لم يكتفِ الحوثي بالانقلاب على الدولة اليمنية، بل أخضع مؤسساتها لخدمة جماعته، وحول ما يفترض أن يحمي حقوق اليمنيين إلى أدوات للجباية وفرض الولاء. واليوم، ومع تجدد القتال، تبقى استعادة هذه المؤسسات جزءاً أساساً من معركة إنهاء الانقلاب، فالمحكمة التي يتحكم بها الحوثي لن تضمن العدالة، والإدارات التي يفرض عليها قراره لن تخدم المواطن اليمني.
ولهذا، تحتاج الحكومة اليمنية إلى استعادة القرار داخل مؤسساتها، وإثبات قدرتها على حماية الناس، وصرف رواتبهم وتأمين خدماتهم، ويريد اليمنيون الذين دفعوا ثمن الحرب دولة تحمي حقوقهم، ولا تتركهم تحت رحمة سلاح الحوثي وابتزازه.
وعليه، يحاول الحوثيون تحويل مكاسبهم العسكرية إلى سلطة تتدخل في تفاصيل حياة اليمنيين، وتجعل حصولهم على حقوقهم ومعاملاتهم، مرتبطاً بالمؤسسات التي أخضعت لهم. والخطر أن يطول هذا الوضع إلى حد يصبح فيه التعامل مع سلطة الجماعة ضرورة يومية، ثم يُقدم هذا الاضطرار باعتباره قبولاً سياسياً بها.
تفكيك سيطرة الجماعة المرتبطة بإيران
يدخل اليمن راهناً مرحلة جديدة من التصعيد، ففي إحاطة التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من عودة البلاد إلى حرب واسعة، بعد تقدم الحوثيين باتجاه المخا والساحل المحاذي لباب المندب، واتساع القتال في غرب تعز وجنوبها وامتداده إلى لحج، قبل أن تستعيد القوات الحكومية من جديد مناطق تقدم فيها الحوثيون، وسط اشتعال القتال على أكثر من جبهة.
وقال غروندبرغ "إذا كانت التطورات الأخيرة تُثبت شيئاً، فهو أن الصراع في اليمن لا يمكن احتواؤه، ففي غياب عملية سياسية ذات صدقية تُفضي إلى حل مستدام للصراع، سيستمر هذا الصراع في الظهور مجدداً، وتعميق التوترات الإقليمية، وتهديد الاستقرار على نطاق أوسع"، وأشار إلى هجوم مضاد للقوات الحكومية وإعلانها استعادة مناطق حول باب المندب، بالتوازي مع اشتداد المواجهات في مأرب والجوف وحجة، واعتداءات حوثية قاتلة على منشآت مدنية ومنشآت طاقة في السعودية.
وكان تقرير صحافي نُشر في الـ20 من سبتمبر/ أيلول الماضي، رصد إعادة ربط مرافق حكومية وأمنية وخدمية في المخا بسلطات صنعاء، وتحركات لإخضاع محاكم في حيس والخوخة والمخا للجهاز القضائي الذي يديره الحوثيون، إلى جانب إجراءات لإدخال الميناء ضمن إدارتهم.
وتبقى هذه الوقائع غير موثقة بصورة تامة ومرتبطة بالمناطق والتواريخ التي رصدها التقرير، خصوصاً مع استمرار تبدل السيطرة العسكرية.
وهنا يتجاوز الصراع حدود استعادة المدن أو رفع علم فوق المباني الحكومية، فالجماعة التي تستولي على المحكمة والسجلات والإيرادات، تستطيع أن تسيطر على عمل الحكومة اليمنية الشرعية، وأن تجعل القرار داخل تلك المؤسسات خاضعاً لها.
ولاحقاً، وعندما تستعيد الحكومة المؤسسات المصادرة، قد تجد موظفين بقوا لحماية الملفات، وقرارات صدرت تحت سلطة الأمر الواقع، ومواطنين اضطروا إلى مراجعة تلك المؤسسات لتسجيل زواج أو متابعة إرث أو حماية ملكية.
عند هذه النقطة، تقتضي استعادة السيادة تفكيك سيطرة الجماعة المرتبطة بإيران، لكنها تقتضي أيضاً حماية حقوق الناس من أن تضيع مرة أخرى مع انتقال السلطة.
هل تستطيع الحرب إنتاج دولة أقوى من الدولة التي دمرتها؟
تسمح التجارب التاريخية بإجابة مشروطة، إذ يمكن لدولة أن تخرج من حرب داخلية، بقدرة أكبر على إدارة مواردها وتطبيق القانون وتقديم الخدمات، لكن الحرب لا تمنحها هذه القدرة تلقائياً. ما يصنع الفارق هو القرار الذي يليها، هل تُعاد المؤسسات لخدمة المواطنين، أم تُوزع بين المنتصرين؟ وهل تنتهي سلطة السلاح خارج الدولة، أم يحصل أصحابها على مواقع رسمية يحتفظون خلفها بقوتهم المستقلة؟
اليوم يحتاج اليمن إلى طرح هذا السؤال بوضوح، لأن استعادة ما كان قائماً قبل الانقلاب ليست سقفاً كافياً.
كانت الدولة السابقة تعاني اختلالات في الإدارة والعدالة وتوزيع الموارد، واستغل الحوثيون ضعفها، ثم عمقوا انهيارها، ولذلك، فإن مشروع التعافي يجب أن يعالج ما صنعته الحرب، وما أتاح وقوعها، من دون مساواة بين إصلاح الدولة ومنح من انقلب عليها، حق الاحتفاظ بنتائج انقلابه.
رواندا: بناء المؤسسات فوق انكسار المجتمع
ما يواجهه اليمن اليوم يفتح باب المقارنة مع رواندا، التي خرجت من الحرب والإبادة قتل فيها مئات الآلاف أمام مهمة تتجاوز إعادة بناء المؤسسات، إلى ترميم ثقة مجتمع مزقته الجرائم داخل دولة يفترض أن تحميه.
وتُستدعى رواندا كثيراً بوصفها دليلاً على إمكان النهوض بعد الخراب، لكن تجربتها أعمق من صورة "العاصمة النظيفة" أو اقتصاد بدأ مرحلة النمو، فقد تداخلت الحرب الأهلية مع الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994، وهم إحدى المجموعات السكانية الرئيسة في رواندا وبوروندي، إلى جانب الهوتو، ويتشاركون معهم اللغة والثقافة وروابط اجتماعية واسعة.
وقد عمق الاستعمار الألماني ولاحقاً البلجيكي الفوارق بين المجموعتين وحولها إلى تصنيفات جامدة استُخدمت لاحقاً في الصراع على السلطة. وكانت نالت رواندا الاستقلال في يوليو/ تموز 1962 تحت قيادة حكومة منتصرة من غالبية الهوتو بقيادة غريغوار كاييباندا، ولكن سياسات "فرق تسد" التي رسخها الاستعمار، وما تبعها من صراعات على السلطة، أدت إلى تراكم الاحتقانات العرقية التي انفجرت لاحقاً في كارثة الإبادة الجماعية عام 1994.
إذ استهدف متطرفون من الهوتو جماعة التوتسي بإبادة جماعية، وقُتل أيضاً هوتو معتدلون عارضوا القتل. وخلال نحو 100 يوم قُتل قرابة 800 ألف شخص، معظمهم من التوتسي. وانتهت الإبادة مع سيطرة الجبهة الوطنية الرواندية، التي قادها أساساً التوتسي، بول كاغامي، على العاصمة كيغالي وبقية أنحاء البلاد.
محاكم "غاتشاتشا"
كان على رواندا أن تعيد تشغيل الدولة في مجتمع يحمل ذاكرة قتل جماعي. واستطاعت السلطة التي تشكلت بعد 1994 من إعادة بناء الجهاز الإداري، وجعلت الأمن وإعادة الإعمار والمصالحة ضمن أولوياتها، ثم أنشأت لجنة للوحدة والمصالحة الوطنية عام 1999، واعتمدت محاكم "غاتشاتشا" وهي محاكم شعبية مفتوحة في الهواء الطلق، تعتمد على مشاركة المجتمع المحلي بأكمله، والشهادات المباشرة، والمواجهة بين الضحايا والجناة، وتستند إلى تقاليد محلية لمعالجة قضايا الإبادة.
وسعت محاكم "غاتشاتشا" إلى كشف الوقائع والنظر في الجرائم، كذلك ساعدت على معالجة عدد كبير من القضايا، لكنها تركت أيضاً إرثاً مثقلاً بالتجاوزات، إذ شهدت حالات لترهيب الشهود، وتدخلات سياسية، وإخلالاً بضمانات المحاكمة العادلة، وذلك وفقاً لأبحاث ميدانية لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" ولذلك، يمكن الاستفادة من المشاركة المجتمعية وكشف الحقيقة، مع تجنب تلك التجاوزات، ولكن لا يصح نقل تجربة تلك المحاكم كما هي.
وتكشف رواندا أيضاً حدود الخلط بين قوة الإدارة واتساع الثقة السياسية، فقد اقترنت إنجازاتها المؤسسية بقيود وثقتها منظمات حقوقية على التعبير والعمل السياسي، ولذلك، فإن امتلاك دولة جهازاً قادراً على التنفيذ، لا يجيب وحده عن سؤال علاقة المواطن بالسلطة.
قضاء مستقل وضمانات واضحة
بالعودة إلى اليمن، يمكن للوساطة المحلية أن تساعد في تسوية بعض النزاعات، لكن جرائم القتل والتعذيب ونهب الممتلكات تحتاج إلى قضاء مستقل وضمانات واضحة، حتى لا تتحول المحاسبة إلى تصفية حسابات، أو تمنح المتورطين حماية باسم المصالحة.
وقيمة هذه التجربة بالنسبة إلى اليمن أن إعادة البناء لم تُختصر بالمنشآت، فالدولة تحتاج إلى وسيلة لمعالجة ما حدث بين المواطنين، إلى جانب قدرتها على ضبط الأمن. ويمكن ترميم المحاكم والمحاكمات، لكن ذلك لا يكفي إذا كان المتضرر يعتقد أن قاتل قريبه محمي، أو أن من استولى على أرضه سيحتفظ بها لأنه أقرب إلى السلطة.
ويمكن تأطير الدرس اليمني هنا، فالعدالة القريبة من الناس مهمة، لكن قربها لا يعفيها من الضمانات، كما ويمكن إشراك المجتمع والوسطاء المحليين في تسوية بعض النزاعات المدنية، فيما تظل الجرائم الجسيمة أمام قضاء مهني يحدد المسؤولية بالأدلة، بحيث لا تُبنى المصالحة على إعفاء المعتدي، ولا على اعتبار منطقة كاملة أو عائلة كاملة مسؤولة عن جرائمه.
والمطلوب بالنسبة إلى اليمن هو مؤسسات تستطيع تنفيذ القانون، ويستطيع المواطن الاعتراض على قرارها من دون خوف، فالناس قد تلتزم الصمت تحت سلطة شديدة المركزية، وقد تراجع مكاتبها لأنهم لا يملكون بديلاً، ولكن ذلك لا يعني ثقة الناس بمثل هذه السلطة.
سيراليون.. نهاية القتال ليست نتيجة واحدة
وتضيف تجربة سيراليون، وهي واحدة من أبرز النماذج الدولية، درساً يتعلق بالسلاح والموارد، فقد شملت عملية إنهاء الحرب الأهلية التي امتدت ما بين أعوام (1991-2002)، نزع السلاح، وتسريح وإعادة إدماج أكثر من 75 ألف مقاتل سابق، ودعم إعادة بناء القطاع الأمني، وتنظيم انتخابات، ومساندة لجنة الحقيقة والمصالحة، ومساعدة الحكومة على استعادة السيطرة على استخراج الألماس.
وتكمن أهمية هذه التجربة أن موارد الحرب عولجت مع أزمة السلاح المتفلت خارج الشرعية، ففي اليمن لا يكفي الاتفاق على وقف إطلاق النار، إذا بقيت الإيرادات والمنافذ وطرق التجارة، تحت سيطرة قوى تستطيع تمويل نفسها بعيداً من الموازنة العامة، وأي جماعة تحتفظ بهذه القدرة ستملك وسيلة لتعطيل الدولة، حتى لو شاركت في حكومتها، و"حزب الله" في لبنان كأكبر مثال على ذلك.
كما أن إعادة إدماج المقاتلين تحتاج إلى تمييز بين الفرد الذي يمكن تأهيله للعمل المدني، أو للخدمة ضمن مؤسسة نظامية، وبين البنية العسكرية التي تريد الدخول إلى الدولة بقيادتها وولائها الخاص، لأن إدخال جماعة مسلحة كاملة إلى المؤسسة، مع الاحتفاظ بتسلسلها الداخلي سينقل الانقسام حتماً إلى داخلها، إذاً المطلوب قيادة قانونية واحدة، وتجنيد فردي بمعايير واضحة، ورواتب وسجلات تخضع للرقابة.
البوسنة والهرسك (1992-1995)
وهنا تقدم تجربة البوسنة والهرسك من زاوية أخرى، وتحديداً من بوابة "معاهدة دايتون"، وهي اتفاقية السلام التي وقعها قادة صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك عام 1995، وأنهت ثلاثة أعوام من الحرب الأهلية المدمرة في يوغوسلافيا السابقة، وقسّمت البوسنة إلى دولتين هما فدرالية البوسنة والهرسك. وأقيم حينها إطار دستوري حافظ على الدولة مع تكوينها من كيانين، وقد احتاج تشغيل المؤسسات التي نص عليها الاتفاق، وترسيخ حكم القانون، إلى مسار طويل من المتابعة الدولية.
ومن هذه التجربة يمكن الخروج باستنتاج لليمن، فقد تنجح التسوية في إيقاف القتال، فيما تترك مؤسسات الحكم محكومة بالتوازن بين القوى التي خاضت ذلك القتال، وإذا أصبح كل قرار مالي أو أمني رهينة موافقة أصحاب السلاح، فإن الدولة ستدفع ثمن الحرب داخل إدارتها لأعوام، ولا يعني ذلك رفض اللامركزية أو المشاركة السياسية، فقد يحتاج اليمن إلى إدارة محلية تستجيب لاختلاف احتياجات مناطقه، لكن نقل صلاحيات خدمية وتنموية إلى المحافظات، يختلف عن منح جماعة حق الاحتفاظ بجيش وإيرادات وقرار حرب مستقل، فالقرار الأول يمكن أن يقوي الدولة، ولكن الثاني سيمنع اكتمالها.
المؤسسات اليمنية وما يجب استعادته فعلياً
تكشف الحالة اليمنية عن أن الانقسام أصاب أدوات الحكم نفسها، ووفقاً لإصدار ربيع 2025 من التقرير الصادر عن البنك الدولي، بعنوان "الهشاشة المستمرة وسط تزايد الأخطار"، الذي أشار إلى وجود انقسام عميق في اليمن إلى منطقتين اقتصاديتين، مع مؤسسات وسلطات نقدية وأسعار صرف منفصلة، يزيد من التفاوتات ويقوض الجهود الرامية إلى تحقيق التنسيق والاتساق على مستوى السياسات العامة للدولة، فضلاً عن تراجع الإيرادات الحكومية باستمرار بفعل تعطيل صادرات النفط عبر الحوثيين.
ولاحقاً وفي تقرير آخر مايو/ أيار الماضي، أكد البنك الدولي استمرار توقف الصادرات، وضيق القدرة المالية على تمويل الرواتب والخدمات، مع الإشارة إلى خطوات حكومية نحو الاستقرار والإصلاح. ويضع هذا الواقع المواطن أمام دولة تعترف بحقه، لكنها قد تعجز عن الوفاء به.
وهنا يجد الحوثي منفذاً لاستثمار الحاجة، بحيث يتحكم بمؤسسة ما، ويوفر عبرها خدمة محدودة، ثم يستخدمها لتثبيت سلطته، ولا يحتاج اليمنيون إلى شرح إضافي لخطورة الجماعة، بقدر حاجتهم إلى بديل قادر على حماية حياتهم اليومية.
وتبدأ استعادة المؤسسة المالية بضبط الإيرادات والمنافذ وإظهار وجهة الإنفاق، فالمواطن الذي يدفع رسوماً ولا يرى مقابلها خدمة سيفقد ثقته بالجباة، مهما كانت صفتهم السياسية، ولهذا يجب أن تُربط المساعدات والإيرادات برواتب وخدمات قابلة للتحقق، وأن تخضع التعيينات والإنفاق للمساءلة.
وفي القضاء، ينبغي أن ترافق استعادة المناطق حماية السجلات والملفات والأختام ووثائق الملكية، ثم تُراجع الإجراءات التي اتخذتها سلطات الأمر الواقع، وفق قواعد تميز بين المعاملات المدنية التي تحفظ حقوق المواطنين، والقرارات التي كرست المصادرة أو الاضطهاد أو سيطرة الجماعة، لأن إلغاء كل شيء دفعة واحدة، قد يعاقب المواطنين الذين اضطروا إلى التعامل مع تلك المؤسسات.
أما الخدمات فهي الاختبار الذي يراه الناس كل يوم، ويبدأ التعافي حين ينتظم راتب المدرس أو العامل وغيرهم من الموظفين، وحين يجد المريض الدواء والخدمات الاستشفائية متوافرة، ويستطيع النازح أو المهجر أن يثبت حقه في منزله، وأن يستطيع التاجر إيصال بضاعته إلى الأسواق، من دون أن يدفع لكل قوة مسلحة على الطريق، هذه الوقائع هي من تعطي السيادة معناها في حياة المواطن، في أي بلد حول العالم، وليس اليمن وحده.
الخروج من الحرب ممكن
في المحصلة، تثبت الحالات التاريخية أن الخروج من الحرب ممكن وحتمي في النهاية، وأن بناء مؤسسات أقوى ممكن أيضاً، لكنها لا تمنح اليمن ضمانة جاهزة، ففي رواندا برزت قيمة الإدارة والمصالحة وحدود المركزية، وفي سيراليون ظهرت ضرورة معالجة السلاح وموارد الحرب معاً، أما تجربة البوسنة فتحذر من تسوية قد توقف القتال ولكنها قد تترك الحكم أسير الانقسام.
وتبدأ الفرصة اليمنية من رفض الاكتفاء بإعادة إنتاج الدولة، والمطلوب هو إنهاء قدرة الحوثي على فرض الحرب، والاستيلاء على القرار، وبناء مؤسسات تحمي اليمنيين من تكرار تجربة انهيار الدولة عند كل حدث إقليمي، وما يحتاج إليه اليمن هو مؤسسات تحميه من تكرار انهيار الدولة عند كل تصعيد إقليمي، وهذا يقتضي إنهاء قدرة أي جماعة مسلحة على ربط مصير اليمنيين بمصالح داعميها في الخارج، فحين تستمد جماعة ما سلاحها وتمويلها وقرارها من جهة خارجية، تصبح أزمات تلك الجهة سبباً لجر اليمن إلى مواجهات يدفع شعبه ثمنها، وأي تسوية تترك هذا السلاح خارج سلطة الدولة تُبقي باب الحرب مفتوحاً، مهما أعادت توزيع المناصب.
لذلك، لا بد من أن تقترن إعادة بناء الجيش والأمن والقضاء، بضبط مصادر التمويل وإخضاع الإيرادات للقانون، حتى لا تجد جماعة جديدة المال والسلاح والحماية لتعيد التجربة نفسها. وهذا هو الانتصار الذي يستحق أن يُبنى عليه، دولة يستعيد فيها اليمني حقه، ثم يستعيد ثقته بأن أحداً لن ينتزع منه ذلك الحق، بقوة السلاح.
(سوسن مهنأ)