5 يوليو 2026
4 يوليو 2026
يمن فريدم-أحمد الأغبري


في ظل تنازع المصالح الذي كرّسته الحرب، لن يحسم بيان رغد صدام حسين، الذي نفت فيه وجود ابنة سرية لوالدها في اليمن، الجدل والتحشيد القبلي المتصاعد هناك تضامنًا مع ما يقولون إنها ميرا صدام حسين، وحقها في الإفراج عنها من السجن في صنعاء، واستعادة ممتلكاتها، ممثلة في فيلا قالت رغد صدام إنها تخص عمّها الشهيد سبعاوي، مؤكدة ألا علاقة للمدعوة ميرا بها.

هذه الإشكالية القائمة في اليمن والتي تهدد وضع البلد، ما زالت محل خلاف في النظر إليها سواءً من خارجها أو من داخلها؛ فالتحشيد القبلي الذي يتضخم في منطقة مطارح الريان في صحراء محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، استجابة للنكف القبلي الذي دعا له الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، ما زال يطرح أكثر من تساؤل عن أسباب تفاعل المجتمعين الشعبي والقبلي مع هذه القضية.

كما أن هناك قضايا أخرى أكثر أهمية، بما فيها قضايا مظلوميات نسوية يعج بها المجتمع اليمنيّ وتكشف عنها منصات التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق، ومع ذلك لم يتحرك معها الرأي العام والقبيلة بهذا المستوى الذي لقيته قضية مَن تقول الوثائق اليمنية إنها سمية الزُبيري، بينما تقول هي نفسها إنها ميرا ابنة الرئيس العراقي الراحل الشهيد صدام حسين.

كما إن انقسام المجتمع بين مَن يؤكد أنها يمنيّة ويعود نسبها لقبيلة أرحب واسمها سمية الزُبيري في وثائق التعليم والزواج والإنجاب، ومَن يقول إنها ميرا صدام حسين وجاءت إلى اليمن طفلة بصحبة عدد من الضباط العراقيين عقب الغزو الأمريكي؛ هو خلاف تداخلت فيه السياسة والمصالح، وأصبح جزءًا من الخلاف/الصراع السياسي اليمنيّ، الذي تداخلت إشكالاته بكل تفاصيل الحياة.

ويمكن أن نقول، أيضًا، إن الخلاف/الصراع السياسي اليمنيّ الراهن وصل إلى مرحلة صار يفرض نفسه في كل قضايا المجتمع الخلافية، التي تأخذ حيزاً من اهتمام الرأي العام؛ فمن يفز باهتمام منصات التواصل الاجتماعي من المؤكد ستتجاذبه التوظيفات المختلفة، استغلالًا لوضعه ولإيصال رسائل، من خلاله، للداخل والخارج؛ بما في ذلك القبيلة التي هي جزء مهم من نسيج المجتمع، وما زال لها حضور كبير فيه، وما زالت جزءًا من صراع المصالح والنفوذ أيضًا، الذي يعيق تقدم البلد ويحول دون انفكاكه من ربقة التأخر، ولهذا قد تجد شيوخ قبليين ينتقلون، خلال فترة زمنية، من مربع طرف سياسي إلى مربع طرف سياسي آخر استغلالًا للحظة وتغليبًا للمصالح.

التصاعد والانقسام

على الرغم من كل ذلك يبقى السؤال: لماذا تصاعدت بهذا الشكل قضية سمية الزُبيري التي تزعم إنها ميرا صدام حسين، وأخذت تفاعلًا اجتماعيًا كبيرًا لنحو ستة شهور تقريبًا وانقسم معها المجتمع بين مع وضد؟

يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبد الكريم غانم، أن غياب الثقة بالمؤسسات القضائية حوّل القضية إلى نزاع بين سلطة القبيلة وقبيلة السلطة.

يقول، "إن القضية جمعت ثلاثة ميكانزمات أو محركات تفاعل، هي: مسألة الهُوية، والقيم الاجتماعية، بالإضافة إلى البُعد السياسي، فإدعاء النسب لصدام حسين أعطى هذه القضية بُعداً إقليمياً تجاوز اليمن. ولأن هذه القضية تدور أحداثها في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيون)، محافظات شمال اليمن، حيث البُنية القبلية لا تزال متماسكة، فقد عمل كل طرف على استدعاء ما يخدمه من قيم اجتماعية، ففي حين نظرت إليها القبائل الموالية لسلطات الأمر الواقع كقضية شرف وإثبات نسب متبنية خطاب الحفاظ على القيم، استدعى الطرف الآخر قيم النكف القبلي وتبنى خطاب نصرة المظلوم. فغياب الثقة في المؤسسات القضائية حول القضية إلى نزاع بين سلطة القبيلة وقبيلة السلطة في صنعاء".

نصرة المظلوم

لكن تحت عنوان "نصرة المظلوم" لماذا استُنفرت القبيلة مع هذه القضية بينما هناك مظلوميات يمنيّة عديدة، وهناك يمنيات قصصن خصلات من شعرهن وأحرقن رداء رؤوسهن، ولم ينصفهن أحد، فحرمان المرأة من ميراثها بعد أبيها ما زال مشكلة كبرى في اليمن، وخاصة في مناطق الحضور القبلي.

يرى غانم أن تحول القضية إلى قضية رأي عام عزز من دواعي الاهتمام القبلي بها؛ فصارت نصرة هذه الفتاة كسبًا معنويًا للمشيخ القبلي الذي يتبناها.

ويقول: "القبيلة لا تتحرك مع كل قضية مظلومية للنساء في المجتمع اليمنيّ، لا سيما قضايا سلب الحقوق المادية، وحرمان النساء من ثرواتهن، فقضية الميراث في اليمن روتينية، وتُحل عرفيًا أو يتم السكوت عنها. بخلاف قضية من تقول إنها ميرا صدام حسين، فهي مختلفة؛ لأنها أولًا تتضمن استدعاء رمزيا لاسم صدام حسين، الذي يستدعي حضورًا قوميًا ما يزال له مكان في الوجدان القبلي في اليمن. ومن ناحية ثانية فقد تمت صياغة هذه المشكلة باعتبارها قضية فتاة مطاردة/ملهوفة، الأمر الذي أسهم في استدعاء معيار نجدة الملهوف؛ وهي من صلب قيم النخوة القبلية. يُضاف إلى ذلك أنها صارت قضية رأي عام فصارت نصرة هذه الفتاة كسباً معنوياً للمشيخ القبلي الذي يتبناها، على عكس قضايا الميراث المسكوت عنها داخل البيوت".

"قول الشيخ" وتنازع المصالح

لكن تماهي القبيلة معها يبدو وكأن القبيلة حسمت مسألة أنها بنت صدام حسين، وهذا أمر نفته عائلة صدام في بيان رسمي وتحسمه إجراءات عديدة.

يقول عبدالكريم غانم: "القبيلة لا تحسم النسب بالبيولوجيا وتحليل الـDNA فأدواتها مختلفة، يعرف أبناء القبائل اللهجات اليمنية وفي تقديري لن يجدوا صعوبة تذكر في اكتشاف أن لهجة هذه الفتاة ومخارج حروفها لا علاقة لها بلهجة قبائل أرحب، التي يقال إنها تنتسب إليها، وقبل هذا وذاك يكفي أن يقول شيخ القبيلة أنها بنت صدام حسين لتصبح كذلك، فالقبيلة ليست جهازًا رسميًا يحتاج لأوراق ثبوتية من أجل تأكيد الهُوية، إذ يكفي فك شفرة اللهجة واختلاف ملامح الشخصية، فرغم استمرار الجدل القانوني وبقائه مفتوحاً، يصبح قول الشيخ حاسمًا اجتماعيًا، وإن لم يكن قانونياً".

وأرجع غانم عدم وجود رد فعل قبلي عراقي مواز لرد فعل القبيلة في اليمن للحساسية السياسية والطائفية لقضية النسب لصدام حسين في العراق.

يقول: "العشائر العراقية تتجنب تبني حالات فردية قد تفتح ملفات ميراث سياسي يتجنب العراقيون إثارته. خلافًا لما هو عليه الحال في اليمن، حيث تستدعي القضايا الفردية تعاطف واهتمام المجتمع القبلي بشكل مبالغ فيه، علاوة على أن هذه القضية استُخدمت في مضمار تنازع السلطة بين طرف قبلي يمني وجد فيها فرصة لتأكيد دوره كحامٍ للقيم وللتفوق أمام سلطة أمر واقع لم تعد فيها مكانة المشايخ في عهدها على ما يرام".

وعلى الرغم مما يشوب التصعيد القبلي الراهن تجاه هذه القضية، يرى عبد الكريم غانم أنه يمكن التعويل على القبيلة فيما يتعلق بالقيم وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم.. إلى حدٕ ما، "فالقبيلة ما زالت شبكة الأمان الأولى، والبديل عند انهيار مؤسسات الدولة، حيث يمكنها القيام بفك نزاع، وإغاثة ملهوف. لكن دورها انتقائي، فهي تتحرك حين يكون الكسب المعنوي أو السياسي واضحًا وسهلًا، وتتجنب قضايا أكثر تعقيدًا، كالمظلوميات الجماعية، ومنها قضايا الميراث النسوي، لأنها تصطدم ببنية مصلحية ذكورية، فتضامن القبيلة ظرفي مصلحي أكثر منه تضامن حقوقي منهجي".

القبيلة.. تعطيل أم انقاذ؟

ويرى غانم أن القبيلة اصطفت دائمًا مع الطرف الأقوى، مؤكدًا على أنه لا يمكن البناء على دورها كبديل للدولة.

يقول: "تاريخياً أسهمت القبيلة في إطالة حروب ما بعد 1962 و2014، وفي العقد الأخير، لم تقدم مشروع دولة بقدر ما اصطفت مع الطرف الأقوى تمويلًا أو تسليحًا، لذا لا يمكن البناء على دور القبيلة كبديل للدولة، لكن يمكن توظيفها في إطار الحكم المحلي، وربطها بمشاريع تنموية، وتحويل معيار النخوة من فعل فردي إلى التزام مؤسسي، فبدون دولة وقانون ستظل القبيلة قوة تعطيل أو إنقاذ بحسب الحسابات الشخصية لشيخ القبيلة أو الأطراف التي تموله، لا بحسب مشروع سياسي مستقبلي".

(القدس العربي)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI