لم يعد النزوح في اليمن مجرد فرار موقت من دوي القذائف وخطوط النار، بل أصبح بالنسبة إلى كثيرين خياراً اضطرارياً للهرب من واقع معيشي وأمني وأيديولوجي تفرضه ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران في مناطق سيطرة الجماعة، ويلقي بظلاله على تفاصيل الحياة اليومية.
فقد ترك ملايين اليمنيين منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن مناطق أكثر آمناً واستقراراً، وفي مقدمها محافظة مأرب، التي تحولت إلى أحد أكبر الملاذات للفارين من مناطق سيطرة الحوثيين. وبين مخيمات النزوح المنتشرة في أنحاء المحافظة، تتكشف حكايات عائلات كانت تعيش حياة مستقرة، قبل أن تجد نفسها أمام خيار قاس: البقاء في منازلها تحت حكم الجماعة، أو مواجهة مرارة النزوح والحياة في الخيم.
لكن ما الذي يدفع عائلات إلى التخلي عن منازلها ومصادر رزقها، وتفضيل حياة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار؟ تكشف شهادات النازحين في مخيمات مأرب عن أسباب تتجاوز الخوف من الحرب، لتشمل الاعتقال التعسفي والتضييق المعيشي، وصولاً إلى القلق على مستقبل الأبناء من التعبئة الطائفية والتجنيد.
ويبرز الخوف على الأطفال والنشء في مقدم الأسباب التي دفعت عائلات إلى مغادرة مناطقها. وتروي أفراح الضحياني، وهي نازحة في مأرب، "نزحنا لسبب واحد، وتفرقنا لغايات كثيرة. السبب أن الحرب وصلت إلى بيوتنا، والغايات أن كل واحد منا كان يحاول إنقاذ شيء مختلف، واحد ينقذ كرامته، وآخر ينقذ لقمة عيشه، وآخر ينقذ أولاده وحياته، والسبب الأساس هو وصول جماعة الحوثي إلى السلطة عبر الانقلاب، واستمرار سيطرتها على مناطقنا".
وتقول الضحياني إن "الصورة أضحت جلية أمام اليمنيين بعد انكشاف عقيدة الجماعة، وتخليها عن التقية التي كانت تمارسها في بداياتها، فلم يكن أحد يعرف بانحراف عقيدتها وفكرها الطائفي إلا قلة قليلة".
وتضيف أن "عديداً من العائلات باتت تفر بعقيدتها وأبنائها خوفاً عليهم من الفكر الطائفي الذي بات حاضراً في كل تفاصيل الحياة، من المناهج إلى المدارس والمساجد التي تحولت إلى مراكز طائفية لتفخيخ النشء".
وترى الضحياني أن النزوح أصبح ضرورة لحماية الأسرة، مؤكدة أن "الحياة في مخيمات النزوح ليست مثالية بالتأكيد، لكنها تظل أفضل بمليون مرة من العيش تحت حكم الجماعة".
الخوف من الاعتقال والتجنيد
اضطر مختار حجر، وهو ناشط من جنوب الحديدة، جراء التصعيد الحوثي، إلى ترك منزله والنزوح إلى مدينة عدن. ويقول إن الناس يفضلون النزوح على البقاء في مناطق سيطرة الحوثيين، لأن وصول الجماعة إلى أي منطقة يخلق جملة من الأسباب التي تدفع السكان إلى المغادرة.
ويوضح أن "المقاتلين سيكونون عرضة للتصفية، وسيكون بقاء عائلاتهم سبباً لابتزازهم، فيما سيكون الناشطون عرضة للاعتقال والإذلال، وربما الموت تحت التعذيب في المعتقلات، والفتيان عرضة للتعبئة الطائفية وغسل العقول والزج بهم في جبهات القتال".
ويضيف أن "وصول الميليشيات إلى أي منطقة يزرع حالاً من الخوف وانعدام الأمان، لأن ذلك يعني تحول المنطقة إلى ساحة حرب أو مركز خلفي للتعبئة والتحشيد والتجنيد، مع تحميل المزارعين وصغار التجار والملاك جبايات لا طاقة لهم بها، تحت تسميات عدة".
ويتابع "المجتمع بات يرى في وصول الحوثيين إلى أي منطقة ما يشبه انتشار الطاعون الذي لا يستطيع السكان التعامل معه، فيغامرون بالمغادرة، حتى وإن كان المصير الذي يتجهون إليه مجهولاً".
السجون والتضييق المعيشي
من جانبه يروي عبدالله حسن، الذي نزح قبل 10 أعوام من محافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر إلى مأرب شرق البلاد، أن ثمن البقاء في مناطق سيطرة الحوثيين يتمثل في "الملاحقات الأمنية والتضييق المعيشي والكبت والسجن والتنكيل"، مستشهداً بتجربة أخيه الذي اعتقل أربعة أعوام في سجون الجماعة، ووالده الذي أمضى ثلاثة أعوام ونصف العام في المعتقل، على خلفية تهم كيدية، بحسب روايته.
ويضيف حسن "أي منطقة يدخلها الحوثيون تتحول إلى منطقة أشباح. فالساحل الغربي مثلاً كان يضج بالحيوية والنشاط التجاري وفرص العمل البسيطة للجميع، عندما كان تحت سيطرة الحكومة الشرعية، لكن فور سيطرة الجماعة أظلمت الحياة وتوقفت الأرزاق".
ويتابع "أعرف مزارعين كانوا يملكون أراضي زراعية واسعة هناك، تركوا كل شيء وجاؤوا إلى مأرب ليعملوا إجراء باليومية في مواسم حصاد البصل والبطاطا، لتوفير مصاريف أسرهم. وإلى جانب الفقر، يهرب الناس من شحن المناهج والمراكز الصيفية والدواوين والمساجد بالأفكار الطائفية والمناسبات الإجبارية، إذ يفر المرء حتى لا يرى أبناءه يتشربون هذا الفكر الطائفي".
من المنازل إلى الخيم
وفي أحد مخيمات النزوح شمال مدينة مأرب، يشير أحمد عز الدين، النازح من مديرية نهم، إلى أحد المخيمات قائلاً "كل هؤلاء من شرق صنعاء، من مناطق باردة ومريحة، وهاجرنا من بلادنا من أجل الدين والعرض والوطن، ولم نخرج لأطماع دنيوية أو مصالح أو لأي شيء آخر".
ويشير عز الدين إلى قسوة الانتقال من الأجواء الباردة في جبال نهم إلى واقع الحياة داخل الخيم، في مقارنة تختصر جانباً من المعاناة التي يواجهها النازحون بعدما تركوا منازلهم ومناطقهم الأصلية.
أما أحمد حسن، الذي نزح قبل أكثر من شهر من الساحل الغربي إلى مأرب، فيقول إن "المعاناة تحت سيطرة الحوثيين كبيرة جداً، معاناة نفسية ومالية واقتصادية، ومن جميع الجوانب. هنا في النزوح قد تتعب جسدياً ومادياً، لكن هناك، في مناطق الحوثيين، تشمل المعاناة جميع الجوانب، حتى أمانك الشخصي مفقود، فلا أنت آمن، ولا أهلك، ولا بيتك، وفي أي لحظة قد يداهمونك، وفي أي لحظة قد يحدث شيء جديد".
مأرب تحت وطأة النزوح والتصعيد
وأعلنت السلطات المحلية في محافظة مأرب أول من أمس الأحد، أن جماعة الحوثي المدعومة من إيران أطلقت ثمانية صواريخ باليستية على المدينة.
وجاء ذلك في بيان مقتضب نشره حساب محافظة مأرب على "فيسبوك"، أفاد بأن "ميليشيات الحوثي الإرهابية أطلقت ثمانية صواريخ باليستية على مدينة مأرب الآهلة بالسكان"، من دون الكشف عن مواقع سقوط الصواريخ أو ما إذا كان القصف أسفر عن خسائر بشرية أو مادية.
وتكتسب مأرب أهمية إنسانية لاحتضانها أكثر من 2.2 مليون نازح، بحسب تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، إلى جانب أهميتها العسكرية والاقتصادية، بوصفها أحد أبرز معاقل الحكومة اليمنية ومركزاً لإنتاج النفط والغاز.
وكشف تقييم أجرته المنظمة الدولية للهجرة خلال شهري أبريل/ نيسان وماي/ أيار الماضيين، وشمل النازحين داخلياً في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، عن أن محافظة مأرب لا تزال تستضيف نحو 60% من إجمال النازحين في تلك المناطق.
وأشارت المنظمة إلى أن هذا التركيز المرتفع يعكس استمرار دور مأرب بوصفها وجهة رئيسة للنازحين الفارين من النزاعات وعدم الاستقرار في محافظات أخرى، نظراً إلى موقعها الجغرافي، وتنوع خيارات الإقامة للنازحين فيها، وسهولة وصول المساعدات الإنسانية إليها مقارنة بالمحافظات الأخرى.
ربع مليون نازح
وفي أحدث مؤشر إلى تفاقم أزمة النزوح، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، نزوح أكثر من 250 ألف شخص داخل اليمن منذ أغسطس/ آب الماضي.
وقال المتحدث باسم المفوضية ماثيو سالتمارش للصحافيين في جنيف إن المنظمة "تشعر بقلق بالغ إزاء تفاقم وضع النزوح في اليمن، إذ تجاوز عدد النازحين حاجز الـ250 ألف شخص"، موضحاً أن هؤلاء نزحوا داخل البلاد خلال الفترة من الأول من أغسطس حتى الـ17 من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
(هشام الشبيلي)