لأول مرة يشهد اليمن بروز فكرة فرض رسوم لعبور السفن في باب المندب، وذلك بعد عشرة أيام من حظر الحوثيين الملاحة السعودية في البحر الأحمر، إذ تدرس جماعة الحوثي فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، وفق مصادر تحدثت لـ"رويترز" أمس الأربعاء، في خطوة تفاقم أزمات الشحن البحري في حال تطبيقها.
وحسب مصادر من صنعاء تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن المقترح ليس جديداً ولم يبرز مع الحظر الحوثي للملاحة السعودية، بل يجري تداوله في صنعاء منذ تدخل الحوثيين في حرب غزة باستهداف الملاحة والسفن الإسرائيلية والدول المتحالفة معها، إذ أدى الممر البديل بالدوران حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح إلى تكاليف إضافية على السفن وشركات الشحن بسبب طول المسافة والمدة الزمنية التي تستغرقها مقارنة بالمرور عبر باب المندب والبحر الأحمر.
وتعززت الفكرة، وفق المصادر، بعد عودة إحياء مشروع الأنبوب السعودي لتصدير النفط عبر البحر العربي في موانئ اليمن الشرقية بمحافظات حضرموت والمهرة وشبوة، وتوجه الرياض لاستحداث ممر بديل في البحر الأحمر وباب المندب في ميناء ينبع لتصدير إنتاجها النفطي بسبب إغلاق واضطراب مضيق هرمز.
وتحدثت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، لـ"العربي الجديد" عن أن فكرة الرسوم أصبحت جاهزة ويجري الآن تداولها ومناقشتها وبحثها بشكل جاد بعد أن كانت مجرد مقترح للتداول باعتبارها ورقة للضغط على السعودية أو لدعم إيران في حربها الراهنة، وتتزامن مع توجهات إيران التي تدرس هي الأخرى فرض رسوم على مرور السفن في مضيق هرمز.
وفي المقابل، أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني لوكالة فرانس برس ما أفادت به المصادر، قائلاً إنّ الحوثيين يعملون بالتعاون مع إيران على فرض رسوم عبور على السفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي. وشدد الوزير على أن هذه الخطوة ستشكل "تصعيدا خطيرا يهدف إلى تحويل أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم إلى مصدر تمويل دائم للأنشطة العسكرية والإرهابية للمليشيا".
من جانبه، يوضح الباحث الاقتصادي في صنعاء رشيد الحداد، لـ"العربي الجديد"، أن من حق صنعاء استغلال ممرات اليمن في البحر الأحمر وباب المندب، لأن ما يتعرض له اليمن من حصار وإفقار لا يمكن السكوت عنه والوقوف فقط للتفرج عليه دون فعل شيء، لافتاً إلى أن الأمر يحتاج لدراسة أكثر من مقترح في هذا الإطار لكيفية الاستغلال واستثمار هذه المواقع الاستراتيجية.
ويرى مراقبون أن هناك منجماً قد يدرّ على اليمن المليارات حسب تعبير كثير من اليمنيين، لكن كل ذلك يصطدم، وفق مختصين وخبراء اقتصاد، بطبيعة موقع هذا المنفذ في البحر الأحمر والقوانين البحرية الدولية التي تحدد كل ما يتعلق بإدارته والتعامل معه.
وتأتي هذه الفكرة بفرض رسوم على مرور السفن في البحر الأحمر من قبل الحوثيين، حسب الحداد، بعد ما يمكن اعتباره نجاحاً للحظر الذي تفرضه الجماعة على الملاحة السعودية، وإجبارها لدول الخليج على البحث عن بدائل مكلفة ومضنية لتصدير إنتاجها النفطي.
وحسب بيانات ملاحية، رُصد تذبذب في حركة الملاحة في باب المندب وتراجعها بنسبة تزيد على 60% خلال الأيام العشرة من حظر الحوثيين واستهدافهم حتى الآن أربع سفن نفطية سعودية وقصفهم منشآت لشركة أرامكو في جيزان وينبع واستهدافهم براميل تخزين النفط في ينبع، حيث تظهر آخر بيانات تتبع حركة السفن أن 39 سفينة لنقل السلع الأساسية عبرت مضيق باب المندب أول من أمس الثلاثاء، وهو أعلى رقم منذ 19 يوليو/ تموز، في حين عبرت خمس سفن حتى صباح أمس الأربعاء مع عبور عدد قليل من السفن مضيق هرمز، وذلك بعدما تراجع عددها قبل يومين إلى أقل من 12 سفينة.
ويشرح الخبير في علوم البحار وأستاذ علوم البحار في جامعة الحديدة يحيى فلوس لـ"العربي الجديد" أن هناك تحديات قانونية أمام تنفيذ مثل هذا المقترح... فاليمن يمتلك بالفعل موقعاً استراتيجياً قد يدر عليه المليارات، لكن القانون الدولي في هذا الخصوص حدد أن المضيق "ممر دولي" يخضع لما يعرف في هذا الجانب بحق "المرور البريء"، وهذا يؤثر على استفادة اليمن من أفضليته جغرافياً بالسيطرة على الممر، فضلاً عن العامل الأمني وعسكرة هذه المناطق المائية طوال الفترات الماضية، فهناك قطع عسكرية تتبع لمختلف الدول الكبرى منذ سنوات، كما أن هناك خطراً يقترب من الضفة الأخرى للبحر الأحمر وهو تنامي النفوذ الإسرائيلي هناك، ومعروف أنّ عين إسرائيل على باب المندب منذ حرب غزة على وجه التحديد، بحسب فلوس.
ويربط مراقبون بين هذا التوجه من قبل الحوثيين والاتصالات المباشرة التي تحدثت أنباء عن أن الصين أجرتها مع جماعة الحوثي اليمنية من أجل السماح لناقلاتها بالإبحار عبر جنوب البحر الأحمر من دون التعرض للهجوم، وذلك بعدما توعدت الجماعة المتحالفة مع إيران بمنع الوصول إلى موانئ السعودية.
ويبرز تحدي شح الخدمات اللوجستية في اليمن والذي يجعل السفن تمر في أهم ممراته المائية دون أن تتوقف، وهنا تبرز إحدى أهم المسائل التي تضعف أي طرح حول الاستغلال الاقتصادي في المرحلة الراهنة، إذ تفتقر البلاد إلى الموانئ أو محطات تموين السفن أو المناطق الحرة القادرة على المنافسة، كما تظل النزاعات وعدم الاستقرار أهم مشكلة تواجه البلاد على المستويات كافة، لأن ذلك تسبب في نفور الاستثمارات ورؤوس الأموال التي يمكن استقطابها والاستفادة منها في أي توجه للاستغلال الاقتصادي لباب المندب أو لبقية الممرات والمواقع الاستراتيجية في المياه اليمنية.
ويمتلك اليمن الأفضلية الاستراتيجية للإشراف على باب المندب بفضل طول ساحله وجزيرة ميون (بريم) التي تقسم، كما هو معروف، المضيق إلى ممرين، شرقي ضحل وغربي عميق للملاحة الدولية.
ويشير الجيولوجي اليمني المتخصص بالنفط والغاز عبد الغني جغمان في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن باب المندب ممر دولي لا يستطيع اليمن أن يفرض رسوماً مباشرة على مرور السفن عبره، لكن يمكن أن يقدم خدمات ملاحية لوجستية كبيرة، سواء في عدن أو الحديدة، وفي بناء موانئ مفتوحة في الجزر اليمنية مثلما فعلت سلطنة عمان سابقاً في عهد السلطان قابوس بن سعيد، حيث بنت ميناء الدقم وصلالة بهدف أن تكون محطة ترانزيت بين الشرق والغرب.
كما كانت لميناء عدن أهمية في الماضي باعتباره محطة ترانزيت، إذ كانت السفن تأتي من أوروبا وترسو في قناة السويس ثم في عدن وبعد ذلك تتجه إلى المحيط الهندي باتجاه أستراليا واليابان، بحسب جغمان.
وكان المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار قد أعد ورقة بحثية حول البحر الأحمر وباب المندب، أكد فيها على ضرورة الانتقال الفوري من فكرة "مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن" بوصفه إطاراً تشاورياً إلى بنية تنفيذية فاعلة، لها أمانة دائمة، وآليات اتخاذ قرار، وميزانية تشغيلية، ومنصة مشتركة للملاحة والتأمين والاستجابة للحوادث.
وأكد النجار أن البحر الأحمر يحتاج إلى شبكة حماية مالية لا تقل أهمية عن الحماية العسكرية، مقترحاً إنشاء صندوق عربي لدعم أقساط التأمين البحري في حالات الأزمات، واتفاقيات ترانزيت تفضيلية للشحن العربي البيني.
ويعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، نظراً لدوره الحيوي في ربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، وبالتالي تأمين الوصول إلى قناة السويس، التي تعد البوابة الرئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا.
(العربي الجديد)