على غير ما اعتادته حرب اليمن خلال أكثر من عقد، تحتشد القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً ضمن جبهة أكثر تنسيقاً، مستمدة قرارها العملياتي ضد الحوثيين من غرفة مشتركة، في تحول عن تعدد مراكز القرار الذي طبع مراحل سابقة من الحرب.
ومنذ رفع الحوثيون مستوى التصعيد القتالي بهجومهم على غرب محافظة تعز، في محاولة للوصول إلى سواحل منطقة ذوباب المطلة على مضيق باب المندب، بدا لافتاً مستوى التنسيق بين مختلف تشكيلات القوات الحكومية، وترجم ذلك بعمليات إسناد متبادل بين الجبهات.
وعقب التراجع المفاجئ لقوات الجيش ممثلة في محور تعز، برز دور "قوات العمالقة والمقاومة الوطنية في وقف التقدم الحوثي نحو الكدحة ومقبنة، قبل الانتقال إلى شن هجمات باتجاه مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة في جبل رأس والجراحي ومناطق أخرى، ولم يكن التقارب العسكري بمعزل عن تحول مواز في الخطاب الإعلامي المساند للقوات الحكومية، إذ التقت أصوات عسكرية وشعبية ومن أطياف سياسية مختلفة حول دعم جهود القوات المسلحة في مواجهة الحوثيين، بالتزامن مع انتقال العمليات من صد الهجمات إلى تحركات هجومية في أكثر من جبهة، وصولاً إلى صنعاء وإنهاء سيطرة الجماعة، وسط حملات تضامن عربية مع الشعب اليمني ومطلب "استعادة دولته".
ثمرة الهدنة
وبالنظر إلى ميزان القوة الذي ظهر خلال المعارك الأخيرة، تضم القدرات التابعة للحكومة اليمنية قطاعات قتالية برية وجوية وبحرية، إضافة إلى وحدات أمنية وتشكيلات عسكرية عدة، وقوات شعبية وقبلية، فيما يقدر إجمال القوات الحكومية والتشكيلات المرتبطة بها بمئات آلاف العناصر.
وفي محافظة الجوف، برز دور "قوات الطوارئ" و"درع الوطن"، التي يتوقع أن تشكل مشاركتها للمرة الأولى في العمليات العسكرية ضد الحوثيين إضافة نوعية إلى التشكيلات الموجودة في الجبهة المناهضة للجماعة، وتتكون "قوات الطوارئ" من قوات مشاة برية تلقت تدريباً قتالياً وتسليحاً متقدماً خلال أعوام التهدئة التي أعقبت الهدنة الأممية في أبريل/ نيسان 2022، وشكلت بالتوازي مع إنشاء "درع الوطن"، وتخضع لقيادة القوات المشتركة بقيادة السعودية.
وتضم "قوات الطوارئ" ست فرق و22 لواء، بقوام بشري يصل إلى نحو 35 ألف مقاتل، معظمهم من أبناء المحافظات الشمالية، بما يمنح وحداتها معرفة بالتضاريس والمناطق التي تستهدفها العمليات العسكرية.
وفي الساحل الغربي اليمني المطل على البحر الأحمر توجد قوات المقاومة الوطنية، التي تعد واحدة من أبرز قوات النخبة الحكومية المناهضة للحوثيين، وتتخذ من مديرية المخا (غرب تعز) مقراً لها ومسرحاً لعملياتها القتالية.
تتكون من نحو ثلاثة إلى 10 آلاف عنصر جاء غالبيتهم من إرث قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة في عهد نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، ويقودها اليوم ابن شقيقه عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبدالله صالح، وتنخرط هذه الكتلة العسكرية في قتال شرس ضد الحوثيين منذ عام 2017.
"درع الوطن"
وتعد "درع الوطن" أول قوة عسكرية نشأت عقب تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الذي تولى المسؤولية في أبريل 2022، وأعلن عنها مطلع عام 2023، ويقع مقرها الرئيس في قاعدة العند الجوية بمحافظة لحج جنوب اليمن.
وفي الـ29 من يناير/ كانون الثاني 2023، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً رسمياً بإنشاء "قوات درع الوطن"، ونصت المادة الثانية منه على أن "القائد الأعلى للقوات المسلحة هو المنوط بتحديد عدد القوات ومهماتها ومسرح عملياتها، في أمر عملياتي يصدر عنه"، وبذلك يخضع قرار عملياتها مباشرة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصارت بديلاً عن ألوية الحماية الرئاسية التي كانت تتبع الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، ليمنحها هذا الهيكل مرونة في تحديد نطاق انتشارها، كونها لا تتقيد إدارياً بمنطقة عسكرية محددة، بما يسمح بتوظيفها في مسارح عمليات مختلفة.
وتمتلك "درع الوطن" عربات مصفحة ومدرعات ومدفعية ميدانية ومضادات وأسلحة ثقيلة، وتعتمد هيكلاً عملياتياً يتكون من ثلاث فرق رئيسة، تندرج تحتها مجموعة من الألوية والوحدات القتالية، وتنتشر هذه القوات على رقعة جغرافية تمتد من عدن ولحج وأبين والضالع إلى وادي حضرموت ومأرب والجوف والمهرة، فيما تنتشر تسعة ألوية في عدن ولحج والضالع وأجزاء من أبين وعدد من مديريات تعز، ويقدر قوامها البشري الإجمالي بنحو 45 ألف مقاتل.
سبع مناطق عسكرية
وإضافة إلى التشكيلات التي برزت أو أنشئت خلال أعوام الحرب، توجد القوات المسلحة التقليدية الموزعة على سبع مناطق عسكرية رئيسة تغطي مسارح العمليات في المحافظات المختلفة، وفق الهيكلة العسكرية المعتمدة لتنظيم وتوزيع التشكيلات القتالية، وتقع قيادة المنطقة العسكرية الأولى في سيئون بمحافظة حضرموت، والثانية في المكلا بمحافظة حضرموت، والثالثة في مأرب، والرابعة في عدن، والخامسة في الحديدة، والسادسة في نطاق عمران والجوف، فيما تقع السابعة في نطاق ذمار وصنعاء.
ويعني تعدد هذه التشكيلات أن المعسكر الحكومي يمتلك طيفاً واسعاً من القوات ذات الهياكل والخلفيات المختلفة، فيما يتمثل المتغير الأبرز في المواجهة الحالية في ارتفاع مستوى التنسيق العملياتي والإسناد بينها.
"عيبان" و"نقم"
ومع التصعيد الحوثي الأخير، أدخل الجيش الحكومي منظومة متدرجة من الطائرات المسيّرة متنوعة المهمات، تبدأ بطائرات استطلاع صغيرة تستخدم في تصحيح نيران المدفعية والهجمات القريبة، مروراً بمنصات جوية دخل بعضها ميدان المعركة، وصولاً إلى مسيّرات هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن، وكشف وزير الدفاع اليمني في يونيو/ حزيران الماضي عن ترسانة جديدة دخلت الخدمة لمصلحة قوات بلاده، فيما لا تتوافر أرقام معلنة عن حجم وأعداد المسيّرات التي يمتلكها طرفا الحرب.
وبرز اتساع استخدام القوات الحكومية لهذه الطائرات خلال العمليات الأخيرة، إذ أعلنت في الـ18 من أغسطس/ آب الماضي تنفيذ 133 عملية ضد مواقع وقدرات وعناصر حوثية خلال 24 ساعة، فيما تحدثت إحصاءات أخرى عن مقتل أكثر من 200 عنصر من الجماعة منذ بدء العمليات.
وكشفت منصة "شيبا إنتلجنس" عن نوعية طائرتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية وحملتا توقيع وزير الدفاع طاهر العقيلي واسمي "عيبان" و"نقم"، وهما جبلان متقابلان يطلان على العاصمة صنعاء، وبحسب المنصة فإن الطائرتين تنتميان إلى طراز "دبور السماء" SKYWASP)) وتصل قدرتهما إلى مدى جوي يبلغ 1500 كيلومتر من دون توقف، مع حمل رأس حربي يتراوح وزنه ما بين 30 و50 كيلوغراماً.
ويحمل اسما "عيبان" و"نقم" رمزية سياسية تتصل بسعي الحكومة إلى استعادة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون منذ سبتمبر/ أيلول 2014.
"العمالقة" في الواجهة
وفي قلب التطورات الجارية، برز دور "ألوية العمالقة" في عدد من جبهات القتال، بوصفها إحدى أبرز التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، وتعود جذور جزء من بنيتها البشرية لقادة وعناصر من التيار السلفي في المحافظات الجنوبية، خصوصاً ممن سبق أن قاتلوا الحوثيين خلال هجوم الجماعة على مركز دماج بمحافظة صعدة عام 2014، وتعد "العمالقة" اليوم من القوى الفاعلة في صف الحكومة اليمنية، بعدما خاضت مواجهات مع الحوثيين في مناطق عدة، أبرزها المحافظات الجنوبية والساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، وصولاً إلى معارك شمال غربي شبوة وجنوب مأرب، فيما يقدر عدد عناصرها القتالية بنحو 12 ألف جندي.
ما الذي تغير؟
يرى الكاتب والصحافي والمستشار الإعلامي لدى سفارة اليمن في الرياض، صالح البيضاني، أن الجديد في المواجهة الحالية مع الحوثيين لا يتمثل في اندلاع القتال بحد ذاته، بل في مجموعة متغيرات عسكرية وسياسية وإقليمية ودولية لم تكن حاضرة في الجولات السابقة، وفي مقدمها توحيد القرار العسكري وارتفاع مستوى التنسيق بين القوات الحكومية، مضيفاً لـ "اندبندنت عربية" أن اليمن يعيش الحرب منذ أعوام، لكن المواجهة الحالية تجري في ظروف مختلفة، ويمكن الحديث عن أربعة أو خمسة متغيرات رئيسة تميزها عن المراحل السابقة.
ويضع البيضاني في مقدمها وضع القوات الحكومية، موضحاً أن أحد أبرز مواطن الضعف سابقاً كان تعدد مراكز القرار العسكري والتشكيلات واختلاف أولوياتها، بينما يوجد اليوم مستوى أكبر من توحيد القرار العسكري والعملياتي تحت قيادة مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، موضحاً أن الجيش الوطني والتشكيلات العسكرية المختلفة باتت تتحرك ضمن مسرح عمليات أكثر ترابطاً وتنسيقاً، ومشيراً إلى أن الحروب لا تحسم بعدد الجنود أو كمية السلاح وحسب، بل أيضاً بوجود قيادة وسيطرة وتبادل للمعلومات وتنسيق بين الجبهات.
ويلفت البيضاني إلى تطور مستوى التدريب والتسليح والقدرات العسكرية لدى القوات المسلحة اليمنية، مع دخول الطائرات المسيّرة بصورة أكبر في الهجمات والاستطلاع واستهداف مواقع وتجمعات الحوثيين، وهي قدرات، بحسب قوله، لم تكن حاضرة بهذا المستوى خلال الأعوام الماضية، مؤكداً أن استخدام القدرات الجوية والطائرات الحربية في استهداف مواقع الحوثيين خلال الأيام الماضية، يشكل تحولاً مهماً، ومضيفاً أن الجماعة عندما اتخذت قرار التصعيد كانت تعتقد أنها أمام "جولة سهلة" يمكن خلالها تحقيق مكاسب سريعة، لكن ذلك لم يحدث.
(توفيق الشنواح)