كشف تقرير حكومي أعدته لجنة أكاديمية شكلها رئيس الوزراء لمراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث عن اختلالات واسعة في إدارة المنح الدراسية الحكومية، مؤكدًا أن ملف الابتعاث شهد منذ عام 2016 مخالفات قانونية وإدارية أسهمت في إهدار المال العام وتقويض مبدأ تكافؤ الفرص.
وشُكلت اللجنة بقرار من رئيس الوزراء نهاية عام 2022، وكُلفت بمراجعة قوائم المبتعثين ووضع معايير لتصحيحها، إلى جانب تقييم آليات الابتعاث واقتراح إصلاحات تضمن الشفافية والعدالة.
غياب الضوابط
ورصد التقرير أن وزارة التعليم العالي أدارت ملف الابتعاث في ظل غياب قاعدة بيانات إلكترونية، ونقص في الكادر الإداري، واستمرار التدخلات الحكومية، وانتشار المحسوبية، وتعيين قيادات غير متخصصة، وهو ما أدى إلى غياب المعايير القانونية المنظمة للابتعاث، وتحول بعض برامج المنح، خصوصًا المساعدات المالية، إلى "باب للهدر والفساد".
كما كشف التقرير أن اللجنة واجهت صعوبات في الحصول على الوثائق الرسمية، إذ امتنعت جهات داخل الوزارة عن تسليم بعض الملفات ومحاضر الاجتماعات وملفات التوجيهات، قبل أن تستجيب الوزارة لجزء من الطلبات، بينما بقيت وثائق أخرى غير متاحة للجنة.
تعطيل القانون
وأشار التقرير إلى أن قانون الابتعاث رقم (19) لسنة 2003 ينص على وجود لجنة عليا ولجان تنفيذية تتولى اعتماد المنح والإيفاد، إلا أن هذه اللجان لم تُفعّل منذ انتقال الوزارة إلى عدن، فيما تمت عمليات الابتعاث خارج الإطار القانوني، الأمر الذي أضعف الرقابة ووسع دائرة الوساطات والمصالح الشخصية.
منح بالتوجيهات لا بالمفاضلة
ومن أبرز ما خلص إليه التقرير أن منح المساعدات المالية لم تكن تعتمد على إعلان رسمي أو مفاضلة أو خطة سنوية أو معايير معلنة، وإنما جرى منحها عبر التوجيهات والوساطات والمتابعات الشخصية.
وأوضح أن التوجيهات صدرت من جهات متعددة، بينها رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، وبعض الوزراء والمحافظين وأعضاء مجلس النواب، إلى جانب مسؤولين داخل وزارة التعليم العالي، معتبرًا أن هذا النمط فتح الباب أمام المجاملات والقرابة والانتماءات السياسية والمناطقية، بل وعمليات بيع وشراء للمنح عبر سماسرة.
تزوير وتلاعب
ورصد التقرير حالات تزوير في التوجيهات، بينها توجيه منسوب إلى نائب رئيس الجمهورية السابق قُبل داخل الوزارة رغم ثبوت تزويره، إضافة إلى قضية منظورة أمام محكمة الأموال العامة تتعلق بتزوير أكثر من 80 توقيعًا منسوبًا لوكيل قطاع البعثات.
كما كشف عن ابتعاث طلاب بمعدلات منخفضة إلى تخصصات حساسة كالطب البشري وطب الأسنان وهندسة البترول، في حين حُرم متقدمون من أصحاب المعدلات المرتفعة من فرص الابتعاث، فضلًا عن إصدار قرارات ابتعاث لطلاب قبل استكمال وثائقهم الرسمية، واكتشاف حالات تزوير في شهادات الثانوية.
تخصصات لا تحتاجها الدولة
وانتقد التقرير ابتعاث مئات الطلاب في تخصصات متوفرة أصلًا داخل الجامعات اليمنية، مثل اللغة العربية والتربية والإدارة والتاريخ والدراسات الإسلامية، معتبرًا أن ذلك يخالف فلسفة الابتعاث التي تستهدف التخصصات النادرة، ويحمّل الدولة أعباء مالية دون عائد تنموي حقيقي.
آلاف الإضافات
وسلط التقرير الضوء على ظاهرة "الإضافات" إلى كشوفات المبتعثين، مشيرًا إلى تسجيل أكثر من 1500 إضافة خلال عام 2018 وحده، معظمها تم عبر توجيهات شخصية ووساطات وعلاقات خاصة ومحسوبية، فيما استمرت الإضافات لاحقًا دون استيفاء الوثائق القانونية في كثير من الحالات.
منح للعائلات النافذة
كما رصد التقرير حصول مئات الأسر على أكثر من منحة دراسية لأفراد العائلة الواحدة، إذ وصل عدد المبتعثين في بعض الأسر إلى أكثر من عشرة أشخاص، مشيرًا إلى أن عددًا من هذه الحالات يعود لأبناء مسؤولين وشخصيات نافذة، مع وجود محاولات لإخفاء صلات القرابة عبر تعديل الأسماء في بعض الكشوفات. واعتبرت اللجنة أن هذه الممارسات أخلّت بمبدأ تكافؤ الفرص وأثارت تساؤلات جدية حول عدالة توزيع المنح.
توصيات بالإصلاح
ويخلص التقرير إلى أن إصلاح ملف الابتعاث يتطلب إعادة تفعيل اللجان القانونية المنصوص عليها في قانون الابتعاث، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية، وإخضاع جميع المنح للمفاضلة العلنية والرقابة المؤسسية، بما يضمن العدالة والشفافية ويحافظ على المال العام ويعيد الثقة في برامج الابتعاث الحكومية.
للإطلاع على التقرير في الرابط أدناه:
https://drive.google.com/file/d/1pgs_MvWTy07wusI0gNlhxm0r4GjHvlS9/view?usp=sharing