4 أكتوبر 2026
آخر الاخبار
4 أكتوبر 2026
يمن فريدم-الجزيرة نت


لم يكن الطفل الهيال جابر الجميلي يعلم أن توقفه العابر على جنبات طريق في جنوب مأرب سيغيّر مجرى حياته، عشية الذكرى السنوية لثورة 26 سبتمبر/أيلول في اليمن.

كان هيال (14 عاما) يسافر برفقة خاله على "خط العين"، وعندما ترجّل بالقرب من مسار "سائلة حريب"، الذي أعيد فتحه وتأهيله حديثا لتسهيل حركة المسافرين، تعثّر بجسم غريب من مخلفات الحرب، وانفجر في وجهه ملحقا ضررا بالغا في عينيه، فتحولت لحظة عابرة لطفل كان يستعد للعيد الوطني إلى رحلة علاج قاسية.

نُقل هيال أولا إلى صيدلية قريبة، ثم واصل خاله نقله عبر طريق صحراوي وعر استغرق أكثر من ساعتين للوصول إلى مدينة مأرب، شرقي البلاد، قبل أن يخضع لتدخلات جراحية عاجلة.

وأظهر التقرير الطبي الأولي وجود "إصابة انفجارية" في العينين، مع نزيف في الحجرة الأمامية، ومياه بيضاء، ونزيف في الجسم الزجاجي، في حين لم يتجاوز مستوى الرؤية عند التقييم الأولي القدرة على تمييز "حركة اليد"، وخضع الطفل لعدة عمليات جراحية لاحقا.

واليوم، يقضي هيال معظم وقته معصوب العينين وصامتا ومنطويا على نفسه، وفق خاله نواف الجميلي، الذي يتولى رعايته منذ إصابته، بينما ينتظر ذووه وأطباؤه معرفة مدى إمكانية استعادة بصره، وما إذا كانت الإصابة ستترك أثرا دائما في حياته.

جغرافيا الخطر

لا تتوقف مأساة الألغام ومخلفات الحرب عند لحظة الانفجار، فوجودها على الطرق والمسارات والمزارع ومناطق الرعي يعيد تشكيل حركة المدنيين اليومية، ويجعل الوصول إلى القرى والمدن والخدمات رحلة محفوفة بالمخاطر.

وفي مأرب، حيث أغلقت الحرب طرقا رئيسية تربط المحافظة بصنعاء والبيضاء ومناطق أخرى، اضطر السكان إلى استخدام طرق صحراوية وجبلية بديلة أطول وأكثر وعورة، وفق رئيس منظمة حماية للتوجه المدني "إتش أو سي أو" (HOCO) الدكتور علي التام.

ويقول التام للجزيرة نت إن هذا الوضع أدى إلى إطالة زمن الرحلات وزيادة كلفة التنقل، وجعل الوصول إلى المستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية أكثر صعوبة بالنسبة إلى السكان في المناطق البعيدة عن مركز المحافظة.

ولا يقتصر الخطر، بحسب التام، على الألغام الموجودة في أماكنها الأصلية، إذ يمكن للسيول الموسمية أن تنقل الألغام ومخلفات الحرب من الجبال ومناطق الاشتباك إلى مجاري السيول والأراضي الزراعية والطرق الفرعية، الأمر الذي يجعل مناطق الخطر قابلة للتغير ويعقّد عمليات حصرها وتأمينها.

ويشير مشروع "مسام" لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام بدوره إلى أن السيول وتحرك الرمال ومحدودية الوصول إلى بعض المناطق تزيد من صعوبة عمليات التطهير، وأن مخلفات الحرب لا تزال تهدد السكان والنشاط الزراعي وطرق الوصول إلى الخدمات.

452 ضحية خلال عقد

وبحسب توثيق منظمة "حماية للتوجه المدني"، وهي منظمة حقوقية إنسانية غير حكومية، فقد سجّل 452 مدنيا من ضحايا الألغام ومخلفات الحرب في مأرب خلال 10 سنوات، بين قتيل وجريح، بعضهم أصبح مصابا بإعاقة حركية أو سمعية أو بصرية.

ولم يتوقف الخطر خلال العامين الأخيرين، إذ تقول المنظمة إنها وثقت مقتل وإصابة 61 مدنيا من ضحايا الألغام ومخلفات الحرب في مأرب خلال عامي 2025 و2026، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب الرعاة والمزارعين والمسافرين.

ويقول التام إن الأطفال قد يتعرضون للخطر أثناء العبث بالذخائر غير المنفجرة، في حين تواجه النساء هذه المخاطر أثناء جلب المياه أو جمع الحطب، بينما يتعرض الرعاة والمزارعون والمسافرون للخطر بسبب ارتباط حياتهم اليومية بالأراضي المفتوحة والطرق والمساحات غير المأهولة.

لكن الخطر لا ينتهي عند الإصابة. إذ تشير تقديرات منظمة "حماية" إلى أن أكثر من 50% من الضحايا لم يحصلوا على خدمات التأهيل الطبي والنفسي المتكاملة، في حين لم تتوفر فرص التأهيل المهني لنحو 80% منهم، وفق المنظمة.

ويوضح التام أن بعض الناجين يحتاجون إلى خدمات طبية تخصصية غير متوفرة محليا، بينما يواجه آخرون فقدان مصادر الدخل والعزلة النفسية وصعوبة العودة إلى التعليم والعمل.

حياة جديدة مع طرف صناعي

في مركز الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل بمأرب، تبدأ مرحلة أخرى من رحلة الضحية، تمتد من العلاج والتأهيل إلى تركيب الطرف الصناعي والتدريب عليه ثم المتابعة.

ويقول مدير المركز الدكتور عمار الشيخ للجزيرة نت إن المركز استقبل خلال عامي 2025 و2026 أكثر من 112 مصابا بالألغام ومخلفات الحرب، معظمهم من الرجال، بين عسكريين ومدنيين.

ويربط الشيخ عدد الإصابات بحالة الجبهات والمواجهات، إذ انعكس الهدوء النسبي في فترات سابقة على أعداد المصابين، قبل أن تتزايد الحالات مع تجدد المواجهات، في وقت لا يزال فيه الخطر قائما بسبب مخلفات الحرب والألغام في الأودية والممرات الجبلية ومجاري السيول.

وبحسب الشيخ، تأتي الإصابات الحربية في مقدمة أسباب البتر التي يتعامل معها المركز، تليها حوادث السير ثم الأسباب المرضية.

ويقدم المركز، منذ عام 2020، خدمات تجهيز الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل، إذ يقول الشيخ إن خدماته منذ ذلك الحين تجاوزت 129 ألف خدمة لأكثر من 42 ألف مستفيد.

ويصف الشيخ هذه العملية بأنها منظومة متكاملة تبدأ من مرحلة البتر ولا تنتهي عند تسليم الطرف، وإنما تستهدف إعادة دمج المصاب في المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

تطهير مستمر

وفي الجهة الأخرى من المشهد، تعمل فرق مشروع "مسام" على إزالة الألغام ومخلفات الحرب من المناطق التي يستخدمها المدنيون.

وفي عملية أعلن عنها مؤخرا، أتلف المشروع في منطقة ذخار بمحافظة الضالع جنوب اليمن 299 قطعة من مخلفات الحرب، بينها ألغام مضادة للأفراد وعبوات ناسفة وقذائف وذخائر وصواعق وقنابل يدوية.

وقال المشروع إن هذه المخلفات جُمعت خلال الأشهر الماضية من مناطق عدة بالمحافظة، وإن حوادث وقعت بسبب العبث بها، خصوصا بين الأطفال والنساء ورعاة الأغنام.

وفي محافظة حجة، تمكن فريق تابع للمشروع خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول الماضيين من تطهير 30 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية شمال قرية المخازن بمديرية ميدي، وانتزع 120 لغما مضادا للدبابات و13 لغما مضادا للأفراد، إضافة إلى 130 ذخيرة غير منفجرة و20 عبوة ناسفة.

ولا تقتصر عمليات التطهير على الإزالة، إذ ينفذ المشروع حملات توعية للمزارعين والرعاة بشأن المناطق المشتبه بتلوثها، إلى حين الانتهاء من أعمال المسح والتطهير.

وعلى مستوى اليمن، يقول مشروع "مسام" إن فرقه أزالت منذ انطلاق عملياته عام 2018 مئات الآلاف من الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، وطهرت عشرات الملايين من الأمتار المربعة من الأراضي.

الخطر لا ينتهي

يرى الدكتور علي التام أن التعامل مع الملف يحتاج إلى ما هو أبعد من عمليات النزع والتطهير، بدءا من التوعية المستدامة في المدارس ومخيمات النازحين والمجتمعات المحلية، مرورا بتوثيق المناطق الملوثة ووضع العلامات التحذيرية، وصولا إلى توفير العلاج والتأهيل والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي للضحايا.

ويطالب التام أيضا بوجود آلية لتعويض الضحايا وجبر ضرر أسرهم، معتبرا أن غياب مثل هذه الآلية يترك كثيرا من المصابين وأسرهم لمواجهة آثار الإصابة بموارد محدودة.

وفي مأرب، لا تبدو قصة الطفل هيال منفصلة عن هذا المسار الطويل، فقد بدأ بإصابته بانفجار جسم مجهول على جانب طريق، لكنه فتح أمامه رحلة علاج وتأهيل لا يُعرف بعد إلى أين ستنتهي.

(عبد الله قطران)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI