بعد أسبوع من تبادل الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج، تعود الدبلوماسية إلى الواجهة مع استعداد الطرفين لإجراء محادثات غير مباشرة في الدوحة، في محاولة لإنقاذ المذكرة الأولية الموقعة في 17 يونيو.
أوقفت المذكرة الحرب وفتحت باب التفاوض على الأقل مؤقتا، لكنها تركت القضايا الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الملف النووي، من دون حسم وسط تحذيرات من أن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال مليئاً بالعقبات.
تنص المذكرة، المؤلفة من 14 بنداً، على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود الأميركية على الموانئ الإيرانية، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وبدء مفاوضات خلال 60 يوماً قابلة للتمديد بهدف التوصل إلى اتفاق شامل.
بدأت في الدوحة الأربعاء محادثات فنية غير مباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين عبر وسطاء، في إطار الجهود الرامية لتهدئة التوترات بعد ضربات تبادلها الطرفان.
أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاؤله بشأن المحادثات، رغم أنه لم يذكر تفاصيل محددة عدا القول: "لقد عقدوا اجتماعات جيدة للغاية، وسنرى ما سيحدث".
"أهم حقيقة"
"بصرف النظر عن محتوى مذكرة التفاهم، فإن مجرد وجودها، وإن كان لا يضمن شيئاً، إلا أنه يمنح على الأقل فرصة لخفض التصعيد والتوصل إلى حل دبلوماسي، وهذه هي أهم حقيقة"، حسبما يقول آلان آير، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمركية الذي عمل عن كثب على الملف الإيراني.
لكن هذه الفرصة، بحسب خبراء، لا تعني أن الطريق أصبح سهلا، فالمذكرة لا تزال بحاجة للمزيد من العمل والإيضاحات والتفاصيل الضرورية.
"المذكرة غامضة في تفاصيلها الأساسية، وكذلك في ما يتعلق بتسلسل الخطوات وآليات التنفيذ، ما يجعلها عرضة لسوء التفسير من جانب الطرفين،" حسبما يقول لـ"الحرة" كريستيان كوتس أولريشن، زميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس.
ويضيف أن أهم ما تعكسه الوثيقة هو وجود توافق سياسي أولي بين واشنطن وطهران على مواصلة الحوار، لكنه يعتبر أن مهلة الستين يوماً “طموحة أكثر من اللازم”، وقد تزيد من احتمال تعثر المحادثات.
عقبات
لا ترتبط العقبات، بحسب الخبراء، بالجوانب الفنية للملف النووي فقط، وإنما تشمل أيضاً البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات.
ففي حين تدفع إدارة ترامب باتجاه إجراء محادثات مباشرة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المسؤولون الإيرانيون والأمريكيون سيلتقون وجهاً لوجه أم سيتواصلون حصراً عبر وسطاء.
التردد الواضح من قبل إيران في استئناف المحادثات المباشرة يعده مراقبون بأنه تراجع ملحوظ عن المحادثات رفيعة المستوى التي جرت في سويسرا في وقت سابق من يوليو، عقب توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين.
وفي هذا السياق يقول آير لـ"الحرة" إن انعدام الثقة الكامل بين الولايات المتحدة وإيران سيجعل الأمور أكثر تعقيدًا.
كما يشير إلى أن القيادة الإيرانية الحالية أصبحت أكثر تشدداً وأكثر استعداداً لتحمل المخاطر، وهو ما يجعل أي تفاهم مستقبلي أكثر صعوبة.
معضلة التخصيب
هذه ليست العقبة الوحيدة، فالملف الإيراني بشكل عام شائك وتبقى مسألة تخصيب اليورانيوم من أبرز نقاط الخلاف.
تسعى واشنطن إلى وقف طويل الأمد لهذا النشاط، بينما تؤكد طهران أنه جزء من حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
ويقول ديفيد أولبرايت، المفتش النووي السابق في الأمم المتحدة، إن الفرصة الحالية قد تسمح بتسوية هذه القضية عبر "وقف طويل الأمد للتخصيب، إلى جانب عمليات تفتيش شاملة وفعالة".
ويضيف لـ"الحرة" أن "المخزونات النووية تأتي وتذهب، لكن ما يهم هو وقف التخصيب لفترة طويلة، والحصول على عمليات تفتيش جيدة"، معتبراً أن ذلك يمكن أن يقلل بشكل كبير من المخاوف الدولية بشأن احتمال تطوير سلاح نووي.
لكن هذا الطرح يواجه تعقيدات سياسية واقتصادية، إذ تعتبره طهران مساساً بحقها في تطوير دورة وقود نووي محلية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن استمرار إيران في التخصيب، خصوصاً عند مستويات مرتفعة، يشكل مصدر قلق مباشر على الأمن الإقليمي.
"حددت المذكرة إطاراً زمنياً مدته 60 يوماً للتفاوض بشأن القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية ضمن اتفاق أشمل، وسيكون التوصل إلى اتفاق فعّال خلال هذه المدة أمراً صعباً، لكنه ليس مستحيلاً"، يقول داريل كيمبال مدير رابطة الحد من التسلح.
"ولزيادة فرص النجاح، ينبغي أن تكون الولايات المتحدة وإيران مستعدتين للدخول في محادثات مباشرة، وتمكين فرق التفاوض المتخصصة، والامتناع عن طرح مطالب قصوى أو إطلاق تهديدات"، يضيف لـ"الحرة".
ومع استمرار التباين في المواقف، إلى جانب الحوادث الميدانية المتفرقة، من المرجح أن يكون مستقبل المفاوضات مفتوحاً على أكثر من سيناريو، من بينها احتمال التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود، أو العودة إلى مسار التصعيد والدخول في مرحلة جديدة من التوتر.
(الحرة)