حين بدأ الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية عام 2009، كانت قذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا من أبرز الأسلحة المستخدمة في استهداف المناطق القريبة من الشريط الحدودي جنوب المملكة، قبل أن تتسع الهجمات خلال الأعوام التالية لتصل إلى مناطق بعيدة من ساحات القتال، حيث المطارات والأحياء السكنية وحياة الناس اليومية.
وكانت سيطرة الميليشيات على أجزاء من اليمن عام 2014 محطة في هذا التحول، بعدما وضعت يدها على مخزونات من أسلحة الجيش اليمني، ثم أضافت إليها ما طورته محلياً بمساعدة طهران وما وصل إليها عبر طرق التهريب.
وبحلول عام 2016، أصبحت الصواريخ الباليستية من وسائل هجمات الجماعة، قبل أن تتوسع لاحقاً في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة، وتمتد اعتداءاتها من المناطق الجنوبية إلى وسط المملكة وشرقها، وصولاً إلى منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة اللتين تستقبلان ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار.
وتواصل الدفاعات الجوية السعودية التصدي لهذه الهجمات باستخدام منظومات اعتراضية متعددة، من بينها "ثاد" و"باتريوت"، غير أن الخطر لا ينتهي دائماً عند اعتراض الصواريخ، إذ قد تتساقط أجزاء منها وشظاياها في مناطق مأهولة، فيما أوقعت اعتداءات أخرى قتلى وجرحى وعطلت حركة الطيران.
وعلى رغم أن عناصر ميليشيات الحوثي يرددون شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل"، فإن صواريخهم ومسيّراتهم ظلت تستهدف أراضي المملكة لأكثر من عقد، بما في ذلك المطارات والمنشآت المدنية والمناطق السكنية.
وبلغة الأرقام، أظهر حصر أجرته "اندبندنت عربية" لبيانات المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي عبر منصة "إكس"، بلوغ الحصيلة التراكمية المحسوبة 2320 صاروخاً وطائرة مسيّرة حتى الـ31 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
واستند الحصر إلى إحصاء أعلنته القوات المشتركة في منتصف أكتوبر، يغطي الفترة من 26 مارس/ آذار 2016 حتى 15 أكتوبر 2026، وسجل 1104 صواريخ باليستية و1135 طائرة مسيّرة، أضيفت إليها الاعتراضات المعلنة بعد صدور الإحصاء وحتى الـ31 من أكتوبر الماضي.
وفي أحدث موجات التصعيد، أظهر حصر لبيانات قوات التحالف اعتراض وتدمير 133 صاروخاً وطائرة مسيّرة بين الـ24 من سبتمبر/ أيلول والـ31 من أكتوبر الماضيين، شملت 59 صاروخاً باليستياً و11 صاروخاً مجنحاً من نوع "كروز" و63 طائرة مسيّرة.
مكة والمدينة في نطاق الاستهداف
وامتدت الاعتداءات الحوثية إلى منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، عبر هجمات ومحاولات استهداف حملت حساسية خاصة بالنظر إلى مكانة المنطقتين اللتين تحتضنان أكثر المواقع الإسلامية قداسة وتستقبلان ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار.
وتعود أول محاولة معلنة لاستهداف منطقة مكة المكرمة لأكتوبر عام 2016، حين أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون من محافظة صعدة، وتدميره على بعد 65 كيلومتراً من المدينة. وتكررت المحاولة في يوليو/ تموز 2017، عندما اعترضت الدفاعات السعودية صاروخاً آخر فوق منطقة الواصلية في محافظة الطائف، على بعد 69 كيلومتراً من مكة المكرمة.
وتجددت الهجمات في سبتمبر الماضي، إذ أعلنت قوات التحالف اعتراض مسيّرة جنوب مكة المكرمة في الـ16 من الشهر نفسه، قبل أن تتهم الحوثيين باستهداف محطة "طيبة" لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة في الـ29 من سبتمبر الماضي، وهي منشأة تقدم خدمات الكهرباء للمسجد النبوي الشريف، مما أدى إلى خروج أحد المحولات عن الخدمة من دون تأثر الشبكة الكهربائية.
وفي الـ24 من أكتوبر الماضي، أعلن الدفاع المدني السعودي سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وشملت مواقع سقوط الحطام وادي المغمس في مكة وأحياء ومواقع في جدة والطائف ورابغ. وأول من أمس الجمعة، أعلنت قوات التحالف اعتراض وتدمير طائرتين مسيّرتين، إحداهما في منطقة مكة المكرمة والأخرى في منطقة المدينة المنورة.
ولم تكُن المطارات المدنية بمنأى عن الاعتداءات، إذ طاولت الهجمات مطارات الرياض والدمام وأبها، وكان أشدها دموية الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية في الـ10 من أكتوبر الماضي الذي خلف 12 قتيلاً و309 جرحى، وفق البيانات الرسمية، وأدى إلى تعليق العمليات التشغيلية موقتاً.
وانتشرت مقاطع مصورة من كاميرات المراقبة توثق لحظة سقوط مقذوف داخل إحدى صالات المطار، بينما كان معتمرون يرتدون ملابس الإحرام البيضاء يستعدون للسفر إلى جدة لأداء مناسك العمرة، قبل أن يتحول المشهد إلى حال من الذعر وسط دوي الانفجار وتناثر الحطام وتدافع المسافرين بحثاً عن ملاذ آمن.
وأثارت تلك الهجمات إدانات عربية، فيما وصف نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، خلال اجتماعه مع سفراء الدول العربية في أكتوبر الماضي، الاعتداءات الحوثية على المنشآت المدنية والاقتصادية والمطارات بأنها "جرائم حرب مكتملة الأركان"، متهماً الجماعة بتعمد استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة والمعتمرين والزوار، ومؤكداً أن البلاد ستتخذ الإجراءات المشروعة للدفاع عن أراضيها وحماية المواطنين والمقيمين والزائرين.
ترسانة ميليشيات الحوثي
وتضم الترسانة الحوثية صواريخ باليستية ومجنحة ومضادة للسفن والدروع، فضلاً عن طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، تتنوع مصادرها بين مخزونات الجيش اليمني والأسلحة والمكونات ذات المنشأ الإيراني، وفق دراسات لمراكز أبحاث دولية وتقارير خبراء الأمم المتحدة.
واستخدمت الميليشيات صواريخ "قاهر-1" المعدلة من منظومات دفاع جوي سوفياتية بمدى يبلغ نحو 250 كيلومتراً، وصواريخ "بدر" قصيرة المدى، إضافة إلى "توشكا" و"سكود"، قبل ظهور عائلة "بركان" التي تراوح مديات صواريخها ما بين 800 و1200 كيلومتر.
وبحسب "مركز ويلسون" الأميركي، تشمل الترسانة أيضاً صاروخ "حاطم" بمدى يصل إلى 1450 كيلومتراً و"طوفان" الذي يقدر مداه بنحو 1950 كيلومتراً.
وفي سبتمبر عام 2024، أعلنت الميليشيات امتلاك صاروخ باليستي يحمل اسم "فلسطين-2"، ووصفته بأنه فرط صوتي، بمدى معلن يبلغ 2150 كيلومتراً وسرعة تصل إلى 16 ضعف سرعة الصوت، غير أن قدراته المعلنة على المناورة بهذه السرعات لم تتأكد بصورة مستقلة.
وتشمل الترسانة أيضاً صواريخ مجنحة من عائلة "قدس"، أبرزها "قدس-1" بمدى يقدر بما بين 700 و800 كيلومتر، و"قدس-2" الذي أعلنت الميليشيات استخدامه لاستهداف منشأة نفطية في جدة خلال نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2020.
وفي المجال البحري، تضم أسلحة الميليشيات صواريخ مضادة للسفن، من بينها "المندب-1" المرتبط بالصاروخ الصيني "C-801"و"المندب-2" المرتبط بتصميمات إيرانية، فضلاً عن صواريخ مجنحة مثل "صياد" و"سجيل"، وصواريخ باليستية مضادة للسفن من بينها "عاصف" و"فالق" و"تنكيل"، استخدم بعضها في تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وفق دراسات لـ"المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" (IISS) .
أما الطائرات المسيّرة، فتشمل طرازات "قاصف-1" و"قاصف-2K" الهجومية، إضافة إلى عائلة "صماد" بعيدة المدى، وأبرزها "صماد-3"، فضلاً عن مسيّرات استطلاع مثل "راصد" و"رقيب" و"هدهد-1"، وطائرات هجومية من عائلة "وعيد" المرتبطة بتصميمات إيرانية.
وتشير تقارير دولية من بينها دراسات "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" وتقارير خبراء الأمم المتحدة، إلى ارتباط عدد من هذه المنظومات بتصميمات ومكونات إيرانية. وخلص تحليل نشره المعهد في أبريل/ نيسان عام 2025 إلى أن الحوثيين، على رغم تقدم قدراتهم على التصنيع والتجميع المحلي، لا يزالون يعتمدون على إيران للحصول على التقنيات الأساسية والقدرات العسكرية المتقدمة.
وكشف المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، خلال مؤتمر صحافي عقد منتصف أكتوبر الماضي وحضرته "اندبندنت عربية"، عن أن ميليشيات الحوثي حصلت على تقنيات عسكرية متقدمة بمساعدة أطراف إقليمية، لتصبح، بحسب وصفه، "أول جماعة إرهابية تمتلك صواريخ باليستية وطائرات هجومية وانتحارية وزوارق سريعة مفخخة".
ورأى المالكي أن وصول هذه القدرات إلى الميليشيات يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية منع الجماعات الإرهابية من الحصول على الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وخلال حوار سابق أجرته "اندبندنت عربية" مع مساعد وزير الدفاع اليمني لشؤون التعاون الدولي اللواء سمير الحاج الصبري، عزا تفوق الحوثيين في القوة النارية إلى الدعم والتدريب اللذين تتلقاهما الجماعة من أربع دول، مشيراً إلى إيران بوصفها الحليف الرئيس، فضلاً عن لبنان والعراق، ودولة رابعة لم يسمِّها، قال إنها تقدم دعماً لوجستياً عبر تسهيل تهريب الأسلحة وإيواء كوادر سياسية وتوفير منابر إعلامية للحوثيين.
وأكد أن هذه الأطراف تتعاون في تدريب عناصر الجماعة وتأهيلهم وتسليحهم، مضيفاً أن السلطات ضبطت شحنات أسلحة عدة، فيما وصلت النسبة الكبرى منها إلى الحوثيين.
كيف تواجه السعودية هذه الأسلحة؟
في مواجهة هذه الترسانة، تعتمد السعودية على شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تجمع بين الرادارات وأنظمة الإنذار الباكر والصواريخ الاعتراضية والمقاتلات الحربية، للتعامل مع التهديدات بحسب نوعها وسرعتها وارتفاعها.
وأوضح الخبير الإستراتيجي والعسكري السعودي فيصل الحمد خلال حديث إلى قناة "العربية"، أن منظومة "ثاد" الأميركية تمثل إحدى أحدث وسائل التصدي للصواريخ الباليستية في طبقات الجو العليا، وتستخدم راداراً متطوراً من طراز AN/TPY-2 لرصد التهديدات وتتبّعها من مسافات بعيدة، فضلاً عن دوره في الإنذار الباكر، بينما تعتمد الصواريخ الاعتراضية للمنظومة على الاصطدام المباشر لتدمير أهدافها.
وأشار إلى أن منظومة "باتريوت" تُعد من أبرز وسائل الاعتراض لقدرتها على التعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات، بما فيها الصواريخ الباليستية والمجنحة، باستخدام صواريخ من طرازي PAC-2 وPAC-3، وتعتمد الأخيرة على الاصطدام المباشر بالهدف، فيما قد تتطلب بعض العمليات إطلاق صاروخين اعتراضيين نحو هدف واحد لزيادة فرص تدميره.
وبيّن الحمد أن منظومات "هوك" و"شاهين" و"سكاي غارد" و"ستينغر" توفر وسائل إضافية للتصدي للأهداف القريبة والمنخفضة الارتفاع، فيما تسهم مقاتلات "أف 15" و"يوروفايتر تايفون" التابعة للقوات الجوية الملكية السعودية في مهام الاعتراض الجوي.
وتفرض الصواريخ المجنحة من نوع "كروز" تحدياً خاصاً، إذ تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة واتباع مسارات تستفيد من التضاريس الطبيعية لتقليل فرص اكتشافها بالرادارات، بخلاف الصواريخ الباليستية التي تتبع مساراً يرتفع إلى طبقات الجو العليا قبل العودة نحو أهدافها.
ولفت الحمد إلى أن اختلاف شدة الأصوات الناتجة من عمليات الاعتراض يرتبط بطبيعة الهدف وارتفاعه والمسافة الفاصلة بين موقع الانفجار والمناطق السكنية، إذ تكون أصوات انفجارات الصواريخ الباليستية أكبر في بعض الحالات بسبب حجم رؤوسها الحربية، مقارنة بالطائرات المسيّرة الأصغر حجماً.
وفي سياق التحديات الدفاعية المشتركة التي تواجهها دول الخليج أمام الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تناولت دراسة نشرها "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" (IISS) أول من أمس، أداء الدفاعات الجوية والصاروخية الخليجية في التصدي للهجمات، مشيرة إلى أن الدفاعات المتكاملة يمكن أن تكون فاعلة حتى في مواجهة الهجمات المكثفة، إذا توافرت مخزونات كافية من الصواريخ الاعتراضية ووسائل التصدي الأخرى.
وأكدت الدراسة أن حجم المخزونات والقدرة على تعويض المستهلك منها بسرعة عاملان حاسمان خلال المواجهات الممتدة، وأن تعزيز التكامل الدفاعي الإقليمي وتبادل بيانات رصد الصواريخ وتتبّعها عبر الحدود من شأنهما تحسين القدرات الدفاعية.
(محمد غرسان)