12 مايو 2026
12 مايو 2026
يمن فريدم-رحمة شنظور


لم تعد تداعيات الصراع في اليمن محصورة في الميدان العسكري أو في المأساة الإنسانية، بل تجاوزت ذلك لتعيد تشكيل الواقع الاجتماعي للأسرة اليمنية، حيث تحوّل الفقر والبطالة وتدهور الأوضاع المعيشية إلى عوامل تهدد استقرار الحياة الزوجية بصورة غير مسبوقة.

تشير مؤشرات ميدانية وقضائية إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الطلاق التي تتعرض لها النساء في اليمن، وسط صراع مستمر منذ عام 2015 وما خلفه من انهيار اقتصادي وتفكك اجتماعي. هذا الارتفاع، وفق متابعين، ليس مجرد رقم في سجلات المحاكم، بل انعكاس لتعقيدات متشابكة أعادت تشكيل مفهوم الأسرة ذاتها.

فالطلاق لم يعد ظاهرة اجتماعية بالمعنى التقليدي، بل تحوّل إلى انعكاس مباشر للتحولات الاقتصادية والقانونية القسرية التي فرضها الصراع. في هذا السياق، بات الطلاق بالنسبة لكثيرات "ملاذاً أخيراً" للهروب من فقر مدقع، أو قيود مشددة على الحركة والعمل، أو عنف منزلي تصاعد في غياب أي رادع فعلي.

وتتجلى ملامح هذه الأزمة في قصص أسر أنهكتها تكاليف الحياة، وأخرى انتهت علاقاتها الزوجية بعد أشهر قليلة بسبب غياب العمل والدخل المستقر، بينما وجدت عائلات كثيرة نفسها عاجزة عن التوفيق بين توفير الاحتياجات الأساسية ودفع تكاليف السكن والعلاج.

"الغلاء أفشل زواجي"

لم تخطر ببال سحر خالد، ابنة السادسة والعشرين ربيعاً، أن مشروع زواجها سينتهي بالطلاق، بسبب تدهور الوضع المعيشي وعدم قدرته على تحمل أعباء الحياة والنفقات اليومية.

في منزل متواضع، تروي سحر خالد تفاصيل السنوات الثلاث التي عاشتها مع زوجها، والتي بدأت باستقرار نسبي قبل أن تتحول إلى سلسلة طويلة من المعاناة اليومية.

وتقول "تقدم شاب للزواج بي، فوافقت، وعشت معه ثلاث سنوات وأنجبت طفلاً بعد عام من الزواج. في البداية كان وضعنا المادي لا بأس به، لكن حياتنا تغيّرت تماماً بعد تدهور الظروف الاقتصادية".

ومع اتساع دائرة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، بدأ زوجها رحلة بحث يومية عن فرصة عمل، متنقلاً بين حراج العمال والمحال التجارية والمطاعم، دون أن ينجح في الحصول على مصدر دخل ثابت.

وتضيف "كل يوم كانت معاناتنا تزداد. لم نعد قادرين على توفير احتياجات أطفالنا الأساسية، من الحليب والحفاظات وحتى الدواء. تراكم إيجار المنزل، وأصبح شراء أسطوانة الغاز عبئاً يفوق قدرتنا، حتى وصلنا إلى مرحلة لم نعد نحتملها".

وبنبرة يغلب عليها الأسى، تؤكد سحر خالد أن الطلاق لم يكن خياراً رغبت به، بل "نتيجة طبيعية للضغوط القاسية التي حاصرت الأسرة من كل اتجاه".

خمسة أشهر وانتهى كل شيء

لم تحتاج أسماء محمد (21 عاماً) سوى خمسة أشهر لتدرك أن الحياة التي حلمت بها بعد الزواج لن تكون كما تصورت. وجدت نفسها سريعاً وسط أزمات يومية وخلافات متكررة، انتهت بطلب الخلع بعد أن فقدت الأمل في استمرار العلاقة.

وتقول "كانت فترة زواجي صعبة جداً، لأن زوجي لم يكن يدرك معنى المسؤولية الزوجية، ولم يكن قادراً على توفير مصاريف البيت أو متطلبات الحياة الأساسية".

وتوضح أن زوجها لم يكن يمتلك عملاً ثابتاً أو مصدر دخل مستقر، الأمر الذي انعكس على حياتهما منذ الأشهر الأولى للزواج "في البداية حاولت الصبر والتأقلم، وكنت أعتقد أن الأمور ستتحسن مع الوقت، لكن المشاكل كانت تتزايد يوماً بعد آخر".

ومع تصاعد الضغوط المعيشية والخلافات المستمرة، تقول إنها وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أن استمرار الزواج أصبح عبئاً نفسياً يفوق قدرتها على الاحتمال، لتقرر في النهاية اللجوء إلى الخلع وإنهاء العلاقة.

أرقام قضائية مقلقة

تكشف الأرقام القضائية حجم التحولات التي طرأت على واقع الأسرة اليمنية خلال سنوات الحرب، فقد أفادت مصادر قضائية في تعز بأن قضايا الطلاق والخلع المرفوعة من النساء تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل النزاع، نتيجة تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

وأكدت أن "أكثر أسباب الطلاق شيوعاً تتمثل في عجز الزوج عن توفير النفقة ومتطلبات الأسرة، يليه العنف الأسري الذي تصاعد بفعل الضغوط المعيشية والنفسية".

وبحسب المصادر نفسها، سجلت محكمة شرق تعز خلال شهر واحد فقط من العام الجاري نحو 200 حالة طلاق، وهو مؤشر يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر اليمنية، وانعكاس الأزمة الاقتصادية المباشر على استقرار الحياة الزوجية.

وفي هذا الإطار، تقول المحامية اليمنية أمل الصبري إن "نسبة الطلاق في اليمن شهدت ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل الحرب والنزاعات المستمرة"، مشيرة إلى أن هذا الارتفاع أصبح ملحوظاً في مختلف المدن، وبشكل أكبر في تعز.

وتوضح أن حالات الطلاق لم تقتصر على الانفصال خارج المحاكم فقط، بل شملت أيضاً تزايداً في طلبات فسخ عقد الزواج أمام محاكم الأسرة والأحوال الشخصية، حيث تشهد المحاكم إقبالاً متزايداً من النساء الراغبات في إنهاء علاقاتهن الزوجية.

وتضيف أن الأسباب متعددة ومتشابكة، منها ما هو قديم ومنها ما تفاقم مع الحرب، في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، إلى جانب الزواج المبكر الذي لا يزال يمثل أحد العوامل المؤثرة في عدم استقرار الحياة الزوجية.

كما تشير إلى أن الصراع لعب دوراً رئيسياً في تفاقم هذه الظاهرة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً من خلال تأثيراتها النفسية والاجتماعية على الأفراد، مما أدى إلى زيادة التوتر داخل الأسر وارتفاع معدلات الخلافات الزوجية، وبالتالي تصاعد حالات الطلاق وفسخ عقود الزواج أمام القضاء.

تشابك الأسباب وتوسع الأزمة

وترى المحامية معين العبيدي أن ارتفاع معدلات الطلاق خلال سنوات الصراع في اليمن يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها تداعيات الصراع التي أثرت بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأسر.

انقطاع الرواتب لفترات طويلة، وتزايد حالات الفقر والعوز في عدد كبير من الأسر، شكّل عامل ضغط كبير على الحياة الزوجية، خصوصاً في الأسر التي لديها أطفال أو بنات صغيرات، ما ساهم في زيادة التوترات والخلافات داخل البيت.

وتضيف "النزوح لعب دوراً مهماً في هذا الارتفاع، حيث شهدت مخيمات النازحين معدلات زواج مرتفعة في ظل ظروف صعبة واستثنائية، إلا أن هذه الزيجات غالباً ما تكون أقل استقراراً وأكثر عرضة للانهيار لاحقاً. تدهور الوضع الاقتصادي بشكل عام، خاصة لدى الأسر ذات الدخل المحدود أو المعدوم، انعكس على استقرار العلاقات الزوجية ورفع من احتمالية الانفصال".

وتوضح أن العمل القانوني داخل المحاكم يكشف وجود نوعين من قضايا الطلاق وفسخ عقد الزواج، مشيرة إلى أن كثيراً من القضايا المتداولة تكون في إطار "فسخ عقد الزواج" الذي تختلف أسبابه وإجراءاته عن الطلاق، رغم أن النتيجة النهائية في الحالتين واحدة وهي إنهاء العلاقة الزوجية، لكن لكل منهما مساره القانوني الخاص وأسبابه المختلفة.

أزمة تمتد في صمت

بين قصص سحر وأسماء، وأرقام المحاكم، تتكشف ملامح أزمة اجتماعية أعمق، تعكس كيف أعاد الصراع تشكيل بنية الأسرة اليمنية، لتصبح الضغوط الاقتصادية اليومية أحد أهم العوامل المؤثرة في استقرار الزواج.

فالصراع المستمر منذ سنوات دفع ملايين اليمنيين إلى دائرة البطالة، في وقت تزايدت فيه متطلبات الحياة بشكل غير مسبوق، نتيجة الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدهور سعر صرف العملة المحلية أمام الأجنبية، إلى جانب انقطاع الرواتب عن شريحة واسعة من الموظفين.

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية، تبقى الأسرة اليمنية أمام تحديات متزايدة، في ظل واقع معيشي يضغط على تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد رسم ملامح العلاقات الاجتماعية في المجتمع.

(وكالة أنباء المرأة)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI