قبل ساعات من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي التي تنطلق في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بدت انقسامات علانية داخل الحزب الديمقراطي فجرها المرشح لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشغان عبدالرحمن السيد (عبدول السيد).
أول أمس الجمعة، بدا مشهد يشبه ما يمكن وصفه بانتفاضة الجناح المعتدل التقليدي داخل الحزب ضد قوة صاعدة أكثر راديكالية يقودها السيناتور الرفيع بيرني ساندرز، إذ انتقدت رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة والتي تعد واحدة من كبار قادة الحزب الديمقراطي نانسي بيولسي، في حديثها مع بودكاست "أون براند"، آراء السيد الراديكالية وعدت تصريحاته في شأن عدم وجود دولة يهودية أمراً يتجاوز القلق وأنه خطأ، قائلة إنه "لا يمثل توجهات الديمقراطيين داخل كونغرس الولايات المتحدة، أما بالنسبة إلى هذا الشخص الجديد في ميشيغان، فسنرى ما إذا كان سينتخب لعضوية الكونغرس أم لا".
شملت انتقادات بيولسي في هذا الصدد زهران ممداني عمدة نيويورك، على رغم أن المتحدث باسمها أوضح لاحقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" أن الحزب الديمقراطي موحد وأنها تؤيد ترشيح السيد لمجلس الشيوخ.
تصدع علني في جبهة الديمقراطيين
غير أن الأمر لم يقتصر على بيولسي، فالخلافات تدب داخل الحزب منذ أشهر في شأن آراء الجناح التقدمي المتشدد داخل الحزب، وتصاعد الأمر نهاية الأسبوع عندما تبادل عبدول السيد والنائبة الديمقراطية هيلي ستيفنز الانتقادات علانية، مما أثار استياء الديمقراطيين الذين يرون أن هذه الخلافات الداخلية تهدد فرص الحزب في ولاية لا يستطيع تحمل خسارتها، تزامناً مع سعيه إلى استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ.
أعلنت ستيفنز في البداية أنها ستشارك إلى جانب السيد والنائب عن ولاية كارولاينا الجنوبية جيم كلايبورن ضمن فعالية انتخابية مشتركة تُقام داخل كنيسة يرتادها غالبية من السود في ديترويت اليوم الأحد، لكنها قالت إنها تتوقع من المرشح الديمقراطي تقديم اعتذار عن بعض تصريحاته السابقة وإدانة إعلان بثته مجموعة داعمة له، وُصف بأنه مُعادٍ للسامية.
وفي رده لم يتطرق السيد إلى الإعلان أو إلى تصريحاته السابقة في شأن إسرائيل، وذهب إلى القول إن موقف ستيفنز يتعلق بخسارتها الانتخابات التمهيدية أمامه، قائلاً "تبدو عازمة على إعادة فتح ملف الانتخابات التمهيدية التي انتهت قبل ثلاثة أشهر"، ليتطور الأمر بينهما إلى سحب السيد دعوته للنائبة الديمقراطية للمشاركة في فعالية اليوم، وهو ما اعتبرته صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، تصدعاً في جبهة الديمقراطيين أمام الأنظار.
ديمقراطيون يدعمون المرشح الجمهوري
ودخل خطيب ستيفنز على الخط، إذ تحدث جيسون توركيش لشبكة "فوكس نيوز" قائلاً إن المواطنين الديمقراطيين اليهود يشعرون بقلق بالغ إزاء الخلاف المتصاعد بين ستيفنز والسيد، ومشيراً إلى أن العائلات التي تنتمي للحزب الديمقراطي منذ أمد طويل تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل مع الموقف، في ظل الانتقادات الموجهة لعبدول السيد حول آرائه تجاه إسرائيل، وطريقة تعامله مع إعلان معادٍ للسامية.
وأكد كل من توركيش وديفيد كرامر رئيس حملة ستيفنز السابق أنهما سيصوتان للمرشح الجمهوري مايك روجرز بدلاً من السيد، إذ قال توركيش في مقابلة مع صحيفة "ديترويت نيوز" الأربعاء الماضي إنه لاحظ "تصعيداً" في خطاب السيد منذ فوزه ضمن الانتخابات التمهيدية، مضيفاً "لم نرَ قط مرشحاً لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي يتصرف بمثل هذا التهور تجاه سلامة اليهود في المجتمع، كما رأينا من قبل عبدول".
فيما قال ديفيد كرامر الذي شغل أيضاً منصب رئيس اللجنة المالية لحملة السيناتور الديمقراطية إليسا سلوتكين إنه لا يزال "ديمقراطياً فخوراً" ويساوره بعض القلق، لكنه يرى أن التصويت لمصلحة روجرز سيكون أكثر تأثيراً من ترك ورقة الاقتراع فارغة.
وأثار الخلاف صدمة لدى قيادات ديمقراطية أخرى في ميشيغان، كانت أمضت الأيام الأخيرة في محاولة لرأب الصدع بين السيد وستيفنز. وفي بيان لها، قالت عضو مجلس شيوخ الولاية مالوري مكمورو التي انسحبت من الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ "قد تكون ميشيغان الولاية التي تحسم السيطرة على مجلس الشيوخ... هذا هو الرهان لا أكثر ولا أقل وسكان ميشيغان يدركون ذلك جيداً"، مضيفةً بلهجة حادة "كفوا عن هذا الهراء وركزوا على المهمة واطرقوا الأبواب وحثوا الناس على التصويت، وهذا كل ما في الأمر".
اللافت أن عدداً من القادة الديمقراطيين أحجموا عن إعلان تأييدهم للسيد على رغم تأكيدهم وحدة الموقف داخل الحزب الديمقراطي، إذ أعلنت النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشغان هيلاري شولتين بوضوح رفضها تقديم الدعم الرسمي للسيد، مشيرة في مقابلة مع "فوكس نيوز" إلى أن هناك قضايا تعدها "متطرفة للغاية" ولا يمكنها تبنيها، وانتقدت رفضه إدانة النظام الإيراني وما يمارسه من عنف ضد النساء، قائلة "بالنسبة إلي فإن هذه القضايا تتجاوز ما يمكنني قبوله لمنح تأييدي".
انشقاق داخل مجلس النواب
شهد الأسبوع الأخير لانعقاد مجلس النواب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي تبادلاً حاداً للاتهامات داخل الجلسات المغلقة بين الأعضاء الديمقراطيين، وذلك في أعقاب سلسلة من حالات التمرد البارزة بعدما أسهم النائبان ماري غلوسينكامب بيريز من واشنطن وجاريد غولدن من مين في توفير الأصوات اللازمة للقيادة الجمهورية، لتمرير حزمة من مشاريع القوانين التي يطرحها الجمهوريون بما في ذلك مشروع قانون لفرض عقوبات على روسيا، وهو إجراء عارضه قادة الحزب الديمقراطي بشدة.
كانت هذه المرة الثانية خلال سبتمبر/ أيلول الماضي التي يخرج فيها النائبان اللذان يتبنيان مواقف وسطية عن توجيهات القيادة في تصويت إجرائي، وذلك على رغم التهديدات العلنية التي وجهها لهما قادة الديمقراطيين بمن فيهم زعيم الأقلية حكيم جيفريز بفرض عقوبات في المرة الأولى. وقال نائب ديمقراطي لموقع "أكسيوس" إن "بعضاً ظن أن المرة الأولى كانت مجرد خطأ، لكن تكرار الأمر في المرة الثانية يعد تمرداً"، مشيراً إلى أن النائبين "يتصرفان وكأنهما فوق الكتلة الديمقراطية".
ويعكس المشهد داخل مجلس النواب انقساماً شديداً داخل الحزب الديمقراطي بين التيار الوسطي التقليدي والتيار التقدمي الراديكالي، إذ يتصاعد التوتر على خلفية تباين الرؤى في شأن الانضباط الحزبي وإستراتيجية مواجهة الرئيس دونالد ترمب، ويخشى بعض النواب أن تتفاقم هذه الانقسامات إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، خصوصاً مع احتمال وصول مزيد من الأعضاء ذوي التوجهات المستقلة والميول اليسارية، بما قد يجعل مهمة القيادة في ضبط الكتلة وتوحيد مواقفها أصعب.
وتتركز الخلافات حول ما يراه التقدميون ازدواجية في تعامل قيادة الحزب مع الانشقاقات، فيشكو بعضٌ من أن الأصوات التقدمية تتعرض لانتقادات حادة بسبب تحركاتها المنفردة، بينما يُظهر القادة تساهلاً أكبر مع النواب الوسطيين. وفجر تمرد بيريز وغولدن هذه المواجهة، خصوصاً بعد تلويح النائبة كاثرين كلارك بإمكانية ربط الالتزام الحزبي بالحصول على مقاعد ضمن اللجان المؤثرة، وفي المقابل يرى الوسطيون أن بعض التحركات التقدمية مثل محاولة عزل ترمب التي دفع بها النائب آل غرين دون تنسيق مع القيادة تشتت رسالة الحزب، وتضعف قدرته على التحرك ككتلة موحدة.
ديمقراطيون يتبنون مواقف محافظة
وداخل ولايات أخرى حيث يشتد السباق الانتخابي بين مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، أبدى بعض الديمقراطيين مواقف أكثر محافظة، إذ فوجئ مؤيدون للحزب الديمقراطي بتغير مواقف المرشحين حول قضايا المثليين والمتحولين جنسياً، وفق وكالة "رويترز".
وأوضحت "رويترز" أن بعض المرشحين الديمقراطيين اقتربوا من مواقف الجمهوريين إزاء مشاركة المتحولين جنسياً في الرياضات النسائية والرعاية الصحية الداعمة للهوية الجنسية للقاصرين، بينما يسعى آخرون إلى إعادة توجيه النقاش نحو الاقتصاد المتعثر والحرب مع إيران، وتتجلى هذه الإستراتيجيات المختلفة بوضوح داخل ولايتي آيوا وأوهايو اللتين هيمن عليهما الجمهوريون خلال عهد ترمب، ولكنهما تشهدان الآن منافسة حامية على مقاعد الكونغرس ومناصب حكام الولايات.
وقبل انتخابات الثالث من نوفمبر المقبل جدد المرشحون الجمهوريون الذين يواجهون معارك انتخابية صعبة هجماتهم على حقوق المتحولين جنسياً، وهي رسالة يقول الإستراتيجيون السياسيون إنها ساعدت ترمب وحزبه على الفوز بالسيطرة الكاملة على ولاية واشنطن عام 2024.
ويرى مراقبون تحدثوا إلى "رويترز" أن قدرة الديمقراطيين داخل ولايات الغرب الأوسط على إقناع الناخبين المعتدلين بمواقفهم من قضايا المتحولين جنسياً أو تغيير مسار النقاش في شأنها، ستحدد مدى نجاحهم في استعادة دعم الناخبين المحافظين ثقافياً، وقد تشكل نتائج هذا التوجه مؤشراً إلى كيفية تعامل مرشحي الحزب في الانتخابات الرئاسية لعام 2028 مع هذه القضية، فيما يحذر منتقدون من أن تبني مواقف أقرب إلى الجمهوريين لن يضمن كسب أصوات جديدة، بل قد يؤدي إلى نفور ناخبي مجتمع الميم والجناح التقدمي داخل الحزب.
(إنجي مجدي)