تتسارع التطورات الميدانية على الساحل الغربي لليمن، اليوم الجمعة، مع انتقال ثقل المواجهات جنوب مدينة المخا واقترابها من باب المندب، في تحول يرفع من حساسية المعارك بعدما باتت تدور عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وذكرت مصادر حكومية لـ"اندبندنت عربية" أن الحوثيين واصلوا تحقيق تقدم ميداني على امتداد مناطق الساحل الغربي، بما فيها مناطق جنوب المخا باتجاه مضيق باب المندب، فيما أعلنت القوات الحكومية تحديد نطاق اشتباك جديد لتقييد تحركات الحوثيين وإمداداتهم ضمن ما أطلقت عليه "صندوق القتل" في مدينة المخا ومحيطها، عقب دخول الجماعة إليها فجر أمس الخميس.
يد على المضيق
وأوضح المصدر العسكري في قوات العمالقة الموالية للحكومة الشرعية أن القوات التي نفذت عملية إعادة التموضع جنوب المخا لا يزال قوامها موجوداً قرب باب المندب، وتتهيأ لشن عمليات عكسية ضد الحوثيين في الساحل الغربي.
وفي موازاة ذلك، تداولت مصادر عن سيطرة الحوثيين على مدينة ذو باب المطلة على مضيق باب المندب، إضافة إلى جزيرتي "بريم" و"ميون"، التي تقسم المضيق إلى ممرين ملاحيين تعبرهما السفن وإمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا.
ونشرت منصات إعلامية تابعة للحوثيين مقاطع مصورة لعناصر من الجماعة على امتداد شاطئ باب المندب، وهم يرددون شعاراتهم ويتوعدون بالتحكم في حركة السفن والإمدادات العالمية.
مرحلة أشد خطورة
وفي سياق ردود الفعل الدبلوماسية، حذر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي أمس الخميس، من دخول الحرب اليمنية "مرحلة جديدة وأشد خطورة"، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك للتعامل مع التطورات الأخيرة.
واعتبر أن سيطرة الحوثيين على المخا ستمنحهم "وجوداً مباشراً عند مداخل أحد أكثر المضائق حيوية في العالم"، في ظل تصاعد المخاوف الدولية المتعلقة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وفيما اعتبر السفير اليمني لدى الأمم المتحدة أن التصعيد الحوثي يستدعي إدانة دولية، أكدت السعودية التزامها بالسلام، مشددة على أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لردع الهجمات الحوثية.
في المقابل، عكست المواقف الإيرانية ترحيباً بالتقدم الذي أحرزه الحوثيون على الأرض، وسط تصاعد التساؤلات في شأن ما يعنيه وصول الجماعة إلى مناطق ملاصقة لباب المندب بالنسبة إلى نفوذ طهران في الممرات البحرية الإقليمية.
وجاءت مباركة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، لتؤكد الدعم الإيراني للحوثي في تحركه للساحل الغربي، عندما أعاد نشر تغريدة سابقة للمرشد الأعلى السابق، يقول فيها إن حلفاءه الحوثيين سينتصرون.
من تهديد المضيق إلى الاقتراب منه
ينظر مراقبون إلى التطورات الأخيرة باعتبارها أبعد من مجرد تغير في خريطة السيطرة على الساحل الغربي، نظراً إلى ما يحمله الاقتراب من باب المندب من أبعاد استراتيجية تتصل بأمن أحد أهم المضائق البحرية في العالم.
فبعد أعوام ارتبط خلالها الحوثيون بتهديد الملاحة في البحر الأحمر عبر الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات البحرية، يطرح تقدمهم جنوباً معادلة مختلفة تقوم على الاقتراب المباشر من الضفة اليمنية للمضيق، بما قد يمنح الجماعة ورقة ضغط عسكرية وسياسية إضافية.
ولا يعزل مراقبون اندفاعة الحوثيين الأخيرة باتجاه الساحل، بعد أعوام من جمود نسبي فرضته التهدئة الأممية، عن حسابات إيران الإقليمية ومساعيها إلى توسيع أوراق النفوذ المرتبطة بالممرات المائية في ظل ملفاتها التفاوضية مع الولايات المتحدة.
ويمنح تمدد الحوثيين على الشريط الساحلي الغربي الجماعة مجالاً أوسع للضغط، بعد أعوام اعتمدت خلالها بصورة رئيسة على ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيرة في استهداف خصومها داخل اليمن وخارجه.
هل يعود خط السلاح الإيراني؟
ومن بين التداعيات التي يحذر منها مراقبون احتمال أن يؤدي تغير خريطة السيطرة على الساحل إلى فتح مسارات جديدة لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، بعدما شكل انتشار القوات المناهضة للجماعة على أجزاء من الساحل الجنوبي للبحر الأحمر خلال الأعوام الماضية عائقاً أمام وصول شحنات السلاح عبر البحر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة إذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم في مناطق ساحلية أقرب إلى باب المندب، إذ قد لا تقتصر تداعيات السيطرة على الجانب العسكري، بل تمتد إلى طرق الإمداد والتهريب والقدرة على مراقبة الحركة البحرية قرب المضيق.
إعادة التموضع
وكانت التطورات الميدانية دفعت القوات الحكومية أمس إلى إعادة ترتيب انتشارها جنوب مدينة المخا، عقب اختراقات نفذها الحوثيون داخل عدد من محاور القتال خلال الساعات السابقة.
وفي محاولة للحفاظ على القوة القتالية للمقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، صدرت توجيهات إلى الوحدات المتمركزة في الساحل الغربي بالتراجع إلى التخوم الجنوبية للمخا وإعادة تجميع قواتها.
وجاءت إعادة التموضع بعد نحو أسبوع من المواجهات العنيفة على امتداد جبهات غرب تعز والساحل المطل على البحر الأحمر، في وقت امتدت الاشتباكات إلى مناطق وجزر استراتيجية، مما دفع القوات الحكومية إلى التحرك جنوباً.
وكان مصدر عسكري في المقاومة الوطنية التابعة للحكومة أفاد لـ"اندبندنت عربية" أمس بأن وحدات حكومية نفذت عملية انسحاب، بهدف إعادة التمركز القيادي والعسكري وإعادة تجميع القوات استعداداً لمواصلة العمليات.
وسبقت هذه التطورات معارك على محاور الكدحة والبرح والوازعية غرب تعز، وهي مناطق ترتبط جغرافياً بالطرق المؤدية إلى المخا وذو باب والساحل الغربي، فيما دفعت القوات الحكومية تعزيزات إلى المنطقة في محاولة لوقف الاختراقات وتثبيت خطوطها الدفاعية.
مهمة مزدوجة
وتضع التطورات الأخيرة القوات الحكومية أمام مهمة مزدوجة، تتمثل الأولى في تثبيت خطوطها جنوب المخا ومنع الحوثيين من توسيع اختراقاتهم باتجاه المناطق المحاذية لباب المندب، بعدما انتقلت المواجهات خلال الأيام الماضية عبر سلسلة من المحاور الممتدة من غرب تعز إلى الساحل.
أما المهمة الثانية فتتمثل في منع أي تقدم إضافي جنوباً باتجاه المناطق والطرق المؤدية إلى العاصمة اليمنية الموقتة عدن، بما يجعل المعركة على الساحل مرتبطة بمسارين في آن، حماية باب المندب ومنع انتقال الضغط العسكري إلى المحافظات الجنوبية.
وتقع ذو باب مباشرة على الممر المؤدي إلى باب المندب وفي مواجهة جزيرة ميون، وهو ما يمنحها أهمية عسكرية تتجاوز حدود المدينة نفسها، إذ تشكل مع الجزيرة نقطتي أساس على الضفة اليمنية للمضيق.
(توفيق الشنواح)