تعيش مكاتب التربية والتعليم وإدارات الجامعات حالة استنفار وقلق منذ تجدد التوترات في اليمن، وسط مؤشرات أولية حول تعثر انطلاق العام الدراسي في المؤسسات الواقعة بالقرب من مناطق المواجهات.
مع إشراقة شمس الصباح وتسللها عبر أزقة مدينة تعز جنوب غربي اليمن، ارتدى عبد الله زيه العسكري متوجهاً إلى موقعه على خطوط التماس، كما حرص على اصطحاب ابنته سارة كي يرشدها إلى طريق مدرستها الجديدة الواقعة في منطقة بيرباشا.
يدرك الأب بخبرته أن الأوضاع السياسية والميدانية تقود حتماً نحو تصعيد عسكري، ولا سيما مع التهديدات والتحركات الأخيرة التي بدأها الحوثيون في مطلع أغسطس/ آب الجاري، لكنه يتمسك بالأمل، فهو حريص على تأمين مقعد دراسي لابنته رغم تصاعد التحذيرات من أن يسفر التصعيد المحتمل عن تعطيل السنة الدراسية المقرر انطلاقها رسمياً في الثلاثين من الشهر الحالي.
وتتضاعف المخاوف في المدارس الواقعة على امتداد خطوط التماس المشتعلة، بدءاً من صالة، مروراً بزيد الموشكي والروضة وعصيفرة والدفاع الجوي والمطار القديم، وصولاً إلى الأطراف الغربية في منطقة الضباب، حيث يتحول حق التعلم إلى مغامرة محفوفة بالخطر.
يقول عبد الله لـ"العربي الجديد" إن "المعارك لم تعد تدور في مناطق معزولة، بل في أحياء ومناطق آهلة بالسكان، والمدارس هي أولى ضحايا هذا التصعيد العسكري. ندرك أن الحوثيين لا يتورعون عن استهداف الأعيان المدنية، فلا اعتبار أخلاقي أو إنساني يمنعهم من تحويل المدارس إلى أهداف لنيرانهم. المؤشرات الميدانية لا تبشر بخير، فالمعطيات العسكرية تشير إلى أن معارك شرسة قد تندلع في أي لحظة، وهذا يعني أن مدارسنا ستصبح غير آمنة، وأن العام الدراسي مهدد بالتوقف قبل أن يبدأ، وسلامة أطفالنا في ظل هذا الواقع أولى من أن نغامر بحياتهم".
وتتأهب المنظومة التعليمية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً لانطلاق العام الدراسي الجديد وفقاً للتقويم المدرسي الصادر عن وزارة التربية والتعليم، والذي حدد المواعيد الرئيسية للعملية التعليمية في كل المدارس الحكومية والأهلية والخاصة؛ حيث يبدأ انتظام دوام الإدارات المدرسية يوم الأحد 20 أغسطس، تليها عملية القيد والتسجيل والانتقال للطلاب يوم الاثنين 21 أغسطس، في حين تحدد موعد انطلاق الدراسة الفعلية في الثلاثين من أغسطس، وسط آمال عريضة بأن يتجاوز قطاع التعليم العقبات والعراقيل الماثلة أمام آلاف الطلاب.
تقول عائشة علي، وهي وكيلة مدرسة قريبة من خطوط التماس في الجبهة الشمالية بتعز، لـ"العربي الجديد": "نلاحظ في كل عام، وقبل بدء الدراسة بنحو الشهر، أن أولياء الأمور يستفسرون عن رسوم التسجيل، ويهتمون بالتجهيز للعام الدراسي، لكن الأوضاع تبدو مختلفة في هذا العام، خاصة مع التصعيد العسكري في مختلف الجبهات، فالمواطنون يتوقعون عرقلة بدء العام الدراسي".
وفي خطوة تعكس تبايناً واسعاً في التوقيت والظروف، انطلق العام الدراسي الجديد في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين في 20 يونيو/ حزيران الماضي، وفقاً للتقويم المدرسي الذي أعلنته وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي التابعة للجماعة، وسبقت الدراسة عمليات القيد والتسجيل في المدارس الحكومية والأهلية، إلى جانب انتظام دوام الهيئات التعليمية في كل صفوف المراحل الدراسية ابتداءً من 13 يونيو، بمعدل خمسة أيام دراسية في الأسبوع، وسط تحديات إدارية ومعيشية مضاعفة تثقل كاهل قطاع التعليم في تلك المناطق.
وفي منتصف مايو/أيار الماضي، كشفت منظمة الهجرة الدولية أن نحو 2800 مدرسة في اليمن تعرضت للتدمير أو لأضرار جزئية أو جرى استخدامها في أغراض غير تعليمية، ونبهت المنظمة الأممية إلى وجود أكثر من 4.5 ملايين طفل خارج المدارس في اليمن، من بينهم نحو 760 ألف طفل في محافظات عدن ولحج وتعز وحدها.
ومع تزايد التصعيد العسكري، يتزايد حجم التخوفات من تحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لإيواء النازحين، في تكرار لما حدث مع بداية الحرب اليمنية التي اندلعت في عام 2015، حين أدى تفاقم الأزمة الإنسانية والتعليمية في مناطق الحكومة الشرعية إلى لجوء السلطات المحلية والمجتمعات النازحة إلى خيار مرّ يتمثل في تحويل العشرات من المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء طارئة لاستقبال العائلات الهاربة من جحيم التصعيد.
وحرم هذا التحويل القسري للمدارس إلى مخيمات إيواء آلاف الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم، في ظل غياب تام لبدائل إيواء حقيقية مخصصة للنازحين. ولا يقتصر الأمر على تعطيل العملية التعليمية فحسب، بل يمتد ليخلف أضراراً بالغة على البنية التحتية للمباني المدرسية؛ بدءاً من تدمير المرافق والفصول الدراسية، وصولاً إلى تكديس الأثاث المدرسي أو إتلافه.
وتهدد مخاوف التصعيد المتزايدة بتأجيل العام الدراسي إلى أجل غير مسمى، وإبعاد جيل كامل عن مقاعد الدراسة، ما ينذر بكارثة تربوية واجتماعية طويلة الأمد قد يصعب تدارك آثارها العميقة على مستقبل عدة أجيال.
وفي مناطق الحكومة الشرعية، تتداخل وطأة التصعيد العسكري مع أزمات الانهيار المعيشي، لتفرض على الأسر معادلة قاسية ناتجة عن تدهور قيمة العملة، وغلاء الأسعار، وتأخر الرواتب.
وأدى هذا الشلل المعيشي إلى عجز آلاف العائلات عن توفير المستلزمات المدرسية لأبنائها، بينما يواجه طلاب الجامعات صعوبات بالغة في دفع رسوم التسجيل وأجور المواصلات.
ونتيجة لهذه الضغوط، تتسع رقعة التسرب المدرسي؛ إذ تجبر الحاجة العديد من الأسر على الدفع بأطفالهم إلى سوق العمل لبيع السلع على الأرصفة، أو قبول أعمال هامشية بأجور زهيدة بحثاً عن لقمة العيش، لتتحول مقاعد الدراسة تدريجياً إلى رفاهية يعجز أصحاب الدخول المتهاوية عن تحمل تكاليفها.
ويحذر خبراء التربية والباحثون الاجتماعيون من غياب خطط الطوارئ لمواجهة تعقيدات المشهد الميداني والمعيشي؛ إذ تحول شح الموارد، وغياب الدعم اللوجستي، ودمار البنية التحتية دون تطبيق بدائل تعليمية مثل التعليم الموازي أو الرقمي، خاصة مع أزمة انقطاع الكهرباء وضعف الاتصالات.
في السياق، حذر الباحث التربوي اليمني مطهر سنان، من تفاقم كارثة تسرب الطلاب من المدارس في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، معتبراً أن ما يتعرض له قطاع التعليم يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل جيل كامل. وقال لـ"العربي الجديد"، إن "ما تشهده العملية التعليمية في اليمن لم يعد مجرد أزمة اعتيادية، بل هو كارثة وطنية تنذر بضياع أجيال كاملة إذا ما استمر التجاهل الرسمي والمجتمعي. غياب خطط الطوارئ البديلة، وتلاشي الدعم اللوجستي، إلى جانب البنية التحتية المتهالكة، جعلت من المستحيل تطبيق خيارات التعليم الحديثة، كالتعليم عن بعد، إذ يعاني المواطنون من انقطاع الكهرباء وضعف شبكة الاتصالات".
وأضاف سنان أن "استمرار هذا التدهور مع تهاوي العملة وانقطاع الرواتب سيفضي حتماً إلى اتساع رقعة التسرب المدرسي، ودفع ملايين الأطفال قسراً إلى سوق العمل أو التشرد على الأرصفة". ودعا إلى تحرك عاجل لتبني استراتيجيات إنقاذ فورية، تبدأ بإقرار دعم مالي مباشر للأسر الأشد فقراً، ودعم المعلمين بما يساعدهم على العيش بكرامة، فضلاً عن تكاتف المنظمات الدولية والمحلية لتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود، وإبعاد التعليم نهائياً عن دوامة الصراع.
بدوره، يرى المدرس عبد النور المرادي، من محافظة مأرب، أن "أي مساعٍ حقيقية لإنقاذ العملية التعليمية المتداعية يجب أن تبدأ أولاً بالاهتمام بالمعلم وإعادة الاعتبار لدوره ومكانته". وقال لـ"العربي الجديد"، إن "المعلم اليوم يعيش مأساة حقيقية، فراتبه لا يتجاوز ما يعادل 60 دولاراً، ومع ذلك لا يتم صرفه إلا كل شهرين أو ثلاثة أشهر، وهو مبلغ زهيد يعجز تماماً عن توفير الحد الأدنى لقوت يومه وأسرته".
وأضاف المدرس اليمني أن "العملية التعليمية برمتها باتت مهددة بالتوقف الشامل، بسبب تداعيات الحرب المستمرة، ووضع المواطن العاجز حتى عن شراء الدفاتر والأدوات الأساسية لأطفاله، يوازيه وضع معيشي كارثي للمعلم الذي تحول من مربٍّ للأجيال إلى باحث عن لقمة العيش"، مشدداً على أن "استمرار هذا التجاهل يعني الانهيار الكامل لما تبقى من قطاع التعليم في البلاد".
من جانبها، تقول أم عدي لـ"العربي الجديد": "أعيش هذه الأيام بقلق متزايد، وأنا أرى مدرسة طفلي الوحيدة تقع على مقربة من خطوط التماس ونيران الحرب. أخشى أن تغلق المدرسة أبوابها نهائياً بفعل تجدد الاشتباكات، وما يزيد من خوفي وقلقي هو عجزي التام عن نقله إلى مدرسة خاصة في المناطق الآمنة، فرسوم التسجيل المرتفعة جداً تفوق قدرتنا المالية، وتكلفة المواصلات تحولت إلى حلم مستحيل في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية التي نعيشها، فنحن نقف عاجزين أمام مستقبل أطفالنا الذي يضيع بين نيران الحرب وعجزنا المادي".
يبقى شبح الحرب المتربص بمقاعد الدراسة في اليمن التهديد الأعظم الذي يلتهم أحلام الأجيال، فوحدها الجهود الجادة لإبعاد المدارس عن أتون الصراع، ودعم صمود معلميها وأسرهم، قادرة على طرد هذا الشبح وإعادة الحياة إلى الفصول الدراسية قبل أن يبتلع مستقبل البلاد بأكمله.
(فخر العزب)