقليمي ودولي واضح، بلغ ذروته بعقد جلسة لمجلس الأمن في صنعاء للمرة الأولى في تاريخ البلاد، في رسالة سياسية هدفت إلى إسناد المرحلة الانتقالية، غير أن المسار الذي بدا واعداً على الورق وجد نفسه سريعاً أمام تحالفات مضادة، وقوى لا تريد خسارة مواقعها، وحركة حوثية تتقدم من الهامش إلى قلب السلطة.

سقوط صنعاء ولحظة عدن

في سبتمبر/ أيلول عام 2014، سيطر الحوثيون الآتون من صعدة ومحيطها على صنعاء، وأسقطوا مؤسسات الدولة عملياً، مستفيدين من تحالفات سياسية وعسكرية مع قوى من داخل النظام السابق، وبذلك دخل اليمن فصلاً جديداً تجاوز الخلاف على نوع الانتقال إلى بقاء الدولة نفسها.

وفرض الحوثيون الإقامة الجبرية على هادي في صنعاء، قبل أن يتمكن في فبراير/ شباط عام 2015 من مغادرة العاصمة إلى عدن في عملية بدت حينها شديدة الرمزية، ومن عدن أعلن تمسكه بشرعيته، في لحظة تؤكد أن سقوط صنعاء لا يعني سقوط اليمن، وأن الجمهورية لا تزال قادرة على المقاومة من مدينة أخرى.

هذه اللحظة أصبحت لاحقاً جزءاً من السردية السياسية لهادي، رئيس محاصر خرج من قبضة خصومه ليعيد تعريف المعركة بوصفها معركة استعادة الدولة أكثر من معركة بقاء شخص في المنصب.

طلب التحالف ومعركة الشرعية

ومع تقدم الحوثيين جنوباً ووصول المواجهات إلى عدن، وجه هادي في مارس/ آذار عام 2015 طلباً رسمياً إلى دول الخليج بقيادة السعودية للتدخل العسكري دعماً للشرعية اليمنية، ولم يكُن ذلك الطلب بحثاً عن حرب أو حماية لمنصب، بقدر ما كان محاولة لمنع سقوط اليمن كاملاً في يد قوة مسلحة مدعومة من إيران بعدما أخفقت المبادرات السياسية في وقف الانقلاب.

ومنذ إطلاق عملية "عاصفة الحزم"، صار هادي الرئيس المعترف به دولياً في مواجهة الحوثيين، واتخذ من الرياض مقراً لإدارة السلطة الشرعية، وظل يكرر أن جوهر المعركة رفض شرعنة الانقلاب والحفاظ على هوية الدولة ووحدة اليمن وحق اليمنيين في استعادة مؤسساتهم المختطفة.

لكن الحرب التي فتحتها تلك اللحظة لم تظل ضمن حدودها المعلنة، فعلى مدى أعوام، تداخلت الجبهات العسكرية مع الحسابات الإقليمية والداخلية، وظهرت تصدعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فيما انهارت الخدمات العامة وتعمقت الأزمة الاقتصادية في المناطق المحررة، وتراجع حضور مؤسسات الدولة أمام واقع التشظي وتعدد السلطات الفعلية.

رئيس في المنفى وسلطة تتآكل

قاد هادي السلطة الشرعية خلال أعوام الحرب معتمداً بصورة كبيرة على دعم التحالف العربي بقيادة السعودية، وبقي اسمه عنواناً قانونياً للشرعية الدولية، على رغم أن الرجل ورث دولة مفككة وجيشاً منقسماً ومراكز نفوذ لا تأتمر حقيقة بالرئاسة، وأنه لم يكُن يملك من أدوات القوة ما يكفي لتنفيذ قراراته أو ضبط القوى القبلية والعسكرية التي ظلت تتحكم بالمشهد، حتى إن خياراته، من الحوار الوطني إلى طلب الدعم العربي ثم نقل السلطة، كانت محكومة بمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة.

نقل السلطة في الرياض

بدا أن التوغل الحوثي في اليمن يقود البلاد إلى الانهيار مدفوعاً بتبعية الجماعة إلى إيران، وفي أبريل/ نيسان عام 2022، أعلن هادي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي وعضوية قوى يمنية عدة، في خطوة مثّلت تحولاً كبيراً في بنية السلطة المعترف بها دولياً، ولم يغادر الرجل الحكم بانقلاب، ولم يسلمه ضمن صفقة شخصية معلنة، بل عبر انتقال سياسي رعته مشاورات الرياض وأعيد بموجبه توزيع القرار داخل معسكر الشرعية.

وصيغ القرار بوصفه استناداً إلى دستور الجمهورية اليمنية ومبادئ الثورة اليمنية، وإلى التزام التداول السلمي للسلطة والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وبهدف الإشراف الجماعي على المهمات السيادية وتوسيع الشراكة في مواجهة الأزمات الإنسانية والسياسية التي أنتجتها أعوام الحرب.

وكان نقل السلطة اعترافاً بأن الأوطان أكبر من المناصب، وأن المعركة الحقيقية تتجاوز كرسي رئاسي إلى معركة استعادة الدولة، على رغم ممارسات حوثية كانت تسعى عبر أعوام إلى إضعاف السلطة الشرعية وإظهار عجزها عن توحيد الصفوف اليمنية.

إرث مفتوح على الجدل

لا يمكن اختزال سيرة هادي في صورة واحدة، فهو رئيس تمسك بالجمهورية والوحدة والهوية العربية لليمن، ورفض أن يمنح الانقلاب الحوثي غطاء سياسياً، ثم سلّم السلطة عندما رأى أن المرحلة تحتاج إلى قيادة جماعية توفر للبلاد فرصة جديدة للخروج من الانقسام.

ربما تكمن مفارقة هادي في أنه وصل إلى الرئاسة بوصفه حلاً توافقياً لمشكلة الحكم، لكنه غادرها وقد صار الحكم نفسه مشكلة أكبر من شخص الرئيس، إذ وجد نفسه أمام قوى أقدم وأصلب وأشد تسلحاً من مشروع الانتقال السياسي.

رجل الحوار الشامل

وعلى رغم ما أثارته سيرته من جدل، لكن التاريخ اليمني الحديث سيكتب محاولته الشاقة لتلافي أخطاء الماضي بأقل كلفة، عندما سعى إلى انتزاع القرار الوطني من أنياب قوى النفوذ التاريخي الفئوي إلى يد الناس ومصلحتهم العليا عبر الحوار الوطني الذي عقد في صنعاء قبيل الانقلاب الحوثي وإرساء مخرجاته نحو دولة وطنية "لا غالب فيها ولا مغلوب" كما ظل يردد، وحثّ المجتمع على الدفاع عن مكتسباته الجمهورية التي أضحت تتلاشى شمالاً وجنوباً.

ولم يكُن الحوار لحظة عابرة خلال تلك المرحلة، بل رعاه مقاوماً سلسلة من ضغوط المصالح التي ظلت تصنع القرار نيابة عن اليمنيين، ولم يستسلم للظروف التي تمنع بناء الدولة الوطنية مؤمناً بنتائجه كأول تجربة تسعى إلى إيجاد الحلول الممكنة والجذرية عبر الحوار، بدلاً عن حلول الغلبة والقوة.

رحل الرجل قبل أن يكشف عما حفل به هذا التاريخ الملتبس والمرتبك للناس وغادر وفي رأسه كثير مما كان يجب أن يُقال، ولكن ومهما اختلفت الأحكام عليه، سيبقى عبدربه منصور هادي أحد أكثر الأسماء ارتباطاً بتحولات اليمن خلال العقود الأخيرة، من دولة الوحدة وحرب 1994، إلى انتفاضة عام 2011، ثم انقلاب الحوثيين والحرب، وصولاً إلى مجلس القيادة الرئاسي، وبين أحلام التغيير وكلفة الإزاحة والرحيل، ستظل سيرته جزءاً من سؤال يمني أوسع، كيف يمكن لدولة منهكة أن تستعيد نفسها من قبضة الانقسام؟

(اندبندنت عربية)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI