في التاسع من سبتمبر/ أيلول الجاري، استهدفت الميليشيات الحوثية منشآت نفطية ومدناً سعودية في تصعيد متواصل منذ ذلك الحين يُعد هو الأخطر داخل الأراضي السعودية منذ انخراط الجماعة المدعومة من إيران في الصراع الأوسع في المنطقة.
فبعد مرور أربعة أعوام على هدنة رعتها الأمم المتحدة وأرست حالاً من الهدوء النسبي في اليمن، بات وقف إطلاق النار يتداعى تحت وطأة الحرب الأوسع نطاقاً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وهي الحرب التي أعادت تشكيل المنطقة منذ فبراير/ شباط الماضي.
التصعيد الحوثي تجاوز حدود اليمن نحو السعودية شرقاً والبحر الأحمر وجنوباً وغرباً إلى البحر الأحمر وباب المندب، وفي الأثناء خرج أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي يصف الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء بـ"الحكومة الثورية"، وأبدى دفاعاً ضمنياً عن تسليح بلاده للميليشيات.
لفهم كيفية تغذية المواجهة بين الحوثيين والسعودية والصراع مع إيران لبعضها البعض وما يدور في الداخل الإيراني المنقسم، تحدثت "اندبندنت عربية" إلى الدبلوماسي البريطاني نيكولاس هوبتون، الذي شغل سابقاً منصب سفير بريطانيا لدى اليمن وإيران، وانطلاقاً من أعوام خبرته مع أطراف الصراع المحتدم في المنطقة، قدم هوبتون تصوراً أقرب للعلاقة التي تجمع الحوثيين وطهران، مشيراً إلى أنه ليس من قبيل الصدفة أن يشن الحوثيون هجماتهم التي استولوا بموجبها على مدينة المخا الاستراتيجية ووسعوا أماكن سيطرتهم على مناطق أخرى من البلاد، في وقت تعرض فيه خط الأنابيب السعودي شرق غرب الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر للتصدير متجاوزاً مضيق هرمز، للهجوم من جماعات وكيلة في العراق.
وأشار الدبلوماسي البريطاني السابق إلى أن إيران والحوثيين حليفان وثيقان للغاية، إذ تلقت الجماعة اليمنية التدريب على يد الحرس الثوري الإيراني الذي زودهم بمعدات عسكرية وصواريخ، وتعلموا استخدامها بفاعلية.
ويؤكد أنهما ينسقان مواقفهما بوضوح في هذه المرحلة، مضيفاً أنه بتقدم الحوثيين على طول ساحل البحر الأحمر خلال الأيام الـ10 أو الأسبوعين الماضيين، والاستيلاء على مواقع استراتيجية تطل على مضيق باب المندب، بما يمنحهم فعلياً القدرة على تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق، فإنهم لا يستهدفون السعوديين فقط، بل هناك تهديد محتمل لتعطيل حركة الشحن الدولية على نطاق أوسع.
وتابع "لا أظن أنها كانت مصادفة أنه في وقت سيطر فيه الحوثيون على تلك المواقع، تعرض خط الأنابيب السعودي، الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر للتصدير متجاوزاً مضيق هرمز الذي كان الإيرانيون يعطلونه، لضربة في الوقت نفسه على يد ما يبدو أنها جماعات تعمل بالوكالة لمصلحة الحرس الثوري الإيراني انطلاقاً من العراق."
طهران تتمتع بنفوذ على الحوثيين
وأضاف أن هناك تنسيقاً جارياً بلا شك. "ومن المثير للاهتمام أن اليمن لم يكن جزءاً من الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران حتى الآن. فبمعنى ما، كان الحوثيون ‘الكلب الذي لم ينبح’".
محذراً من خطر كبير من الانجرار إلى الحرب، وهو أمر ستكون له عواقب، معظمها سيئ، "ليس فقط على الشعب اليمني الذي يعاني بالفعل. فأكثر من نصف اليمنيين لا يملكون ما يكفي من الطعام. فسيكون لذلك تأثير في الوضع الاقتصادي العالمي، وسيزيد من سوء الوضع الذي شهدناه سابقاً جراء إغلاق مضيق هرمز، إذا ما تعطلت الملاحة في باب المندب أيضاً."
وبسؤاله عن مدى قدرة النظام الإيراني على فرض سيطرته على الحوثيين في حال الرغبة في التهدئة، أشار إلى أن طهران تتمتع بنفوذ في اليمن يضاهي نفوذ الصين على إيران عندما ضغطت عليها خلال الحرب مع الأمريكان للتهدئة، قائلاً "في بعض الأوقات مارست الصين ضغوطاً على طهران للتفاوض بدلاً من الرد عسكرياً على الولايات المتحدة أو استهداف دول الخليج. وأعتقد أن (إيران) ربما لديها مستوى مماثل من النفوذ، إذ سيصغي الحوثيون باهتمام بالغ إذا قال لهم الإيرانيون: خفضوا التصعيد، فهذا ليس في مصلحتكم ولا في مصلحة إيران."
انخراط أمريكا في اليمن سيحدد مسار الصراع
وفي حين تنخرط الولايات المتحدة بالفعل بصورة كبيرة في هذه المواجهة الأوسع مع إيران منذ الحرب التي اشتعلت في أواخر فبراير/ شباط الماضي، ولم يتم حسمها حتى الآن، فإن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، تحجم حتى الوقت الحالي عن اتخاذ عمل عسكري مباشر ضد الحوثيين في اليمن، على رغم التهديد الذي تمثله الميليشيات على حركة الشحن التجاري في مضيق باب المندب.
ويرى هوبتون أنه في حال المشاركة العسكرية للولايات المتحدة في اليمن، "فمن شبه المؤكد أن ذلك سيحدد المسار الذي سيتخذه الإيرانيون والحوثيون في حربهم مع السعودية." وأعرب عن قلقه في شأن تزايد خطر ارتباط الصراع بصورة مباشرة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وبالقضايا المتعلقة بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
ويستدرك أن الولايات المتحدة تركز في المقام الأول على تحركاتها ضد إيران، وربما تكون قد استخلصت العبرة من الأشهر الستة الأولى من المواجهة مع طهران بأن الحل العسكري صعب للغاية، وربما يكون مستحيلاً، وإن كان الأمر لا يزال قائماً. فيبدو أن تركيز واشنطن ينصب حالياً على ممارسة ضغوط اقتصادية صارمة للغاية، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى نوع من التغيير من داخل البلاد. وهم حريصون للغاية - على ضمان استمرار حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
ويقول "في الوقت الراهن، لا يبدو أن أياً من هذين الهدفين قريب من التحقق، فحركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا تزال تشهد اضطرابات كبيرة، والاقتصاد الإيراني يئن تحت وطأة ضغوط هائلة، ويواجه كثير من الإيرانيين صعوبات في تأمين متطلبات الحياة اليومية العادية. لكن الشعب الإيراني لا يزال يتذكر كيف تعرض للقمع، وكيف قُتل كثر بوحشية في الثامن من يناير/ كانون الثاني الماضي خلال الاحتجاجات المناهضة للنظام. لذا، يبدو من غير المرجح أن يرغبوا في الاحتجاج والتعرض لمجازر بتلك الطريقة مرة أخرى، لا سيما وأن النظام لا يزال يفرض سيطرة أمنية محكمة. وعليه، لست متأكداً من وجود مبرر لأي أمل في اندلاع انتفاضة شعبية في هذه المرحلة."
ويعتقد الدبلوماسي البريطاني أن "الأمل الأكبر يكمن في حقيقة وجود أصوات متنوعة ومختلفة داخل النظام، فالمشهد السياسي في إيران ليس متجانساً تماماً، نظراً إلى تعقيدات البلاد وطبيعة المجتمع فيها." لذا يعلق الأمل الأكبر في إمكانية ظهور مبادرات للتغيير أو الإصلاح، أو الانخراط في تواصل مع الولايات المتحدة والمنطقة وجيرانهم في الخليج. ومع ذلك يشدد على أن الخطوة الأولى الضرورية هي العودة إلى المفاوضات والمحادثات، التي قد تستند -ببدايتها في الأقل- إلى مذكرة التفاهم التي تم الاتفاق عليها بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو/ حزيران الماضي.
الوضع معلق وقابل للتصعيد
لايزال الوضع "معلقاً وقابلاً للتصعيد"، بحسب هوبتون، لافتاً إلى تصريح رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام بأنه سيرسل طائرات للمساعدة في الدفاع عن السعودية باعتبارها حليفاً كبيراً للمملكة المتحدة. وأضاف "من السهل جداً أن يتحول هذا الأمر إلى فصل آخر من فصول الصراع الأمريكي-الإيراني."
وبالنظر إلى تأكيد المملكة المتحدة مراراً أنها تقف إلى جانب السعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين، ففي رده على سؤالنا عما ينبغي أن يعنيه هذا الالتزام عملياً إذا استمرت هجمات الحوثيين على السعودية، أكد السفير البريطاني السابق أن العلاقة بين البلدين وثيقة ومهمة للغاية."لدينا علاقات ممتازة على جميع المستويات، ويشمل ذلك بطبيعة الحال التعاون الأمني. لذا، أرى أنه من الصواب أن يرسل رئيس الوزراء البريطاني مستشارين عسكريين لدعم شركائنا السعوديين في كيفية تعاملهم مع هذا الصراع." مشيراً إلى وجود خبرات بريطانية يمكن أن تكون مفيدة لضمان تعامل السعوديين مع هذه الحرب بالطريقة الصحيحة.
وفي شأن ما تعنيه هذه الخطوة من الناحية العملية، "أتوقع أنها ستتضمن -في أقل تقدير- إسقاط أي طائرات مسيرة أو صواريخ تُطلق باتجاه المملكة." معتبراً أنها خطوة كبيرة بالنسبة إلى المملكة المتحدة، وقارنها بالدعم الذي وفرته لندن للولايات المتحدة في صراعها مع إيران. ومع ذلك، وكما كانت الحال في الصراع مع إيران، "فإن الأمر لا يصل إلى حد انخراط المملكة المتحدة كطرف مباشر في شن هجمات أو القيام بأي عمل هجومي ضد أهداف إيرانية، بل يقتصر الدور على الجانب الدفاعي. وأعتقد أن هذا هو النهج ذاته الذي يتبعه رئيس الوزراء الآن دعماً لشركائنا وأصدقائنا السعوديين، وذلك لحمايتهم بأفضل ما يمكن ومساعدتهم في التصدي لتهديدات الحوثيين."
جغرافيا اليمن عامل مهم في الصراع
وبسؤاله عما يمكن أن يكون لتعطيل حركة الشحن عبر البحر الأحمر لفترة طويلة تأثير كبير بما يكفي في الاقتصاد البريطاني لتغيير نهج الحكومة تجاه دورها العسكري في المنطقة، أوضح أن هذا الأمر يندرج في إطار التكهنات نوعاً ما، فلننتظر ونرى ما سيحدث خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين.
وفي حين تقع المسؤولية الأساسية للحكومة البريطانية في نطاق الدفاع عن مصالح المملكة المتحدة، لكن إذا قام الحوثيون -على سبيل المثال- باستهداف طائرات أو مصالح بريطانية، فإن ذلك سيغير طبيعة الموقف بصورة جذرية. مستدركاً بالقول "آمل ألا يحدث ذلك، لأنني لا أعتقد أن نشوب حرب عسكرية شاملة مع الحوثيين -بمشاركة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأطراف أخرى إلى جانب السعودية- يصب في مصلحة أي طرف."
وأشار إلى التجربة السابقة في صعوبة نجاح أي حملة عسكرية ضد الحوثيين، نظراً إلى تموضعهم الراسخ في تضاريس صعبة للغاية. فجغرافيا اليمن جبلية للغاية في المناطق التي يوجد فيها الحوثيون، "مما يجعل إزاحتهم عن السلطة بتلك الطريقة أمراً بالغ الصعوبة"، مشيراً إلى حملة القصف الجوي التي قادتها الولايات المتحدة على مواقع الحوثيين العام الماضي، قبل توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
ويقول "أعتقد أنه كان ينبغي علينا أن نتعلم من تلك التجربة أن أفضل مسار للمضي قدماً هو حماية مصالحنا دون التصعيد نحو حرب شاملة، وتشجيع الحوار -إن أمكن- والعودة إلى المحادثات بين السعودية والحوثيين، وهي محادثات كانت جارية في الأعوام الأخيرة وكانت تقترب من التوصل إلى نتيجة ما -على حد علمي- قبل أن تتعطل بسبب أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والفظائع الإرهابية التي ارتكبتها ’حماس‘ في إسرائيل، ثم الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة، وبالطبع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وهكذا، توقفت المحادثات بين السعوديين والحوثيين. لكنني أعتقد أن هذا الأمر يجب أن يحدث مجدداً في مرحلة ما، ومن الواضح أن تحقيق ذلك صعب للغاية في ظل استمرار القتال."
باب المندب أكثر أهمية من هرمز
تتزايد المخاوف في المجتمع الدولي في شأن احتمال تمكن الحوثيين من السيطرة على مضيق باب المندب في تحركات تقترن بمساع إيرانية جادة للسيطرة على مضيق هرمز التي قامت بغلقه بالفعل، وهو ما يعني تفاقم الوضع بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، إذ يعني ذلك تعطل ممرين بحريين رئيسين، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية و19%ة من تجارة الغاز، في حين يمر عبر مضيق باب المندب نحو 12% من حركة الشحن التجاري في العالم.
بحسب هوبتون، ففي الوقت الراهن يزعم الحوثيون أنهم يكتفون بقصف واستهداف الموانئ والسفن السعودية، وهو أمر ينطوي على أخطار عالية ومن الواضح أنه قد يتصاعد بسهولة ليمتد إلى نطاق أوسع. ولكن إذا انخرطت دول أخرى بصورة مباشرة في مهاجمة الحوثيين، "فأعتقد أنه ينبغي علينا توقع قيامهم بخرق اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة -الذي تم التوصل إليه عام 2025- واستهداف حركة الشحن الدولي في باب المندب بصورة أعم. وفي تقديري يُعد باب المندب أكثر أهمية من هرمز -إذا جاز التعبير- لحركة الشحن التجاري العالمي بصورة عامة، إذ تمر عبره 12% من حركة الشحن التجاري في العالم، وتشير التقديرات إلى أن 30% من سفن الحاويات العالمية تعبر من خلاله".
وتابع أن التأثير سيكون هائلاً، لا سيما على أوروبا، فباب المندب يمثل المدخل للبحر الأحمر، بينما تقع قناة السويس عند الطرف الآخر لتنقل حركة الشحن إلى البحر الأبيض المتوسط. لذا، سيُلمس الأثر في أوروبا بسرعة كبيرة. ولنتذكر ما حدث قبل بضعة أعوام فقط، حين علقت سفينة حاويات في قناة السويس لمدة أسبوع أو أسبوعين؛ فقد كان لذلك تأثير هائل في سلاسل التوريد والاقتصادات الأوروبية. لذا، "أعتقد أننا نتوقع أن يكون الوضع أسوأ بكثير، فإذا تسبب الحوثيون في تعطيل حركة الملاحة الدولية -وبالنظر إلى الوضع القائم بالفعل في مضيق هرمز- فإن ذلك سينعكس بصورة موجة تضخم عالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط، فضلاً عن تداعيات أخرى تضر بالاقتصاد العالمي. وفي هذا الصدد، أكدت المملكة المتحدة مراراً وتكراراً وقوفها إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات الحوثية."
سياسة الدفاع الاستباقي
منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل فيأواخر فبراير/ شباط الماضي، وسّعت إيران نطاق ردها العسكري ليشمل دولاً خليجية عدة بزعم استهداف قواعد أمريكية، في حين أنه تم استهداف منشآت نفطية ومدنية بمسيرات وصواريخ.
وفي تفسير هذا، يصف الدبلوماسي البريطاني استراتيجية إيران تجاه جيرانها العرب بأنها "مسألة معقدة للغاية وذات أبعاد تاريخية عميقة". إذ تنظر إيران إلى نفسها -ولا يقتصر هذا على "الجمهورية الإسلامية" وحسب- من منظور تاريخي، نظراً إلى ما تتمتع به من إرث ثقافي وحضاري يمتد لـ3 آلاف عام في الأقل.
ويقول إنه "عندما يقارن الإيرانيون أنفسهم ببعض دول الخليج الأكثر ثراءً والأحدث عهداً في ممارسة القوة يجدون أنفسهم أمام حال من عدم التوازن. لذا، أعتقد أن الوضع المثالي لإيران هو أن تكون جاراً جيداً لدول المنطقة الأخرى، لكن من الواضح أنها تسلك حالياً نهجاً مختلفاً تماماً"، مشيراً إلى أن الإيرانيين هددوا من قبل أنه في حال تعرضهم لهجوم أمريكي، فإنهم سيستهدفون دول مجلس التعاون الخليجي التي توجد بها مصالح أميركية، سواء كانت قواعد عسكرية أو بنية تحتية أخرى. إذ تتمثل استراتيجيتهم الحالية بإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالولايات المتحدة بصورة غير مباشرة، وذلك من خلال استهداف مصالحها وسمعتها.
في حين يعتبر هوبتون أن استهداف إيران لدول الخليج محاولة لإلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية، فإن السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة يمتد لعقود سابقة، وهو ما أقر به الدبلوماسي البريطاني، مشيراً إلى أنه منذ ثورة عام 1979، ظلت إيران طرفاً فاعلاً خبيثاً ومزعزعاً للاستقرار ومُلحقاً للضرر في المنطقة.
ويضيف "تتمثل رؤيتهم -وهي رؤية سمعتها كثيراً أثناء عملي سفيراً لدى طهران- بضرورة الدفاع عن أنفسهم عبر التحرك خارج حدودهم للحيلولة دون وصول الحروب إلى أراضيهم، تماماً كما حدث خلال الحرب العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، حين شعروا بعزلة شديدة وغياب للدعم. ولا ننسى أن الجميع كانوا يدعمون صدام حسين في ذلك الوقت".
ويضيف "الآن، فإن سياسة "الدفاع الاستباقي" (أو الدفاع المتقدم) -كما يطلقون عليها- هي في جوهرها استراتيجية وُضعت في عهد المرشد الأعلى علي خامنئي الذي اغتيل في الـ28 من فبراير الماضي في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، لذا يصعب الجزم بما إذا كانت هذه السياسة لا تزال قائمة حالياً. نحن نمر بمرحلة جديدة، فإيران اليوم لا تخضع فعلياً لحكم ديني بحت (ثيوقراطي)، بل يبدو لي أن المشهد يهيمن عليه بصورة أكبر القادة العسكريون والأمنيون، بمن فيهم قيادات الحرس الثوري."
إيران أصبحت أكثر خطورة
ويعتقد هوبتون أن هذا الوضع يجعل إيران أكثر خطورة، وأكثر استعداداً لزعزعة استقرار جيرانها سعياً إلى البقاء، وهو هدفها الأسمى. ومن وجهة نظر "المجلس الأعلى للأمن القومي" الحاكم -الذي يشبه إلى حد ما مجلساً عسكرياً يحكم إيران حالياً- فإنهم يبلون بلاءً حسناً، "فهم يتمتعون بالصمود والقدرة على البقاء، وستستمر الجمهورية الإسلامية في الوجود على رغم العقوبات الاقتصادية الأمريكية، إذ لا تزال إيران قادرة على التجارة مع أطراف أخرى مثل الصين وروسيا، وتطبيق العقوبات الأحادية الجانب وضمان فاعليتها أمر بالغ الصعوبة. لذا، أعتقد أن الإيرانيين قد يصبحون أكثر زعزعةً لاستقرار المنطقة إذا ما تصاعدت وتيرة الحرب."
على رغم التفوق العسكري الهائل وفارق القوة بين الولايات المتحدة وإيران، يشير هوبتون إلى أن هذه الحرب لا يمكن حسمها عسكرياً، وهو ما بدا خلال الأشهر الستة الماضية.
صراع داخلي سابق للحرب
بينما تُصدر طهران فكرة أن البلاد يقودها مجتبى خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي، لكن مقتل كبار القادة السياسيين والعسكريين جنباً إلى جنب مع خامنئي الأب، عكس صورة غامضة ومعقدة في شأن عملية صنع القرار داخل إيران، لا سيما في ما يتعلق بالمفاوضات مع واشنطن والبرنامج النووي. وكان ترمب وصف بالفعل القيادة الإيرانية بأنها منقسمة، وهو ما بدا بكثير من الأحيان في التصريحات المتناقضة الصادرة من قيادات إيرانية حالية، مما يوحي بصراع على التوجه الاستراتيجي للبلاد.
ويقول هوبتون إنه كان هناك صراع داخلي بالفعل حتى قبل هذه الحرب. فقد كانت هناك أصوات معتدلة أو تميل إلى التهدئة داخل النظام، وفي المقابل أصوات متشددة وعدائية للغاية تفضل عزلة إيران بدلاً من الانفتاح أو الانخراط مع الخارج. و"أعتقد أن كلا التيارين يبدوان ممثلين في هذه المرحلة بالذات ضمن الهيئة القيادية الحاكمة. هناك حكومة منتخبة، على رغم أن الانتخابات تتسم بكونها ضيقة النطاق وتشوبها عيوب كبيرة، والرئيس "بزشكيان" هو شخص أيّد الانفتاح في أوقات مختلفة في الماضي، وكذلك فعل وزير خارجيته "عراقجي".
ويشير إلى أن هناك آخرين -بمن فيهم عناصر في الحرس الثوري- يفكرون بالمنطق نفسه. لكن في المقابل، توجد أصوات متشددة للغاية ترفض فكرة إعادة الانخراط مع الولايات المتحدة، إذ لا يثقون بها في المفاوضات، وهو موقف قد يكون مفهوماً بالنظر إلى تعرضهم لهجومين أثناء خوضهم مفاوضات مع الولايات المتحدة. "لذا فهم لا يثقون بهم. وعليه، أعتقد أن هناك صراعاً حول المسار الذي ستسلكه البلاد. لكن في هذه المرحلة، تظل أولويتهم هي بقاء النظام وضمان استمراريته، وهم يدرسون الخيارات المتاحة أمامهم."
المشهد في الداخل معقد
وبسؤاله عما سيكون المحدد بالنسبة إلى مستقبل النظام الإيراني في الوقت الحالي، حيث هناك كثير من التحديات التي تتمثل بصراع عسكري واقتصاد متداع وغضب شعب متفاقم، يقول الدبلوماسي البريطاني "لو كنتُ موجوداً في إيران حالياً.. كنت سأراقب الوضع بدقة شديدة لرصد أي مؤشرات على احتمال حدوث انتفاضة، سواء من جانب عامة الشعب أو من داخل النظام نفسه"، مستدركاً أن أياً من هذين الاحتمالين لا يبدو مرجحاً بصورة خاصة في هذه المرحلة.
ومن المشكلات القائمة في إيران، وفق هوبتون، وهي مشكلة مستمرة منذ فترة طويلة، غياب زعيم موحِّد للمعارضة المناهضة للنظام، سواء في الداخل أو الخارج. وعلى رغم وجود شخصيات بارزة ومعروفة، مثل نجل الشاه السابق "رضا بهلوي" أو "ولي العهد" كما يصفه البعض، فإنه لا يبدو قادراً تماماً على توحيد الشعب الإيراني. ويقول "كان دونالد ترمب أوضح في بداية هذه الحرب أنه لا يرى في "رضا بهلوي" الشخص المناسب لقيادة مرحلة انتقالية، وهو تصريح جاء في توقيت لافت، لا سيما وأنه لم يكن لديه بديل آخر ليطرحه كبديل للزعيم الأعلى (المرشد).
لذا، أعتقد أن هذه هي الأمور التي سأراقبها، مع السعي بفاعلية أكبر إلى اقتناص فرصة لاستئناف المفاوضات وتسهيل ذلك، لأن السبيل الوحيد لإنهاء هذه الحرب في وقت قريب يكمن في التوصل إلى تسوية تفاوضية. وقد تبدأ هذه العملية بالعودة -على سبيل المثال- إلى بنود مذكرة التفاهم المبرمة في يونيو، دون اشتراط الاتفاق عليها جميعاً في البداية، بل بمجرد الانخراط في مفاوضات مستمرة."
ويتابع أن المشكلة تكمن في أن إيران تمتلك استراتيجية واضحة اتبعتها منذ بداية هذا الصراع، فكما صرحوا قبل اندلاع الحرب، كان هدفهم شن هجمات وزعزعة استقرار المنطقة، وذلك بهدف ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وهو ما نفذوه بالفعل، إذ لديهم استراتيجية محددة. في المقابل، لا يبدو أن الإدارة الأميركية تمتلك استراتيجية حالياً، فهي تكتفي بإجراءات تكتيكية متنوعة سرعان ما تتغير. لذا، يتعين عليهم إظهار انخراط أكبر ومستمر لفترة زمنية كافية لتحقيق نتائج قد تكون أفضل للمنطقة على المدى الطويل.
التغيير سيأتي من الداخل
في ظل المشهد المتفاقم في الداخل الإيراني والغضب الشعبي جراء مقتل آلاف المعارضين في يناير الماضي، فضلاً عن ملاحقة معارضين وتنفيذ عمليات إعدام على مدار الأعوام الماضية، يثار السؤال في شأن المدى الزمني لبقاء النظام الذي عمره 47 عاماً.
ويقول هوبتون "لا شيء يدوم إلى الأبد." ويضيف "أعتقد أنه لا مفر من زوال النظام الإيراني عاجلاً أم آجلاً. لن أجازف بتوقع موعد حدوث ذلك، ولكن عندما يحدث، فمن شبه المؤكد أنه سيكون نتيجة لقرار الشعب الإيراني نفسه بتغيير النظام."
يعتقد هوبتون أن التغيير سيتحقق من الداخل، وفي الأرجح عند تضافر القوى والضغوط، سواء من داخل البلاد أو من خارجها. وفي حين لا يبدو أن هذه هي الحال في الوقت الراهن. لكن، "كما كنت أقول لفريقي حين كنا في طهران، فإن إيران تفاجئك كل يوم، إذ نادراً ما كان يمر يوم دون أن نواجه مفاجأة ما ونحن هناك". "لذا، أنا واثق من أن هذا الأمر سيحدث في مرحلة ما، لكنه قد لا يكون شيئاً نتوقع قدومه. وقد لا يكون ناجماً عن الضغوط العسكرية التي تمارسها الولايات المتحدة حالياً، أو الضغوط الاقتصادية. بل أعتقد أنه سيكون -في الأرجح- بقيادة حراك ينبع من داخل النظام، ومن داخل إيران نفسها. حينها سيأتي التغيير. وقد يحدث ذلك بالفعل."
وخلص بالقول "بصراحة، سأكون مندهشاً إذا ظل النظام قائماً بصورته الحالية بعد عقد أو عقدين من الزمن. أعتقد أنه سيتغير ويتطور، لكن ربما لا يكون ذلك نحو الأفضل إذا استمرت هذه الحرب على حالها الراهنة، أي بصورة فوضوية ودون حسم."
(إنجي مجدي)