حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدء الهجمات على إيران في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، كان التركيز الأكبر في خطابه على هدف إسقاط النظام الإيراني عبر دعوة الإيرانيين إلى النزول عقب انتهاء الهجمات واقتناص "ساعة الحرية"، التي يمنحها لهم ترمب بعد أعوام طويلة من انتظار الدعم، بحسب وصفه، وبعد ستة أشهر من الحرب عاد ترمب ليسأل "متى سينتفض الشعب الإيراني ويقاتل؟"، بعدما أصبح الهجوم مزدوجاً، عسكرياً واقتصادياً، مع تفعيل سياسة "النبذ الاقتصادي"، وتشديد الحصار على الدولة التي تعيش على وقع عقوبات منذ عقود.
وعلى رغم تأرجح تصريحات ترمب خلال الأشهر الماضية في شأن هدف إسقاط النظام، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت أكثر صراحة حين أعلن أن إجراءات العقاب الاقتصادي التي أعلنها الشهر الماضي تهدف إلى سقوط نظام طهران.
إلا أن تاريخ العقوبات الأمريكية لا يدعم فرضية إنهاء "نظام مارق" في نظر واشنطن عبر عقوبات اقتصادية، كما أن احتمالية سقوط النظام الإيراني قد تعني تفكك الدولة، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة لمؤسسة الحكم في طهران، في سيناريو قد يحمل تبعات خطرة على الشعب الإيراني ودول الجوار.
العقوبات وتعزيز "الحكم السلطوي"
وبعد ستة أشهر من الحرب التي خسرت فيها إيران مرشدها الأعلى علي خامنئي خلال الساعة الأولى من الضربات، لم تشهد شوارع طهران استجابة لمحاولة ترمب "تثوير الإيرانيين"، وهو ما قد تفسره دراسة نشرها الباحثان الألمانيان كريستيان فون سوست وجوليا جراوفيجل عام 2014 في الصحيفة الأوروبية للعلوم السياسية، قاما خلالها بتحليل العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لدفع الدول "غير الديمقراطية" نحو التحول الديمقراطي في الفترة بين عامي 1990 و2011.
وخلصت الدراسة إلى أن تلك العقوبات تؤدي إلى تعزيز "الحكم السلطوي"، بسبب نتيجة غير مقصودة، وهي تعزيز التلاحم الداخلي أو ما يُعرف بظاهرة "الالتفاف حول العلم"، وبخاصة عندما تكون الروابط الاقتصادية والاجتماعية مع الجهة التي تفرض العقوبات محدودة، ويتشابه ذلك مع سردية النظام الإيراني التي تصور الولايات المتحدة على أنها "الشيطان الأكبر" الذي يريد تدمير الدولة الإيرانية لا إسقاط النظام.
وعلى عكس تصريحات المسؤولين الإيرانيين بأن الحزمة الجديدة من العقوبات لن تؤتي نتائج مثل سابقاتها، فإن الأرقام تؤكد الألم الاقتصادي الذي لحق بطهران منذ بداية الحرب، تحديداً مع الحصار البحري في أبريل/ نيسان الماضي، إذ انخفضت كميات النفط الإيراني المخزنة في البحر من نحو 180 مليون برميل إلى نحو 60 مليون برميل في أوائل يوليو/ تموز الماضي، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال العام الحالي، مع تجاوز معدل التضخم السنوي 80%.
لكن، هل ستؤدي الأزمة الاقتصادية إلى انهيار النظام؟ وفق شبكة "سي أن أن" فإن هناك قليلاً من المعلومات الاستخباراتية التي تشير إلى احتمال تظاهر الإيرانيين للمطالبة بإطاحة قادة النظام، حتى مع تدهور الوضع الاقتصادي.
إلا أن غضب الإيرانيين من أوضاعهم المعيشية ليس مستبعداً بالكامل، فقد تظاهر الإيرانيون داخل مدن عدة في يناير/ كانون الثاني الماضي، واضطرت أجهزة الأمن لقمع الاحتجاجات. عامل آخر قد يحدد مصير النظام الإيراني، هو بنيته المعقدة والمتشابكة، إذ يقوم على ثلاث ركائز متشابكة اقتصادياً وأمنياً، هي الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية، والجهاز البيروقراطي للدولة، يملك كل طرف مصلحة راسخة في بقاء المنظومة القائمة، وفق تقرير لمركز "أوبزرفر ريسيرش فاونديشن الشرق الأوسط"، نشر في مارس/ آذار الماضي.
هل ستؤدي الأزمة الاقتصادية إلى انهيار النظام؟
وأشار التقرير إلى أن الطبيعة المؤسسية للنظام بدت واضحة في الطريقة التي تعامل بها مع أخطر صدمة تعرض لها منذ قيامه عام 1979، وهي مقتل المرشد خامنئي في ضربة أميركية إسرائيلية مشتركة أطلقت الحرب في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، إذ انتقلت السلطة إلى نجل المرشد مجتبى خامنئي.
ويؤكد تقرير لمركز "جيمستاون" الأميركي للأبحاث أن الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران لم تحدث تغييراً جوهرياً في البنية السياسية الإيرانية، لكنه أدى إلى تعزيز دور قادة الحرس الثوري في مراكز صنع القرار، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، ويشير التقرير إلى أن القيادة السياسية الإيرانية الجديدة تعمل ضمن إطار جماعي لا مركزي تتوزع فيه السلطة بين المؤسسات الأمنية، ويعد الحرس الثوري الطرف الأكثر نفوذاً فيها.
وعلى قدر تشابك وتعقيد النظام الإيراني بما قد يحد من توقعات انهياره، فإنه في الوقت نفسه يطرح احتمالات سقوط الدولة في حال انهيار النظام، وبخاصة مع تغول دور الحرس الثوري على مؤسسات الحكم الأخرى.
ويطرح تحليل نشره موقع "يوراسيا ريفيو" سيناريو تحول إيران إلى دولة سلطوية عسكرية يهيمن عليها الحرس الثوري بعد تراجع الشرعية الدينية، ولا يستبعد تصدع الأجهزة الأمنية نفسها، وهو السيناريو الوحيد الذي قد يقترب فعلياً من نمط الانهيار الشامل الذي شهدته ليبيا عقب سقوط نظام معمر القذافي أو العراق بعد الغزو الأمريكي الذي أطاح صدام حسين.
ويعرف عالم السياسة الأمركي ويليام زارتمان في كتابه "الدول المنهارة: تفكك واستعادة السلطة الشرعية" معنى انهيار الدولة بأنه توقف الوظائف الأساس للدولة عن العمل، بحيث تتفكك بنية السلطة الشرعية والقانون والنظام السياسي ويصبح لزاماً إعادة بنائها من جديد.
ويشدد زارتمان على أن انهيار الدولة ظاهرة أعمق من مجرد تمرد أو انقلاب أو تغير في النظام الحاكم، إذ يعني الاختفاء الفعلي لبنية السلطة كإطار مرجعي، وليس فقط تغير من يشغلها.
في المقابل يبدو الأمر مختلفاً عند سقوط النظام لا الدولة، إذ توضح مقالة مشتركة لباربرا غيدس وجوزيف رايت وإريكا فرانتز نشرتها الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، أنه عندما يفقد زعيم نظام استبدادي السلطة يحدث أحد ثلاثة أمور، إما أن تحل قيادة منتخبة ديمقراطياً محل القيادة القائمة، أو يتولى السلطة شخص من داخل القيادة القائمة ويستمر النظام، أو تفقد القيادة القائمة السيطرة لمصلحة مجموعة أخرى تستبدل النظام القائم بنظام استبدادي جديد.
من الصومال إلى ليبيا
يمثل انهيار الدولة الصومالية عام 1991، وليبيا بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، نماذج واضحة لتحول انهيار نظام حاكم إلى انهيار شامل لبنية الدولة ذاتها، إذ تعددت مراكز السلطة وتلاشى احتكار الدولة للسلاح وتحولت السيادة إلى مناطق نفوذ متنازع عليها بين ميليشيات محلية وقوى خارجية متدخلة، بينما قدمت مصر وتونس عام 2011 نموذجين لصمود بنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والحكومية، على رغم تغير النظام الحاكم.
وبينما انحسرت تبعات تغيير النظام على الأوضاع الداخلية، فإن سقوط الدولة انعكس على دول الجوار، إذ تحولت ليبيا إلى أكبر مركز للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، فيما أصبح الصومال منطلقاً لهجمات القراصنة بين حين وآخر.
لذا، يبدو احتمال سقوط الدولة الإيرانية، وليس نظامها فحسب، يحمل عدداً من الأخطار، فعلى الصعيد الداخلي يعني تفكك الدولة نشوب صراع بين مراكز القوى، وانتشار الجماعات المسلحة، وتراجع السيطرة المركزية على الأطراف، وتزايد التدخلات الخارجية، وبخاصة مع وجود عدد من القوميات في الشعب الإيراني مثل الأكراد والعرب الأحواز والأذريين.
أما على الصعيد الإقليمي، فمن المتوقع أن يكون لانهيار الدولة تبعات تتجاوز حدود إيران بكثير، إذ إن إيران دولة محورية في سوق النفط والغاز، كما أن موقعها على الخليج ومضيق هرمز يجعل أي اضطراب واسع فيها قد يحدث أزمة دولية.
وكما أن وجود الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في لبنان واليمن والعراق يمثل أزمة حالياً، فإن غياب الدولة الإيرانية الداعمة لتلك الجماعات قد يحولها إلى أدوات مستقلة أكثر صعوبة في السيطرة. كذلك، قد تفقد الدولة السيطرة على منشآتها النووية، بما يهدد المنطقة بتسرب المواد الذرية.
ومع وجود نحو 90 مليون إيراني يعانون تضييقاً اقتصادياً منذ عقود، فقد يعني غياب الدولة فرصة لهم وأزمة لدول الإقليم، إذ من الممكن أن تحدث موجة نزوح باتجاه العراق وتركيا وأوروبا.
(إبراهيم مصطفى)