5 يوليو 2026
5 يوليو 2026
يمن فريدم-منى عبدالفتاح


يكتسب ترحيب الحكومة السودانية بالمبادرة التي طرحها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافستو، في شأن التعاون في ملف تبادل الأسرى، أهمية تتجاوز مسألة الإفراج عن المحتجزين، لتطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا الملف قادراً على فتح قناة تواصل عملية بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي أغلقت معظم مسارات التفاهم بين الطرفين.

وفي حين أكدت الخرطوم استعدادها للتعاون، مع التشديد على أن أي عملية لتبادل المحتجزين ينبغي أن تنفذ وفقاً للقانون الدولي الإنساني والإجراءات القانونية المنظمة لمعاملة المحتجزين أثناء النزاعات المسلحة، لم يصدر عن قوات "الدعم السريع" موقف رسمي مباشر من المبادرة، إلا أن تحالف "تأسيس" التابع لها ربط نجاح المبادرة بضرورة إدراجها ضمن مسار أوسع يفضي إلى هدنة إنسانية وعملية سياسية شاملة.

ولا يعود الاهتمام بهذا التطور إلى طبيعته الإنسانية فقط، بل إلى خصوصية ملف الأسرى في النزاعات المسلحة، إذ غالباً ما يشكل أحد أكثر الملفات قابلية للفصل عن التجاذبات السياسية، وفي الوقت ذاته أحد أكثرها حساسية من الناحية العسكرية والأمنية.

لذلك، فإن انخراط الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذا المسار يمنحه قدراً من الضمانات الإجرائية التي تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني وإلى خبرة مؤسسية طويلة في إدارة عمليات الإفراج المتزامن عن المحتجزين، مع الحفاظ على الحياد والسرية واستقلالية القرار الإنساني. وفي هذا الإطار، لا ينظر إلى المبادرة باعتبارها مدخلاً لتغيير موازين الصراع أو مؤشراً إلى اقتراب تسوية سياسية، وإنما باعتبارها اختباراً لقدرة طرفي النزاع على التوصل إلى تفاهم محدود حول قضية إنسانية شديدة الحساسية.

نمط منظم

خلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري لم تعد ممارسات معزولة، بل أصبحت جزءاً من نمط منظم للسيطرة على السكان، في انتهاك مستمر للقانون الدولي الإنساني.

وسلطت تقارير محلية الضوء على أوضاع مأسوية داخل بعض أماكن الاحتجاز، من بينها سجن "دقريس" في نيالا، الذي تديره قوات "الدعم السريع"، حيث أعلنت "شبكة أطباء السودان" وفاة أكثر من 215 محتجزاً خلال شهرين فقط نتيجة الأمراض وسوء الرعاية الصحية والتعذيب.

يقول الموظف السابق، في الأمم المتحدة محمد بابكر "منذ الأعراف العسكرية القديمة، مروراً باتفاقات لاهاي، وصولاً إلى اتفاقات جنيف لعام 1949، تطورت معاملة الأسرى من كونها امتيازاً تمنحه القوة المنتصرة إلى التزام قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني".

وأضاف "تظل الحماية أكثر تعقيداً في النزاعات المسلحة غير الدولية، إذ لا تنطبق صفة (أسير حرب) بالمعنى القانوني على المقاتلين المحتجزين، وإنما يخضعون للحماية التي تكفلها المادة الثالثة المشتركة لاتفاقات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، اللذان يفرضان معاملة إنسانية للمحتجزين ويحظران التعذيب والإعدام خارج القانون والإخفاء القسري وسائر أشكال المعاملة المهينة".

ويتابع بابكر "لا يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاعات الداخلية التزاماً قانونياً بإجراء عمليات تبادل للمحتجزين، لكنه يتيح لها إبرام ترتيبات إنسانية طوعية، كما يخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر عرض مساعيها الحميدة لتيسير هذه العمليات متى قبلت الأطراف بذلك.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر المبادرة الأممية الأخيرة على كونها محاولة للإفراج عن محتجزين، بل تمثل اختباراً لقدرة الطرفين على استعادة حد أدنى من الالتزام بالقواعد الإنسانية في حرب اتسعت فيها الانتهاكات بقدر اتساع رقعة القتال، وأصبح مصير آلاف المحتجزين أحد أكثر وجوهها مأسوية وغموضاً".

إحياء المبادرة

يأتي إحياء مبادرة تبادل الأسرى في هذا التوقيت نتيجة تداخل عوامل عدة. فمن جهة، أدى استمرار الحرب للعام الرابع إلى اتساع أعداد المحتجزين والمفقودين، وتحول أوضاعهم إلى قضية إنسانية متفاقمة يصعب تجاهلها.

ومن جهة أخرى، تزايدت الضغوط الدولية المرتبطة بالانتهاكات الموثقة داخل أماكن الاحتجاز، في ظل تقارير متواترة عن التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري، وهو ما جعل معالجة هذا الملف تمثل إحدى القضايا القليلة التي يمكن للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إحراز تقدم فيها، حتى في غياب اختراق سياسي أوسع.

كما أن التجربة السودانية نفسها أظهرت أن هذا المسار ليس مغلقاً بالكامل، فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، اضطلعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور الوسيط المحايد في عدد من عمليات الإفراج المحدودة، إذ يسرت في يونيو/ حزيران 2023 إطلاق سراح 125 من أفراد القوات المسلحة، بينهم عشرات الجرحى، بعد عملية مماثلة في الفاشر، ثم أشرفت في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه على إطلاق سراح 64 محتجزاً إضافياً، ليرتفع عدد من سهلت نقلهم والإفراج عنهم إلى 292 شخصاً.

وأعلن الجيش السوداني، في سبتمبر/ أيلول 2023، تسليم 30 من صغار السن المنتمين إلى قوات "الدعم السريع" للجنة الدولية للصليب الأحمر، مع إبداء استعداده لتسليم مئات المحتجزين الآخرين، مما أظهر إمكانية توظيف الوساطة الإنسانية بعيداً من مسارات التفاوض السياسي. وفي يونيو 2024 نجحت وساطة أهلية قادها زعيم ديني في الإفراج عن 537 من أفراد الشرطة الذين كانوا محتجزين لدى قوات "الدعم السريع".

ولا يقتصر الدور الذي تضطلع به اللجنة الدولية للصليب الأحمر على الجوانب اللوجيستية، بل يمتد إلى توفير الضمانات الإنسانية والإجرائية التي تمنح الطرفين قدراً من الثقة في تنفيذ الاتفاقات، باعتبارها الجهة الإنسانية الأكثر قبولاً لدى طرفي النزاع، وصاحبة الخبرة الأطول في إدارة عمليات الإفراج والنقل الآمن للمحتجزين داخل بيئة قتالية معقدة.

تحديات معقدة

تقول الناشطة أمينة سر الختم "على رغم هذا التقارب النسبي في موقفي الجيش و(الدعم السريع)، فإن الانتقال من الترحيب السياسي إلى التنفيذ العملي يظل محفوفاً بتحديات معقدة. ويتمثل التحدي الأول في غياب قاعدة بيانات موثوقة حول أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم، في ظل اتهامات متبادلة بالإخفاء القسري والاحتجاز خارج أي إطار معلن.

كما تبرز معضلة التحقق من هوية المحتجزين وتصنيفهم، لا سيما مع اختلاط العسكريين بالمدنيين، ووجود أشخاص اعتقلوا على خلفيات مناطقية أو إثنية أو بموجب اتهامات مرتبطة بالنزاع. ويضاف إلى ذلك التشتت الميداني، إذ لا تخضع جميع أماكن الاحتجاز لقيادة مركزية واحدة، الأمر الذي يزيد من تعقيد تنفيذ أي اتفاق ويجعل الالتزام به متفاوتاً بين الوحدات المنتشرة على الأرض".

وتضيف سر الختم "لا تقل التحديات الأمنية أهمية عن الجوانب القانونية، فعمليات النقل تتطلب ممرات آمنة وتوقفاً موقتاً للأعمال القتالية، فضلاً عن ترتيبات لوجستية دقيقة تحول دون تعرض المحتجزين أو فرق الوساطة لأي أخطار.

كما أن هشاشة الثقة بين الطرفين تثير مخاوف من استغلال العملية لأغراض دعائية أو استخباراتية، أو من انهيارها نتيجة اتهامات متبادلة بعدم الالتزام".

وتتابع "يتطلب الأمر تبادل قوائم المحتجزين بصورة متزامنة، والاتفاق على آليات مستقلة للتحقق من تنفيذ الالتزامات، وتأمين ممرات إنسانية بإسناد من الأمم المتحدة، مع ضمان عدم إعادة المفرج عنهم مباشرة إلى ساحات القتال".

يذكر أن منظمات حقوقية، وفي مقدمها "محامو الطوارئ"، دعت إلى توسيع نطاق المبادرة بحيث لا يقتصر على العسكريين، بل يشمل المدنيين المحتجزين تعسفاً، والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، باعتبار أن معالجة هذه الملفات تمثل اختباراً حقيقياً لجدية احترام الالتزامات الإنسانية، وقد تشكل أول خطوة عملية نحو بناء الثقة في نزاع لا يزال يفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة المتبادلة.

مساران محتملان

يصعب النظر إلى مبادرة تبادل الأسرى والمحتجزين باعتبارها مقدمة مباشرة لتسوية سياسية في السودان، غير أن ذلك لا يقلل من قيمتها بوصفها أحد التدابير القليلة القادرة على إنتاج حد أدنى من الثقة بين طرفين انقطعت بينهما قنوات التواصل المباشر منذ اندلاع الحرب.

ففي النزاعات الداخلية، لا تبدأ الثقة باتفاقات كبرى، وإنما تتشكل تدريجاً عبر إجراءات محدودة يمكن التحقق من تنفيذها، وتؤسس لسجل من الالتزام المتبادل. ومن هذا المنظور، فإن أي عملية تبادل ناجحة تمثل اختباراً عملياً لقدرة الطرفين على الوفاء بتعهداتهما تحت إشراف طرف محايد، أكثر من كونها مؤشراً إلى تغير مواقفهما السياسية.

وأظهرت الحرب، على رغم خطابها التصعيدي، أن الضرورات العملية فرضت في مناسبات محدودة قدراً من التنسيق غير المباشر، إذ إن الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية ظلت، في أوقات معينة، قادرة على اختراق الجمود الذي فرضته الحسابات العسكرية، وهو ما يمنح المبادرة الأممية الحالية فرصة واقعية، وإن كانت محدودة، لإعادة فتح قنوات اتصال حول هذا الملف.

لكن تحويل المبادرة إلى أداة لبناء الثقة يظل مشروطاً بمدى قدرة الطرفين على الانتقال من إعلان القبول إلى التنفيذ الفعلي، إذ إن نجاح أي اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين لا يتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل يتطلب ترتيبات دقيقة، ووضع إجراءات لمعالجة أي خلافات قد تظهر أثناء التنفيذ.

وهنا يبرز الدور المحوري للجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تضطلع، بموجب ولايتها الإنسانية، بالتحقق من القوائم، والإشراف على عمليات النقل، وتوفير الضمانات الإجرائية والإنسانية التي تمنح كل طرف قدراً من الاطمئنان إلى التزام الطرف الآخر.

أمام هذه المبادرة مساران مختلفان: الأول أن تنجح، وفي هذه الحال قد تفتح الباب أمام مقاربة مختلفة تقوم على فصل الملفات الإنسانية عن مسار الصراع العسكري. فالكشف عن مصير المفقودين، والإفراج عن المدنيين المحتجزين تعسفاً، وتوسيع الوصول الإنساني، وتأمين الممرات للإغاثة، كلها قضايا يمكن أن تستفيد من الزخم الذي قد تولده عملية تبادل ناجحة.

أما المسار الثاني، فهو إذا تعثرت، وسيكون ذلك مؤشراً إلى أن فجوة انعدام الثقة لا تزال أعمق من أن تجسرها حتى أكثر الملفات إنسانية، وأن الحرب لا تزال تفرض منطقها على كل ما عداها.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI