8 يوليو 2026
8 يوليو 2026
يمن فريدم-أمينة خيري


هذا الكم المذهل من المعلومات نصف الحقيقية والأخبار شبه المفبركة والصور والفيديوهات المعدلة تقنياً لدرجة الكمال وتداخل خطوط الحقيقة بالخيال، لم يصب سكان الأرض خلال متابعة مجريات حرب إيران وهوامشها بالدوار فحسب، بل أُضيف إلى سابق معاناة وإنهاك خبري مميت.

إنه الإنهاك المصاحب للحروب والصراعات الممتدة، والذي أعيد إحياؤه بتفجر حرب إيران في فبراير/ شباط الماضي، وقبلها ما يزيد على عامين من وقائع حرب غزة المأسوية المثيرة للفرقة والاستقطاب، وقبل هذه وتلك حرب روسيا في أوكرانيا، وبين كل ما سبق حرب السودان وبقايا حرب اليمن وإرهاصات حرب ليبيا، وجميعها يحوي بين جنباته جبهة "السوشيال ميديا"، هذه الإضافة الجديدة المميتة التي أصبحت مكوناً رئيساً في حروب وصراعات القرن الـ21.

وكأن الأخبار المضللة والمفبركة وبروباغندا الحرب والتراشق بين الطرفين المتحاربين بالسخرية الرقمية، والاتهامات غير الموثقة عبر تدوينات وصور وفيديوهات معظمها غير موثق ولكنه ينتشر انتشاراً فيروسياً على الأثير، لم تكن كافية لإصابة الجميع بدوار معرفي وفراغ معلوماتي على رغم ما يبدو من تخمة خبرية، فإذ بتدوينات رسمية على "السوشيال ميديا" تدخل معترك حرب المعلومات ولكن بصورة فريدة وغير معتادة، إذ كثير من التصريحات الرسمية العنكبوتية لا تقل إثارة للجدل، أو تسبباً للربكة من المحتوى الشعبي غير الموثق.

عقب بدء حرب إيران في الـ28 من فبراير الماضي، فوجئ جمهور المتلقين والمتابعين لأخبار الصراع بحسابات رسمية تابعة للمسؤولين على جانبي الصراع من الأمريكيين والإيرانيين، إضافة إلى الإسرائيليين، وكأنها تنضم إلى ساحة التناقض عبر تصريحات بدت متناقضة، ولجوء للذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يرجح أنه يحوي معلومات غير مؤكدة، إضافة إلى التهافت على نشر مقاطع فيديو حربية، بعضها مصمم على غرار ألعاب الفيديو.

منذ بدأت الحرب، والصفحات الرسمية الإيرانية على "السوشيال ميديا" تنشر تدوينات وتصريحات "رسمية" وُصفت في أمريكا بـ"المبالغة في سرد خسائر الجانب الأميركي من قتلى وجرحى وأضرار مادية"، وكذلك الانتصارات والإنجازات الإيرانية.

في المقابل، رجحت تقارير صحافية أميركية أن عدداً من التدوينات الرسمية الأميركية على "السوشيال ميديا" ذكرت أرقاماً أقل بكثير من الواقع أو الحقيقة، مع طرح احتمالات بأن ما يُذكر من خسائر وآثار سلبية تتسبب فيها الحرب في الداخل الإيراني هو أكبر من الواقع. هذا التباين الكبير في تقدير حجم الخسائر على الطرفين من قبل الطرفين بدأ يفقد "الصفحات والحسابات الرسمية" صدقيتها المبنية فقط على كونها "رسمية".

التناقض في تقدير الخسائر، والمبالغة في تقييم الانتصارات يمكن فهمها في ضوء ضرورات الحرب التي تبيح أحياناً محظورات الخداع المعلوماتي. بين طمأنة الرأي العام داخلياً، وكسب أرضية شعبية مؤمنة بضرورة الحرب من أجل حماية الوطن، أو صون الكرامة، أو تحقيق مكاسب وطنية، وكذلك إفقاد "العدو" صدقيته أمام شعبه والمجتمع الدولي، تبقى هذه التكتيكات تقليدية.

المبادرة بالتضارب

حتى التراشق بالتصريحات الرسمية أمر متعارف عليه كثيراً في الخلافات بين الدول. أما تحويل التناقض واستخدام التراشق إلى وسائل لإصابة الجميع بدوار الحرب، فهذا أمر جديد في عصر هيمنة "السوشيال ميديا".

لم يعد الرئيس أو الوزير أو المتحدث الرسمي ينتظر تنظيم مؤتمر صحافي حاشد، أو إصدار أمر بكتابة بيان إعلامي محكم يخضع للتعديل والتنقيح مرة، وللتدقيق مرتين، وللمراجعة ثلاث أو أربع أو خمس مرات قبل إرساله إلى وسائل الإعلام، كل ما يتطلبه الأمر حالياً هو أن يقرر المسؤول أن يكتب تدوينة على "فيسبوك" في وقت ما، أو يرى الوزير أن عليه أن يكتب تغريدة على "إكس" في ظرف ما، أو يستيقظ الرئيس من نومه ولديه حال ملحة بأن يباغت البشرية بسلسلة من "الحقائق" (Truths) ينهمكون في قراءتها، ثم فك لوغاريتماتها، وربما فهم ما وراء المكتوب أو المنشور، بما في ذلك وسائل الإعلام التقليدية نفسها.

على سبيل المثال، اعتاد المتابعون لحرب إيران مفاجآت الرئيس الأميركي دونالد ترمب التدوينية لـ"حقائق" متواترة على منصته "تروث سوشال"، حتى إن الصحافة الأميركية كثيراً ما تسميها "نوبات نشر متقلبة"، وكثير منها يأتي في أوقات غريبة أو غير تقليدية، وتحديداً في وقت متأخر من الليل. محتوى مكتوب، و"ميمز" غريبة، وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي وغيرها يحفل بها حساب الرئيس على وقع حرب إيران.

هناك من يسميها استراتيجية تواصل متقلبة، أو ينعتها بالتناقض الشديد، وربما يكون مقصوداً. تتنقل "حقائق" الرئيس على "تروث سوشال" بين تهديدات شديدة بتصعيد عسكري، وتأكيدات عميقة بسلام حقيقي، وتصريحات جازمة بأن مضيق هرمز مفتوح أمام حركة الملاحة الدولية، ثم تهديد صريح بأن إغلاق المضيق من قبل إيران سيؤدي إلى القضاء على إيران، وأن أميركا ستفتح المضيق بعد توقيع اتفاق مع إيران بيومين، وهلم جراً.

في المقابل، تتفنن الخارجية الإيرانية في الإعلان عن فتح وإغلاق وفتح جزئي وإغلاق جزئي للمضيق عبر تغريدات على "إكس"، وذلك بحسب سير أو تعثر أو تأجيل أو التعجيل بالمفاوضات مع الجانب الأميركي، وهو الحديث المتأرجح رسمياً منذ أسابيع طويلة على أثير "السوشيال ميديا" الرسمية لكلا الطرفين بين تأكيد إبرام، ثم تأكيد عدم إبرام، يعقبه تلويح بتعطيل، ثم تمليح بتعجيل.

الطرفان البارعان

يبرع الطرفان في استخدام "السوشيال ميديا" لإثارة الخلافات، وربما القيل والقال، حول وضع المضيق. هذا يؤكد وذلك ينفي، والتغريدات تواجه "الحقائق"، والإعلام التقليدي الرصين نفسه في موقف لا يحسد عليه بين ناقل أمين لمحتوى الصفحات والحسابات الرسمية للطرفين على "السوشيال ميديا"، ومجتهد في تفسير هذه التغريدة، ثم تحليل هذه "الحقيقة" المناقضة لها، والضحية الكبرى في نهاية حرب المحتوى المتابع الذي يحاول معرفة ما يجري.

"ترمب يقول إن الاتفاق النووي مع إيران سيُوقع غداً، وهو ما يناقض تصريحات مسؤول إيراني"، "تصريحات أمريكية وإيرانية متضاربة في شأن الاتفاق، وترمب يؤكد عدم تخفيف العقوبات"، "إيران تحث أمريكا على تجنب التفسيرات التي تتعارض مع النص الصريح للمذكرة الموقعة"، "تصريحات رسمية متضاربة لترمب ومسؤولون إيرانيون حول الخطوات التالية في المحادثات"، "روايات متضاربة بين إيران وأمريكا على الصفحات الرسمية حول المحادثات النووية"، "جهات رسمية مسؤولة عن المعلومات المرئية المضللة عن إيران على ’السوشيال ميديا‘"، "تصريحات المسؤولين الإيرانيين تتعارض بشدة مع التصريحات الأمريكية لا سيما في ملف العقوبات والأموال المجمدة"، وغيرها الآلاف من عناوين الصحف والمواقع الرصينة، وكذلك موضوعات النقاش في البرامج التحليلية والفقرات الإخبارية على شاشات الفضائيات، تلهث على مدار أشهر الصراع لا في الحصول على خبر، أو نيل انفراد، بقدر ما تحاول جاهدة شرح أسباب التناقض وعوامل التضارب في محتوى الصفحات الرسمية على المنصات، لا بين الطرفين فحسب، بل أحياناً من قبل الطرف الواحد.

ويبدو أن "حقائق" الرئيس الأمريكي ترمب على منصته "تروث سوشال" هي الأكثر تضارباً، فقد تحول إلى مادة يحاول خبراء واختصاصيو حرب وتواصل وإعلام تفسيرها. وبين استخدام تكيتك الغموض الاستراتيجي، واللجوء إلى أداة إرباك العدو في السياسة الخارجية، تدور غالب التفسيرات.

فبدلاً من خطة إعلامية دبلوماسية مدروسة ومخططة جيداً، يعتمد نهج الرئيس ترمب على إبقاء الخصم، ومعه الملايين من متابعي الحرب، في حال من الارتباك والقلق وعدم القدرة على التكهن بالخطوة التالية. ويبدو أن "السوشيال ميديا" وقدراتها الآنية على نشر الفكرة أو الخبر أو التصريح تلبي هذه الغايات بصورة بسيطة وسريعة.

ويبدو التضارب الداخلي الأميركي واضحاً في هذه الحرب بصورة كبيرة. التصريحات والتدوينات على صفحات الرسمية لجهات ومسؤولين كثر تعكس قدراً من الاختلاف أو الخلاف بين "البيت الأبيض" ووزارة الحرب وأجهزة الاستخبارات، وهو ما يبدو واضحاً في نبرة التصريحات بين هادئة رصينة حذرة تدعو إلى تقييمات أكثر حذراً على المدى الطويل، وأخرى زاعقة متعجلة فيها كثير من التبرير السياسي والاقتصادي لضربات عسكرية وخطوات متسارعة على صعيد السياسة الخارجية.

وداعاً للجدول والخطة

عناصر مثل جدول زمني، أو خطة عامة، أو تفاصيل يُتدرج في مناقشتها، أو غيرها من سمات المحادثات بعد وقف إطلاق النار بهدف الوصول إلى اتفاق سلام أو تهدئة شبه غائبة.

كثيراً ما يعلن الرئيس ترمب أو مسؤولون أمريكيون أن اتفاق السلام حقق قفزات كبيرة وسريعة في طريق الوصول نحو التوقيع، وهو ما يُنفى بعد ساعات، وأحياناً دقائق من قبل السلطات الإيرانية على منصات "السوشيال ميديا" أيضاً.

والنتيجة اتهامات رسمية متبادلة، إذ تتهم أميركا إيران بتسريب شروط كاذبة لم يجر الاتفاق عليها أو مناقشتها، وإيران تتهم أميركا بافتراض سوء النية دائماً في ما يتعلق بالتفاوض مع الإيرانيين.

قبل أيام قليلة، قالت المتحدثة باسم "البيت الأبيض" كارولين ليفيت، على قناة "فوكس نيوز" إن المبعوثين الخاصين غاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيتوجهان إلى قطر للمشاركة في اجتماعات رفيعة المستوى في غضون أيام.

وقال مسؤول في "البيت الأبيض" لمجلة "تايم" الأمريكية إنه خلال هذه الزيارة لقطر، سيستكمل المبعوثان كوشنر وويتكوف الحوار الإقليمي حول جوانب مختلفة من مذكرة التفاهم التي وقعها ترمب والقيادات الإيرانية في وقت سابق.

بعدها بقليل، وتحديداً في الـ29 من يونيو/ حزيران الماضي، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في بيان، أنه لا توجد اجتماعات مقررة مع أميركا خلال الأيام المقبلة. وفي اليوم التالي، قال بقائي في بيان آخر إن إيران ستعقد ​محادثات مع قطر​ ​لبحث تنفيذ الاتفاق ​"الموقت" بين طهران وواشنطن.

هي بيئة دبلوماسية شديدة التقلب، وغموض استراتيجي عميق المغزى، وتكتيك خداعي ذو أهداف أبعد من كسب الحرب أو إلحاق الخسارة بالعدو، ولكنها قد تكون أيضاً فوضى معلوماتية شديدة، أو تغيرات غير مدروسة في الأهداف، أو تصرفات متسرعة أملاً في تحقيق غايات، وكل ذلك على أثير "السوشيال ميديا" التي أصبحت من دون شك الإضافة الأحدث على أرض المعركة.

"حقيقة" رسمية تؤكد الرغبة في التواصل الدبلوماسي، ثم إلحاق "الحقيقة" بـ"حقيقة" أخرى تؤكد الاستعداد لشن هجمات عسكرية. تغريدة وزارية تفيد بألا مجال للحديث عن لقاء أو اجتماع أو حتى تواصل، تعقبها أخرى ملوحة بإمكانية الحديث واحتمالية اللقاء والترحيب باجتماع، وهو ما يبقي "العدو" في حال استنفار دائم، والمتلقين والمتابعين في وضعية حيرة مستمرة.

نقاط التضارب عديدة، لكن أبرزها مضيق هرمز وقوة إيران النووية والعقوبات وأموال إيران المجمدة واتفاق السلام، وأخيراً وليس آخراً سردية النصر والهزيمة. وهذا وأكثر متوقع في الحروب الكبرى، والمنافسات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية التي تؤثر في العالم، ولكن المدهش الجديد هو انتقال المسؤولين من طرفي الحرب صوب فوضى "السوشيال ميديا"، وهي فوضى مدعاة لقرارات وقوانين وإجراءات من أجل السيطرة عليها وتقليص أخطارها وتقييد قدراتها، بل وأحياناً حجب محتواها لأسباب تتعلق بتضارب المعلومات وعدم صدقية الأخبار، وتضليل التحليلات وفبركة الصور والفيديوهات.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI