25 مايو 2026
25 مايو 2026
يمن فريدم-سمير حسن


على أطراف العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، لا تبدو مساكن النازحين خياماً بالمعنى المألوف، بل عششاً متعبة جُمعت من سعف النخيل وبقايا الأقمشة والبلاستيك، وشُدّت إلى أعمدة خشبية بحبال متآكلة.

وتحت شمس مفتوحة وغبار لا يهدأ، تمتد تلك المساكن فوق أرض ترابية قاسية، بينما يعبر أطفال حفاة ممراتها الضيقة، في مشهد يختصر سنوات طويلة من النزوح والانتظار.

داخل إحدى تلك العشش، يجلس حمدي يوسف، 55 عاماً، محاطاً بما تبقى من حياة أسرته: فرش بالية، أوانٍ قليلة، أكياس معلقة، وسقف من السعف لا يقي من حر عدن ولا من أمطارها.

يشير حمدي إلى المكان من حوله، ثم يقول للجزيرة نت: "النزوح أخذ منا البيت والعمل والصحة، وتركنا في حر وجوع ومرض. أحياناً لا نجد ما نطعم به أطفالنا".

نزح حمدي من مديرية الجراحي بمحافظة الحديدة عام 2016، بعدما تضرر منزله بقذيفة مباشرة خلال مواجهات بين جماعة الحوثي وقوات الحكومة اليمنية. وصل إلى عدن مع زوجته و7 أبناء، وهو يظن أن النزوح محطة مؤقتة، لكنه وجد نفسه بعد نحو 10 سنوات في مأوى لا يشبه البيت الذي غادره، ولا يمنح أسرته شعور الأمان.

كان يحاول إعالة أسرته بجمع العلب البلاستيكية من الشوارع ومقالب النفايات وبيعها، قبل أن تتوقف تلك المحاولة قبل عامين، بعدما اعترضه مسلحون في عدن وأطلقوا عليه النار، فأُصيب في ساقه، وصودرت دراجته النارية التي كانت مصدر رزقه الوحيد.

يقول حمدي: "كنا نعيش بصعوبة، وبعد إصابتي زادت المعاناة. البيت خالٍ من الطعام، وأحياناً لا نجد إلا وجبة واحدة في اليوم، خبزاً يابساً أو رغيفاً ناشفاً".

ليست حكاية حمدي سوى مدخل إلى سؤال أوسع: كيف تحولت مخيمات النزوح في اليمن من أماكن إيواء مؤقتة إلى حياة طويلة، لا يملك أصحابها شروط العودة ولا مقومات الحياة والاستقرار؟

أين يعيش النازحون؟

لا تبدأ أزمة المخيمات من الخيام وحدها، بل من حجم النزوح نفسه. ففي بلد يضم نحو 4.5 ملايين نازح داخلياً، يقيم ما يقارب 3 ملايين منهم في المحافظات الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، حيث تتحمل هذه المناطق العبء الأكبر من استضافة النازحين وتوفير الخدمات لهم.

ويشير تقرير الاحتياجات الإنسانية للنازحين في اليمن 2025/2026، الصادر عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين -حصلت الجزيرة نت على نسخة منه-، إلى أن الأسر النازحة في تلك المحافظات تتوزع بين 657 مخيماً و1071 تجمعاً سكانياً في 13 محافظة.

وبينما يعيش أكثر من نصف مليون نازح داخل المخيمات، يقيم أكثر من 2.5 مليون آخرين في المنازل والتجمعات السكنية. وتكشف خريطة النزوح أن محافظة مأرب تستضيف الكتلة الأكبر من النازحين، تليها تعز ثم عدن والحديدة وحضرموت، ما يضع هذه المحافظات في واجهة الضغط الإنساني والخدمي.

تكشف هذه الأرقام حجم الأزمة واتساعها، لكنها لا تقول كل شيء. ففي مخيمات عدن التي زارتها الجزيرة نت، تأخذ الأرقام وجهاً إنسانياً أكثر قسوة: مأوى هش، وجوع متكرر، وأمراض بلا علاج، وأطفال خارج المدرسة، وعودة مؤجلة لا يعرف أصحابها متى تتحقق.

لماذا طال النزوح؟

يعزو رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، نجيب السعدي، استمرار أزمة النزوح منذ 11 عاماً إلى "أسباب متداخلة"، في مقدمتها انهيار مؤسسات الدولة عقب اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء، وما تبع ذلك من إضعاف قدرة المؤسسات الحكومية على التخطيط والرقابة وتوجيه التدخلات.

ويقول السعدي للجزيرة نت إن آليات عمل كثير من المنظمات الدولية صُممت أساساً لحالات الطوارئ، ولذلك "تدير الأزمة ولا تعالجها"، موضحاً أن معظم التدخلات ظلت طارئة ومنقذة للحياة، ولم تتحول إلى تدخلات مستدامة أو مبنية على خطة وأولويات يحددها الجانب الحكومي.

ومع إقراره بالدور المهم الذي أدته المنظمات في إنقاذ حياة كثير من النازحين، يرى السعدي أن توقف بعض التدخلات كشف إشكالية غياب "استراتيجية الخروج"، أي الخطة التي تضمن استمرار الخدمات بعد انسحاب المنظمات، عبر تأهيل المؤسسات الحكومية وإيجاد مشاريع مستدامة.

وماذا عن المأوى؟

في مأوى من سعف النخيل والأغطية القديمة، يقف أحمد عبد الله منور، 34 عاماً، مشيراً إلى فتحات في السقف. نزح أحمد إلى عدن قبل 9 سنوات مع أسرته المكونة من 6 أفراد، لكنه لا يزال يعيش في عشة لا توفر حماية كافية من حر الصيف ولا أمطار الشتاء.

كان أحد أطفاله نائماً يتصبب عرقاً من شدة الحر، بينما يشرح الأب كيف تتحول الفتحات في السقف إلى منافذ لأشعة الشمس والغبار حين تشتد الرياح، وإلى ممرات للمياه حين تهطل الأمطار.

يقول أحمد للجزيرة نت: "في الصيف لا نستطيع النوم من الحر، وفي موسم الرياح يدخل التراب من كل مكان، وإذا نزل المطر تغمرنا المياه. نسميه مأوى، لكنه لا يسترنا من حر ولا غبار ولا مطر".

لا توجد في مأوى أحمد غرف منفصلة ولا أبواب حقيقية ولا سقف محكم. مساحة ضيقة تجمع النوم والتخزين وأدوات المعيشة، وتحاول الأسرة أن تسميها بيتاً، رغم أنها لا تمنحها سوى حد أدنى من الستر، لا الأمان.

ويقول نازحون إن المساكن المبنية من السعف والأقمشة البالية لا تتركهم في مواجهة الحر والمطر فقط، بل تعرضهم أيضاً لمخاطر الثعابين والعقارب والزواحف السامة، فضلاً عن البعوض والحشرات الناتجة عن ضعف النظافة وغياب الصرف الصحي وتجمع المخلفات.

وما هي أوضاع الأطفال؟

في مأوى فتيني علي خلوف، 40 عاماً، يجلس أطفال قرب أعمدة خشبية مشدودة بحبال خضراء، بينما تتدلى بقايا السعف من السقف والجدران. نزح فتيني من الحديدة إلى عدن قبل 7 سنوات، ويعول أسرة من 8 أفراد.

يقول للجزيرة نت إن أطفاله، مثل كثير من أطفال النازحين، لا يذهبون إلى المدرسة؛ ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن الأسرة لا تستطيع إطعامهم، فضلاً عن تحمل تكاليف الدراسة.

ويضيف: "كيف أرسل الطفل إلى المدرسة وهو جائع؟ بعض الأطفال هنا يعملون في جمع البلاستيك والعلب وبيعها، ليساعدوا أسرهم في توفير لقمة العيش".

في المخيم، لا تبدو الطفولة منفصلة عن هموم الكبار؛ فالأطفال دون 18 عاماً يمثلون نحو 45% من إجمالي النازحين في اليمن، وفق تقرير الوحدة التنفيذية، ما يجعل التعليم والصحة والمأوى والحماية تحديات يومية لا تقل قسوة عن النزوح نفسه.

حين يصبح المرض نزوحاً آخر

في عشة أخرى داخل المخيم، يرقد وهيب علي حسن مشعشع، من مواليد عام 1965، على سرير خشبي بسيط. نزح قبل نحو 8 سنوات، ثم تدهورت حالته الصحية بفعل ارتفاع الضغط والسكري، قبل أن يصاب بشلل دائم أفقده القدرة على الحركة وأثر في نطقه. ومنذ 3 سنوات، صار طريح الفراش.

يتحدث نجله بدلاً عنه، ويقول إن المرض في المخيم لا يعني وجع الجسد فقط، بل العجز عن الوصول إلى الدواء، وتوفير أجرة المواصلات، ومتابعة العلاج في مدينة ارتفعت فيها تكاليف كل شيء.

ويضيف: "هو يحتاج علاجاً ومتابعة، لكننا لا نملك شيئاً. أحياناً نعجز حتى عن توفير الطعام، فكيف نوفر الدواء؟"

ولا تبدو حالة وهيب استثناءً. ففاطمة قائد رعيدي، من مواليد عام 1969، تعيش مع أسرتها المكونة من 6 أفراد، وتشكو هي الأخرى المرض وعجزها عن توفير العلاج. وتقول إن النازحين لا يواجهون الجوع وحده، بل أمراضاً مزمنة تكبر مع الفقر وغياب الدخل.

وفي الظروف ذاتها، تعيش ذكرى سعيد الحريكي، 35 عاماً، مع أسرتها المكونة من 7 أفراد، بلا مصدر دخل ثابت، بينما يعاني زوجها من أمراض مزمنة، وتعاني هي من الضغط والسكري. تقول للجزيرة نت: "نحتاج إلى علاج دائم، لكننا لا نملك حتى ما يكفي للغذاء".

أما مختار وهيب، وهو شاب ثلاثيني نازح من الحديدة إلى عدن، فيحمل حكاية أكثر قسوة. يعول 6 أفراد، بينهم والدته وزوجته و4 بنات. يقول إن 3 من بناته أصبن بحمى شديدة، لكنه لم يتمكن من إسعافهن أو توفير العلاج لهن بسبب الفقر، فانتهت الحمى بإصابتهن بشلل دائم.

داخل مأواه المصنوع من السعف، تجلس بناته قربه بصمت، عاجزات عن الحركة. يقول مختار: "لم أستطع إنقاذهن. لم أكن أملك ثمن العلاج ولا المواصلات. رأيتهن يتألمن أمامي، ولم أستطع فعل شيء".

تختصر قصته جانباً من هشاشة الحياة في المخيم؛ فحين يمرض طفل، لا يبدأ السؤال من نوع الدواء، بل من ثمن المواصلات، وقدرة الأسرة على الوصول إلى المستشفى، ووجود من يتدخل قبل أن تتدهور الحالة.

الماء والغذاء.. يوماً بيوم

في مخيمات عدن التي زارتها الجزيرة نت، تبدو أزمة الماء حاضرة في كل تفصيل: خزانات بيضاء قرب بعض المساكن، جالونات بلاستيكية، وأحاديث متكررة عن انتظار "البوزة" التي يوفرها فاعل خير بين حين وآخر.

يقول حمدي يوسف إن الماء لا يتوفر بانتظام، وإن الأسر تعتمد على صهريج يأتي بمبادرة من فاعل خير. ويضيف: "حتى الماء لا يوجد. ننتظر من يوفره لنا، وإذا تأخر نتعب أكثر".

وبين غياب الدخل وندرة الماء وضعف المأوى، تصبح الحياة داخل المخيم إدارة يومية للنقص. وما يصل من مساعدات، كما يقول نازحون، يأتي أحياناً بصورة موسمية ولا يكفي لسد رمق العيش.

وتكشف نتائج مسح الوحدة التنفيذية أن 328,219 أسرة نازحة لا يتوفر لها الغذاء، بنسبة 76% من الأسر النازحة، فيما تعتمد 22.164 أسرة على الأجر اليومي مصدراً رئيسياً للعيش. كما يذكر التقرير أن 583 مخيماً، بنسبة 87% من إجمالي المخيمات، تعاني فيها الأسر من ضعف التنوع الغذائي.

هذه الأرقام تجعل الغذاء أكثر من احتياج يومي؛ إنه مؤشر على هشاشة أوسع، حيث ترتبط القدرة على الأكل بفرصة عمل عابرة، أو بمساعدة قد تصل وقد تتأخر.

الحماية والأمان

لا يقتصر أثر النزوح، وفق السعدي، على فقدان المساكن ومصادر العيش، بل يمتد إلى فقدان الأمان والحماية، وضعف الوصول إلى الخدمات، وحرمان الأطفال من التعليم، إضافة إلى فقدان بعض النازحين وثائقهم الثبوتية أو وثائق الملكية.

ويقول إن آثار النزوح قد تمتد "لسنوات، بل ربما لعقود" بعد انتهاء النزوح نفسه، ما يستدعي إيجاد منظومة قانونية تتعامل مع النازحين وحقوقهم، وتضمن قدرتهم على استعادة ما فقدوه، وتوفر لهم الحماية وفرص العمل وحقوقهم الأساسية.

ولا تقتصر هشاشة النازحين على نقص الخدمات. ففي عدن، تبرز زاوية أخرى تتصل بالحماية والكرامة، إذ يشير تقرير حقوقي لمنظمة "سام للحقوق والحريات"، بعنوان "صرخات مكبلة" وصادر في أغسطس/آب 2025، إلى أن بعض النازحين واجهوا خطاباً تحريضياً يصورهم كتهديد ديموغرافي وأمني، لا كضحايا حرب.

كما يوثق التقرير، وفق روايته، شكاوى عن انتهاكات وقيود رافقت بعض عمليات الحصر والمسح داخل مخيمات في عدن، بينها تهديدات واعتداءات لفظية وجسدية ومنع موظفين من أداء عملهم.

وتفتح هذه المعطيات سؤالاً إضافياً في ملف النزوح: كيف يمكن حماية النازحين من الجوع والمرض وهشاشة المأوى، وكذلك من خطاب التحريض وما يتركه من خوف؟

لماذا لا يعودون؟

رغم قسوة الحياة في المخيم، لا تبدو العودة ممكنة لكثير من الأسر. حمدي لا يعرف ماذا بقي من منزله في الجراحي بعد إصابته بالقذيفة. وأحمد لا يملك تكاليف العودة أو بناء حياة جديدة. ومختار يحمل مأساة بناته التي جعلت الانتقال نفسه عبئاً صعباً. أما المرضى وكبار السن، فتبدو العودة بالنسبة إليهم حلماً يتراجع أمام سؤال الدواء والطعام.

يقول أحد النازحين: "نريد العودة، لكن إلى أين؟ البيوت تضررت، والمخاوف من عودة المواجهات ما تزال قائمة، والعمل غير موجود، ولا نملك ما نبدأ به من جديد".

هكذا يتحول النزوح من رحلة مؤقتة إلى إقامة طويلة، لا لأن النازحين يريدون البقاء في العشش، بل لأن شروط العودة الآمنة والكريمة لا تزال غائبة: بيت صالح، مصدر رزق، خدمات، وأمان.

ويرى السعدي أن معالجة النزوح يجب أن تقودها الحكومة، ضمن عملية تكاملية تجمع مؤسسات الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية، وتربط العمل الإنساني بالتنموي وبصناعة السلام.

ويقول إن الوحدة التنفيذية طورت رؤية حكومية شاركت في إعدادها 17 جهة، وتنظر إلى النزوح بأبعاده الواسعة، لا بوصفه أزمة مأوى فقط، بل باعتباره مرتبطاً بالدمار العام، وضعف مؤسسات الدولة، وغياب الخدمات، والآثار الاجتماعية التي يتركها النزوح.

ويشدد على أن الحل لا يكون إلا عبر مشاريع وتنمية مستدامة، تحول النازح من شخص ينتظر المساعدة إلى شريك في الإنتاج والاستقرار وصنع السلام، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن تحديات كبيرة لا تزال قائمة، بينها ضعف مؤسسات الدولة، وغياب التمويل الكافي، وعدم حصول الملف الإنساني على أولوية توازي الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

حياة معلّقة

مع اشتداد حرارة الظهيرة، يختبئ بعض الأطفال في ظل "العشش"، بينما يبقى آخرون في الممرات الترابية بين مساكن متناثرة على أرض مكشوفة، بُنيت من سعف وقماش وبلاستيك وحبال، كما لو أن كل أسرة حاولت أن تصنع مأواها بما وقع في يدها.

ويشير أحمد إلى سقف مثقوب تفتحه الشمس نهاراً والمطر شتاءً. وفي مأوى آخر من القش، يرقد وهيب على سريره الخشبي، مثقلاً بمرض لا يجد طريقه إلى العلاج.

وعلى باب مأوى ثالث، يقف مختار قرب أطفاله الذين ترك الفقر والمرض آثارهما على أجساد بعضهم. أما حمدي، فتختصر حكايته رغيفاً يابساً، ودراجة صودرت، وساقاً لم تعد تقوى على العمل.

في مخيمات النزوح، لا يُقاس الانتظار بالأيام ولا بالأشهر، بل بأعوام تكبر فيها وجوه الأطفال، وتتهالك معها "العشش"، وتضيق قدرة الأسر على الاحتمال.

وبين بيت بعيد لا تملك العودة إليه، ومأوى لا يقي من الحر ولا المطر، تبقى حياة آلاف النازحين معلّقة على حبال انتظار لا يعرفون متى تنقطع، أو متى تقودهم أخيراً إلى بيت آمن.

(الجزيرة نت)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI