بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب متعددة الأبعاد في اليمن، قد لا يأتي التحدي الأكثر وضوحًا وقربًا لحكم الحوثيين في شمال غرب البلاد بالضرورة من جبهات القتال أو البحر الأحمر أو العمليات الغربية أو ضغوط التحالف. بل قد ينبع من مؤسسة اجتماعية أمضت جماعة الحوثيين سنوات في إدارتها واحتوائها وإخضاعها بالقوة، من دون أن تنجح في السيطرة عليها بالكامل، القبيلة.
وقد حظيت التعبئة القبلية المتواصلة في مخيم الريان بمحافظة الجوف بانتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاءت هذه التعبئة على خلفية نزاع يتعلق بالشيخ حمد بن راشد بن فدغم وامرأة تزعم أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وتعكس هذه التعبئة، من نواحٍ عديدة، المعضلات التي يواجهها الحوثيون بعد عقد من أوجه القصور في الحكم، وتصاعد القمع، ومحاولات إخضاع المجتمع، ولا سيما الشخصيات القبلية، وفرض أيديولوجيا أخلاقية من دون دفع الرواتب. ويضاف إلى ذلك استمرار التوترات التي لم تُحسم بين نظام جهادي قائم على تراتبية أيديولوجية وسيطرة أمنية، ونظام قبلي يستند إلى الأعراف والشرف والتضامن وقواعد الوساطة.
دلالات التعبئة القبلية
للوهلة الأولى، يتساءل كثيرون: لماذا نجح مخيم الريان، المعروف أيضًا باسم مخيم الكرامة، في حشد قبائل من مناطق يمنية عديدة، بينما لم تُفضِ سنوات الانتهاكات الموثقة بحق النساء وكبار السن والأطفال والمشايخ وسائر فئات المجتمع اليمني إلى تعبئة قبلية مماثلة؟
أولًا، يتمحور النكف وهو تقليد قبلي يمني يُطلق بموجبه نداء للتعبئة الجماعية للقبائل حول قضية امرأة لجأت إلى القبيلة طلبًا للحماية. وتعرّف هذه المرأة نفسها باسم ميرا صدام حسين، وتزعم أنها أُرسلت إلى اليمن عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وأنها حظيت برعاية الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.
في المقابل، تؤكد سلطات الحوثيين أنها لا تربطها أي صلة بالعراق. وكانت المرأة قد طلبت حماية الشيخ حمد بن راشد بن فدغم بعد نشوب نزاع عقاري مع فارس مناع، وهو تاجر أسلحة موالٍ للحوثيين ومدرج على قائمة العقوبات التابعة للأمم المتحدة.
وبعد أن قاد الشيخ ابن فدغم وساطةً قبلية، أفادت تقارير بأن الحوثيين اعتقلوه وعذبوه لنحو خمسين يومًا، قبل أن يفرجوا عنه وينفوه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث أطلق نداء النكف.
وبحسب تقديراته، فقد توافد إلى مخيم الريان أكثر من 000 8 من أبناء القبائل من محافظات الجوف ومأرب وحضرموت والمهرة وشبوة وتعز ولحج وصنعاء وذمار والحديدة وغيرها، فيما لا يزال مزيد من أبناء القبائل ينضمون إلى المخيم.
ثانيًا، تنظر قبائل عديدة إلى هذه القضية باعتبارها فرصة استراتيجية لمواجهة هيمنة الحوثيين وسياساتهم القائمة على القمع والإخضاع.
فمن خلال إظهار مستوى عالٍ من التماسك والتضامن القبلي، يأمل المشاركون في استثمار هذه الفرصة النادرة لاستعادة صوتهم ودورهم ونفوذهم، الذي عمل الحوثيون على تقويضه في شمال غرب اليمن، فضلًا عن وضع حد للممارسات التي تعتبرها القبائل غير مقبولة.
ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، استهدفت الجماعة بصورة ممنهجة كبار مشايخ القبائل، بدءًا من قصف منزل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في منطقة الخمري بمحافظة عمران، وصولًا إلى إذلال واستهداف عدد كبير من المشايخ الآخرين.
كما تشير تقارير إلى أن مسؤولين حوثيين، وعلى رأسهم الرئيس الفعلي للاستخبارات العسكرية أبو علي الحاكم، عمدوا إلى إخضاع النخب القبلية عبر مزيج من الاستمالة والاستيعاب والترهيب والإقصاء والإكراه.
كذلك أسهمت شبكة المشرفين الحوثية، التي تعمل فوق مؤسسات الدولة الرسمية، في إدارة شؤون المشايخ وإخضاعهم، من دون أن تتمكن من تفكيك البنية القبلية التي استندت إليها السلطة تاريخيًا، في ظل تعثر مشروع بناء الدولة.
ثالثًا، تمثل قضية "ميرا صدام حسين" فرصة للمطالبة بوضع حد للانتهاكات الممنهجة التي تتعرض لها النساء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والمطالبة بالإفراج عن جميع النساء المحتجزات والمختفيات قسرًا والمختطفات.
فقد وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية مئات حالات الاحتجاز التعسفي للنساء، والإخفاء القسري، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى ترهيب الناشطات والعاملين في المجالين الإنساني والمدني، بما أسهم في ترسيخ مناخ واسع من الخوف والوصم الاجتماعي.
ورغم أن هذه الانتهاكات نادرًا ما أدت إلى تعبئة قبلية جماعية، فإنها أسهمت بوضوح في تعميق حالة السخط المجتمعي، وهي حالة مرشحة للانفجار في نهاية المطاف.
ويشير مخيم الريان إلى أن الشرعية العرفية لا تزال تحتفظ بقدرة مستقلة على الحشد الجماعي، وأنها، عندما تتوحد تحت راية الشرف والحماية وتحظى بمصداقية اجتماعية، يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة لمواجهة الحوثيين.
حذر الحوثيين ومخاوفهم
تعكس استجابة الحوثيين للنكف مزيجًا من الحذر والخشية. فبدلًا من تفريق مخيم الريان بالقوة المفرطة، أو اللجوء إلى الطائرات المسيّرة لتنفيذ ضربات عن بُعد، ركزت الجماعة على الوساطة، وحشد القبائل الحليفة في مواجهة التعبئة القبلية، وإرسال تعزيزات عسكرية إلى مديريتي الحزم ونِهم، وتقليص الاحتكاك المباشر، وفرض قيود على الاتصالات وحرية التنقل.
وبعد أن نظّم الحوثيون سلطتهم عبر شبكة معقدة من الهياكل الأمنية والاستخباراتية، باتوا يواجهون تحديًا متزايدًا في إحكام السيطرة، بما يقوض صورة ترسيخ نفوذهم وشعبيتهم الداخلية.
ويخشى الحوثيون، على وجه الخصوص، من الدخول في مواجهة ممنهجة مع القبائل قد تفضي إلى رد فعل واسع يهدد استمرارية سيطرتهم، ويوسع رقعة المعسكر المناهض لهم، ويفتح الباب أمام دعم إقليمي لهذا المعسكر.
وفي المقابل، تخشى الجماعة أيضًا أن تؤدي أي تنازلات واسعة إلى تشجيع مكونات اجتماعية أخرى على التعبئة والمطالبة بحقوق مماثلة.
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنظر إلى الموقع الجيوستراتيجي لمحافظة الجوف، التي تشكل أحد أكثر الممرات حساسية في اليمن، إذ تربط بين صعدة ومأرب وصنعاء وحضرموت وأجزاء من الحدود الشمالية مع السعودية.
وهي منطقة اعتمدت فيها سلطة الدولة تاريخيًا على التفاهمات مع القبائل والتنسيق عبر الحدود، بقدر اعتمادها على الشرعية السياسية والسيطرة العسكرية. ويتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراء مخيم الريان، وهو اتهام تكرر في بيان تبرؤ قبلي نشرته وسائل إعلام موالية للجماعة.
ورغم عدم توافر أدلة تؤكد هذه المزاعم، فإن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، بالنظر إلى ما قد يوفره من أوراق ضغط للرياض، ولا سيما إذا عادت استعادة سيطرة الحكومة اليمنية على محافظة الجوف إلى صدارة الأولويات بهدف إضعاف الحوثيين وتعزيز أمن الحدود السعودية.
ويتماشى هذا التوجه مع أولويات المملكة المتمثلة في تأمين الحدود، ودعم مستهدفات رؤية 2030، وحماية طرق التجارة البحرية وقطاع الطاقة، والتعامل مع التحديات التي تواجه اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 2022.
ومن الجدير بالملاحظة أيضًا أن هذه التعبئة القبلية تتزامن مع أوضح تصعيد في خطاب الحوثيين وتحركاتهم العسكرية منذ سنوات. ففي 16 يوليو/تموز، ألقى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطابًا هدد فيه باستهداف البنية التحتية للطاقة في السعودية إذا تصاعدت الحرب في اليمن، وإذا لم تُرفع ما وصفه بـ"الحصار".
وجاء هذا الخطاب بعد أشهر من التهديدات الموجهة إلى السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمتمركزة في عدن، إلى جانب رحلات جوية إيرانية نادرة إلى صنعاء والحديدة، وهجمات حوثية على مطار أبها ومنشآت شركة أرامكو في جيزان وينبع، وأعنف المواجهات على ساحل تهامة في محيط مديرية حيس بمحافظة الحديدة، فضلًا عن الهجمات على السفن التجارية.
ومن خلال الإيحاء بإمكانية التصعيد على جبهات متعددة، يسعى الحوثيون إلى زيادة الضغط على الرياض، وتعزيز النفوذ الإقليمي لطهران، والاستفادة من التطورات الإقليمية، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
المسار المستقبلي
في حين يمثل مخيم الريان فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الحوثيين والقبائل، ووضع حد للانتهاكات الممنهجة التي يتعرض لها المجتمع اليمني، بما في ذلك النساء، فإنه يذكّر في الوقت ذاته بأن القبيلة لا تزال تمثل ركيزة أساسية في أي محاولة لمواجهة الحوثيين.
ورغم أن اندلاع مواجهات محدودة في محافظة الجوف يظل احتمالًا قائمًا، فإن تحولها إلى انتفاضة قبلية واسعة يتطلب دعمًا فعليًا وملموسًا.
وفي المقابل، يبدو من غير المرجح احتواء الأزمة سريعًا ما لم يُتوصل إلى تسوية تحظى بقبول الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، قد تضطلع سلطنة عُمان، بعيدًا عن الأضواء، بدور الوسيط.
أما إذا امتدت التعبئة القبلية في الجوف، وتطورت بصورة موثوقة آليات التنسيق مع الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، فقد تتحول إلى جبهة مقاومة ضد الحوثيين، تستحضر تجربة مخيم مأرب أواخر عام 2014، وربما تشكل جزءًا من هجوم بري أوسع.
وبينما أعادت الرياض تقديم نفسها وسيطًا في الأزمة اليمنية، فإنها تواصل في الوقت ذاته الاستعداد لمختلف السيناريوهات في ظل الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة.
إبراهيم جلال - استشاري أول وباحث غير مقيم في برنامج شبه الجزيرة العربية التابع لمعهد الشرق