13 يونيو 2026
13 يونيو 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


عن حديث اللحظة في جنوب اليمن، لا يمكن إغفال شخصية وزير الخدمة المدنية سالم ثابت العولقي، الذي برز اسمه مؤخراً في حكومة الرئيس شائع الزنداني، والتي جاءت بعد مرحلة عاصفة في البلاد.

والعولقي، الذي شغل سابقاً منصب الناطق الرسمي وعضوية المجلس الانتقالي الجنوبي، كما كان عضواً في هيئة التشاور والمصالحة المُشكّلة بقرار رئاسي عام 2022، تتضمن سيرته عدداً من المحطات البارزة، من بينها تقديم استقالته من رئاسة الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني في سبتمبر/ أيلول 2025، مبرراً قراره بوجود معوقات وتحديات حالت دون تنفيذ الإصلاحات التي كان يعمل عليها في هذا القطاع.

وجاء تعيينه في حكومة الدكتور شائع الزنداني، التي تشكلت في الـ18 من فبراير/ شباط الماضي، باعتباره شخصية جنوبية فاعلة ووازنة ضمن سلسلة من التغييرات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب، وتزامن ذلك مع التحركات التي قادتها القوات الحكومية في محافظات حضرموت والمهرة وشبوة نهاية العام الماضي، والتي أفضت إلى إنهاء نفوذ كيان سياسي كان يتزعمه عيدروس الزبيدي، وهو الذي كان يتبنى مشروع استعادة دولة الجنوب السابقة التي دخلت في وحدة مع الشمال عام 1990.

بين تركة الحوثي.. ومهام الدولة

ظروف صعود العولقي، وحديث الناس عن مهامه في الحكومة الجديدة، دفعنا إلى إجراء هذا الحوار، وفي مقر وزارة الخدمة المدنية بمنطقة خور مكسر في العاصمة الموقتة عدن، فتح لنا الوزير قلبه ولكل أسئلتنا برحابة وسط جموع الطارقين مكتبه، حيث إجراءات المرتبات ومعاشات التقاعد والتظلمات، تتزاحم بها طوابير المراجعين عقب أعوام طويلة من الانقلاب وانقطاع المعاشات، كان استيعابه متقداً لكل الاستفسارات حتى وإن تداخلت مع مهامه اليومية.

وهو الذي باح لـ"اندبندنت عربية" عما وجده من "تركة ثقيلة"، وتحديات متراكمة نتجت "عن ظروف الحرب والانقسام المؤسسي الذي شهدته البلاد خلال الأعوام الماضية وهي تحديات لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم وتؤثر بصورة مباشرة في أداء الجهاز الإداري للدولة".

ومن أبرز هذه التحديات "استمرار الحاجة إلى استكمال وتحديث قواعد بيانات موظفي الدولة وربطها إلكترونياً بما يضمن دقة المعلومات وسلامة الإجراءات المتعلقة بالوظيفة العامة، وهو ملف يحظى بأولوية كبيرة لدينا".

وتمثل له قضية التقاعد "أحد أهم التحديات القائمة، بعد سطو ونهب ميليشيات الحوثيين الصناديق التقاعدية، مما انعكس على قدرة الدولة على معالجة ملفات الإحالة إلى التقاعد بالشكل المطلوب، وأدى إلى تراكم أعداد من الموظفين المستحقين واستمرار تحمل الموازنة العامة أعباء إضافية".

يشير الوزير إلى عقبات أخرى تعترضه وتتمثل في "الاختلالات التي شهدتها بعض الجهات الحكومية في إدارة الموارد البشرية خلال الأعوام الماضية، سواء في ما يتعلق بالتعاقدات أو توزيع القوى العاملة".

وهو ما يتطلب "تنفيذ إصلاحات إدارية وتنظيمية تحقق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية وتعزز كفاءة الأداء المؤسسي".

وأمام ذلك لا يغفل التطرق إلى "التحدي المرتبط بالأوضاع الاقتصادية والمالية التي تمر بها الدولة وأثرت في قدرة الحكومة في استحداث وظائف جديدة واستيعاب مخرجات التعليم، مما أوجد فجوة بين أعداد الخريجين وفرص التوظيف المتاحة في القطاع الحكومي".

وقال إن وزارته "وفق رؤية إصلاحية تهدف إلى تطوير منظومة الخدمة المدنية، وتعزيز التحول الرقمي، وتحسين إدارة الموارد البشرية، وتحديث التشريعات والإجراءات بما يسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة وقدرة على تلبية متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية".

تسويات بقرار سيادي

إزاء هذه المشكلات يبرز السؤال عن مواجهة التزامات المعالجات المستحقة في ظل شح إمكانات الدولة والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، يقول إننا "حرصنا منذ تولينا مسؤولية الوزارة على ألا تشكل هذه التحديات عائقاً أمام تنفيذ برنامج الإصلاح والتطوير الذي نتبناه، ولذلك نعمل على معالجة التحديات القائمة لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع".

ويعرج على جملة المهام التي بدأ بها عمله وتركزت على "دراسة وتقييم الالتزامات والحقوق الوظيفية المتراكمة على الدولة وترتيبها وفق الأولويات والإمكانات المتاحة، وإعداد المقترحات والمعالجات اللازمة ورفعها إلى مجلس الوزراء بهدف التخفيف من الأعباء المعيشية على الموظفين ومعالجة الاختلالات المتراكمة في قطاع الخدمة المدنية، ووجدنا دعماً واهتماماً كبيرين من دولة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الدكتور شائع محسن الزنداني، الذي أولى هذه الملفات اهتماماً خاصاً ودفع باتجاه إيجاد معالجات عملية لكثير من القضايا العالقة البدء في عملية الإصلاح الإداري للوزارة والجهات التابعة لها".

ولحل مشكلة تراكم معاملات موظفي القطاع الحكومي عقب 10 أعوام من الاختلال الإداري الكبير نتيجة للانقلاب الحوثي ثم الصراع البيني داخل قوى الشرعية، يؤكد العولقي تركيزه على "رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات وتسريع إنجاز المعاملات والتسويات الأكاديمية المتراكمة واستمرار صرف العلاوات السنوية المتأخرة للأعوام (2014 - 2020) وإصدار كشوفات مرتبات النازحين (الموظفين القادمين من مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران التي ترفض صرفها لهم) للعام 2025 وصرف دفع عدة من معاشات العائدين المشمولين بالقرار رقم (7) (المسرحين الجنوبيين بعد حرب صيف 1994 التي انتهت باجتياح القوات الشمالية الجنوب وتثبيت الوحدة بالقوة) وتعزيز الرقابة والمتابعة على الوحدات التابعة للوزارة"، إضافة إلى "إعادة تنظيم العمل الإداري داخل ديوان الوزارة وتبسيط الإجراءات وتطوير بيئة العمل".

بدل غلاء

أمام موجات الغلاء السعري المتزايد توجت هذه الإجراءات وفقاً للعولقي "بإقرار مجلس الوزراء حزمة من القرارات المهمة في مايو/ أيار الماضي، من أبرزها اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لجميع موظفي الدولة، مع معالجة مستحقات العلاوات للمرة الأولى منذ 13 عاماً بما في ذلك تنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية للكوادر الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، إضافة إلى إقرار صرف العلاوات السنوية المستحقة للأعوام 2021- 2024 لجميع موظفي وحدات الخدمة العامة".

وشمل هذا مسار المعالجات "البدء بإجراءات إصلاحية في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والعمل على تجهيز دراسة هندسية لإعادة تأهيل المعهد الوطني للعلوم الإدارية، والعمل على معالجة عدد من الاختلالات الإدارية والمالية، والبدء بمراجعة ملفات الاستثمار التابعة للهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، والعمل مستمر على تعزيز كفاءة هذه المؤسسات وتمكينها من أداء مهامها بصورة فضلى".

تغييب الكفاءات.. الخلل التاريخي

في بلد كاليمن يبرز جلياً حال اختلال قطاع الموارد البشرية الذي يشكل إعاقة كبرى للجهاز الإداري للدولة خلال فترات تاريخية ممتدة تكرست تبعاته بتغييب الكفاءات المؤهلة وإحلال مقابلها الولاء.

في هذا الشأن يوجه الوزير شكره لإثارة "هذا الجانب المهم"، لأن أي "مشروع حقيقي للإصلاح الإداري لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل رأس المال البشري الذي تمتلكه الدولة ونؤمن بأن الكفاءات والخبرات الوطنية، سواء كانت في مواقع العمل حالياً أو ابتعدت عنها خلال فترات سابقة أو اتجهت للهجرة، تمثل ثروة مؤسسية يجب الاستفادة منها والحفاظ عليها، فالإصلاح الإداري ليس مجرد لوائح وأنظمة وإجراءات، بل هو في جوهره استثمار في الإنسان القادر على تحويل هذه السياسات إلى واقع عملي".

ومن هذا المنطلق فإن لديه رؤية "تقوم على ترسيخ مبدأ الجدارة والكفاءة والاستفادة من الخبرات التي راكمتها مؤسسات الدولة عبر عقود طويلة"، وفق قوله.

وفي ظل حال الاستقطاب السياسي وما تركته الحرب من انهيار قد يعوق مثل هذه الإصلاحات يؤكد أن "الخبرة المؤسسية لا تبنى بين ليلة وضحاها، وفقدانها أو تهميشها يكلف الدولة كثيراً من الوقت والجهد والموارد بينما الاستفادة منها يقلل الأخطاء، ويسرع تنفيذ برامج الإصلاح ورفع كفاءة الأداء، ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة من الموظفين، بما يضمن استدامة العمل المؤسسي وتراكم الخبرات داخل الجهاز الإداري للدولة".

اكتشاف الكوادر

في جانب إصلاح جهاز الوظيفة العامة عبر عن تطلعه إلى "بناء منظومة موارد بشرية تقوم على تكافؤ الفرص والاختيار وفق الكفاءة والاستحقاق، بعيداً من أي اعتبارات أخرى، مع العمل على اكتشاف الكفاءات الوطنية وتمكينها وإشراكها في عملية التطوير وصناعة القرار".

ومع ذلك لم يخف قلقه من "حجم الالتزامات المتراكمة التي لا تزال كبيرة"، إلا أن ما تحقق خلال الأشهر الثلاثة على مجيئه "يؤكد أن العمل المنظم وتحديد الأولويات والتنسيق المستمر مع قيادة الحكومة يمكن أن يحقق نتائج إيجابية حتى في ظل محدودية الموارد، وسنواصل هذا النهج لاستكمال بقية المعالجات والإصلاحات خلال المرحلة المقبلة".

الاستقالة.. خفايا الصورة

برز صيت سالم ثابت أكثر بعدما اصطدم بتعنت "الانتقالي" قبيل أحداث حضرموت الأخيرة، فعقب توليه منصب رئاسة الهيئة العامة لأراضي وعقارات الدولة، سعى إلى إزالة كوم ضخم من الاستحداثات التي بنيت على سلسلة اختلالات نشأت مع سقوط مؤسسات الدولة الضبطية والقانونية بفعل الانقلاب الحوثي 2014، فكان أن تحولت السواحل والحدائق والعقارات والمرتفعات لإقطاعيات خاصة بمطامع شخصيات وقوى مسلحة منضوية بالضرورة تحت سلطة "الانتقالي" الذي شن خلال إحكام قبضته على عدن والجنوب حملة قاسية ضده دفعته إلى الاستقالة، وهو ما ضاعف من رصيد العولقي الذي يحمل روحاً مسالمة ولكنها تتخذ موقفاً منفعلاً من الفساد الذي يمارس في عدن وغيرها من المحافظات، كما يقول.

عقب الاستقالة اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتضامن معه فكانت قصته حديث المرحلة التي سبقت توسع "الانتقالي" في حضرموت والمهرة.

ظهر متحاشياً الخوض في دوافع وخفايا هذه الواقعة ولكنه عاد ليثني على "جهود رئيس الوزراء ورئيس مجلس القيادة في تطبيع الأوضاع وتوفير الخدمات".

بالغة التعقيد

في تقييمه عمل الحكومة التي تشكلت في "ظروف بالغة التعقيد وتواجه شحاً في الإمكانات بصورة كبيرة"، فإنهم أقروا في مجلسها "برنامج العمل والأولويات العاجلة التي ينبغي العمل عليها إلى نهاية عام 2026، ومن الممكن الحكم على أداء الحكومة خلال المرحلة المقبلة من خلال مؤشرات عدة، أهمها القدرة على تنمية الإيرادات وانتظام صرف المرتبات واستدامة الخدمات الأساسية وإجراء إصلاحات مؤسسية وتعزيز ثقافة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد".

حوار واعد.. وهذه ثقتنا

عن المتغيرات السياسية والعسكرية التي طرأت جنوباً منذ نهاية العام الماضي وبسط القوات المحسوبة على الحكومة اليمينة يدها على كل المحافظات الجنوبية، من الجدير سؤال الوزير سالم ثابت عن "القضية الجنوبية" التي مثلت تحدياً تاريخياً للنخب السياسية المتعاقبة وأقرت في مؤتمر الحوار الوطني 2013 – 2014 والمرجعيات الوطنية "مدخلاً لحل كل القضايا"، بوصفه واحداً من أبرز الشخصيات المحسوبة على "الحراك" الذي تبنى رفع شعارات تطالب بحلول لهذه القضية ثم عمله السابق ناطقاً ومسؤولاً في المجلس الانتقالي.

يقول إن "قضية الجنوب قضية حية يحملها شعب حي، وهي ذات أبعاد تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية ومستقبلية وقدمت في سبيل هذه القضية العادلة التضحيات الجسام سلماً وحرباً من قبل أبناء الجنوب".

وعلى رغم عدم التوصل إلى صيغ عملية تمنح حلولاً ملموسة لهذه القضية يقر على رغم ذلك "اكتسابها زخماً وحضوراً سياسياً كبيراً بدعوة الأشقاء في السعودية للحوار الجنوبي ورعايتها الكريمة خلال الفترة المقبلة وهي فرصة حقيقية لترتيب البيت الجنوبي وتعزيز حضور قضية أبناء الجنوب في أي ترتيبات سياسية مقبلة بما يحقق تطلعاتهم السياسية المشروعة".

وفي شأن الموقف من القضية الجنوبية يقيم لقاءاتهم بالمسؤولين السعوديين خلال الفترة الماضية بأنها تركزت على "مناقشة الرؤى والترتيبات الخاصة بالإعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي الذي سيعقد برعاية كريمة من المملكة، وآليات تعزيز التوافق الوطني الجنوبي".

ويضيف "لمسنا حرصاً وصدقاً وتفهماً كبيراً من قبلهم تجاه هذه القضية وهي مواقف تمت الإشارة إليها بوضوح في جلسة مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بن عبدالعزيز وتصريح سمو الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع وبيانات وزارة الخارجية السعودية"، وكقوى جنوبية "نؤكد ثقتنا الكاملة بجهود السعودية ورعايتها الحوار، وأرى أن الحوار يشكل محطة سياسية بالغة الأهمية في مسار قضية الجنوب العادلة وفرصة حقيقية لتعزيز التوافق الجنوبي وتحقيق تطلعات الجنوبيين السياسية والأمنية والتنموية برعاية وضمانة سعودية".

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI