لم تعد المنح الخارجية متنفساً للمتفوقين والمبدعين في اليمن، بل مساحة مغلقة تتوارثها شبكات النفوذ والوساطات والمحسوبية الوظيفية، ما يجعل الطموحات العلمية تصطدم بالتهميش الممنهج.
غرق الملف الأكاديمي للباحث اليمني ضياء الرميمة في العتمة والنسيان داخل أدراج وزارة التعليم العالي، رغم أن سجله العلمي الاستثنائي كان يؤهله للحصول على منحة لدراسة الدكتوراه في الخارج، فهو حصل على شهادة الثانوية العامة بتقدير ممتاز من تعز عام 2011، وتميّز في دراسة اللغة الروسية عام 2013، ثم نال البكالوريوس وماجستير الهندسة في إنتاج النفط والغاز بتقدير ممتاز من جامعتين حكوميتين في روسيا الاتحادية عامي 2017 و2019، ثم حصل على شهادة ماجستير ثانية في إدارة الأعمال التنفيذية (EMBA) بتقدير ممتاز من جامعة تعز عام 2024.
يقول ضياء لـ"العربي الجديد": "لم أطلب استثناءً ولا مكرمة من أحد. كل ما أردته هو حقي الشرعي في خوض تنافس نزيه على مقعد أكاديمي أخدم به بلدي، لكن عندما ترى أن أوراقي المؤهلة تُحتجز لسنوات بينما تُوزّع المنح وفقاً لوساطات ومحسوبيات أدركت أن التخصص والجهد في هذا البلد أصبحا عبئاً على صاحبهما أمام سطوة المحسوبية".
وفي ظل التناقض بين حال الكفاءات العلمية المحرومة وسطوة أصحاب النفوذ، استنتج تقرير حكومي رسمي أعدته "لجنة مراجعة قوائم المبتعثين" التي كلفها رئيس الوزراء مطلع عام 2023 بمراجعة آلاف الملفات والكشوفات الخاصة بالمنح وإجراء مقابلات مع مسؤولين وموظفين، حقيقة واحدة هي أن المنح الدراسية في اليمن لم تعد أداة لبناء المستقبل وتأهيل الكوادر، بل مكافآت سياسية ومجاملات عائلية، تُنتزع جهاراً من مستحقيها.
وتعود جذور القضية إلى أواخر عام 2022، حين أثار كشف قوائم المبتعثين غضباً شعبياً واسعاً دفع رئيس الحكومة آنذاك معين عبد الملك إلى إصدار القرار (39) بتشكيل "لجنة مراجعة قوائم المبتعثين".
وبعد أشهر من التقصي والمراجعة لآلاف الملفات، سلّمت اللجنة تقريرها النهائي المكون من 36 صفحة إلى رئاسة الوزراء في مارس/ آذار 2023، موثقة بالوثائق والاختلالات التي شابت الابتعاث بين عامي 2016 و2023.
ورغم بقاء التقرير طي الأدراج الحكومية لنحو عامين دون اتخاذ إجراءات محاسبة جادة، جاء تداول وثيقته المكتملة وملاحقها مؤخراً ليفجّر موجة سخط عارمة في الأوساط الأكاديمية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ رأى فيه الرأي العام إدانة رسمية صريحة تُعرّي استئثار شبكات النفوذ بالمنح الخارجية على حساب المتفوقين، وصدرت دعوات تطالب بإلغاء المحسوبيات ومحاسبة المتورطين في إهدار المال العام.
أول ما وثقه التقرير، الذي تضمن 36 صفحة، هو تعطيل قانون البعثات والمنح الدراسية رقم 19 لسنة 2003، الذي ينص على تشكيل لجنة عليا ولجان تنفيذية تضم جهات حكومية متعددة لضمان الشفافية.
وأكد أن هذه اللجان لم تُفعّل منذ انتقال الوزارة إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016، حين أُدير الملف عبر لجان داخلية صورية وتوجيهات فردية، ما أهدر ملايين الدولارات من المال العام.
ورصد التقرير بيئة إدارية متخلفة تفتقر إلى أرشيف منظم أو قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، ما فتح الباب أمام اختراقات خطيرة، وتزوير للتوجيهات الرسمية، وانتحال توقيعات، وكان أبرزها قضية انتحال أكثر من 80 توقيعاً نُسِبت إلى وكيل قطاع البعثات أثناء وجوده خارج البلاد، وبلغت القضية أروقة المحاكم.
وكشف تقرير لجنة مراجعة قوائم المبتعثين أن المنح الخارجية تحوّلت إلى ما يشبه إقطاعيات عائلية مخصصة لأبناء النافذين والمسؤولين.
وأظهرت كشوفات مرفوعة وجود أكثر من 508 حالات لأشقاء مبتعثين، تراوح عددهم بين اثنين وخمسة في الحالة الواحدة، توزعوا على دول عدة، أبرزها مصر وتركيا والسودان وروسيا.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الأشقاء، بل رُصدت هيمنة أكثر من 280 عائلة على مقاعد الابتعاث. وعلى سبيل المثال تجاوز نصيب عائلة أبو حاتم 16 مقعداً، والفقيه 15 مقعداً، والقاضي 15 مقعداً، والطاهري 13 مقعداً.
وبشكل عام استحوذت شبكات العائلات والأقارب على نحو 33% من إجمالي المبتعثين، ولجأ بعضهم إلى تعديل الاسم الرابع أو حذف اللقب العائلي لتضليل أجهزة الرقابة وإخفاء صلة القرابة.
وخصص التقرير مساحة لما يُعرف بـ"الإضافات"، وهي الحالات التي أُلحقت بكشوفات الابتعاث، بعد اعتمادها بطريقة غير قانونية عبر توجيهات شخصية.
وكشفت الأرقام قفزة لافتة في هذا الملف، إذ سجل عام 2018 وحده 1565 إضافة، بتكلفة تجاوزت 2.9 مليون دولار في الربع الواحد، في حين شهد الربع الثالث من العام نفسه إضافة 585 حالة دفعة واحدة.
ولاحظت اللجنة تفشي هذه الموجات مع المحطات السياسية والإدارية التي كان يُتوقع أن تحدث تغييرات حكومية فيها من أجل تمرير الملفات بسرعة.
وفي مفارقة اجتماعية مؤلمة، سلّط التقرير الضوء على أنه في وقت اندفع أبناء المواطنين العاديين والمتفوقين إلى جبهات القتال أو واجهوا الظروف القاسية في الداخل، تنعّم أبناء كبار المسؤولين والسياسيين والمشايخ والتجار بدراسة مموّلة بالكامل خارج البلاد.
أيضاً شمل الفساد منحاً لأبناء مشرفين وقيادات في جماعة الحوثي على نفقة الحكومة الشرعية، مع رصد ظاهرة "توارث المنح"، عبر إحلال الأخ بدلاً من أخيه المنقطع أو المتخلف عن الدراسة، كما حدث في حالات موثقة في مصر والسودان، وكأن البعثات أملاك خاصة وليست مالاً عاماً.
يؤكد الأكاديمي في كلية التربية بجامعة تعز، الدكتور عبد الحكيم الفقيه، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن المحسوبية والعشوائية في ملف الابتعاث الخارجي ليست وليدة اللحظة، بل ممتدة منذ ما يقارب ثلاثة عقود، مشيراً إلى أنها "تضاعفت بشكل حاد عقب الحرب وتبعات المحاصصة الوزارية".
ويوضح الفقيه أن "هذا الملف عانى طويلاً من الوساطات، والرشاوى، واحتكار المنح، إلى جانب تخبط اختيار التخصصات وتشتت جهات الإيفاد". ويضيف أن "التقرير الأخير كشف بوضوح حجم استحواذ المسؤولين على المقاعد الدراسية، وحرمان الطلاب المستحقين وأبناء الفئات الأشد فقراً".
ويأمل الفقيه أن "يعمل وزير التعليم العالي أمين نعمان، على تصحيح مسار الابتعاث والانحياز للمستحقين"، مؤكداً أن إصلاح معادلة الإيفاد الخارجي أمر مفصلي للعملية التعليمية، لأن "فساد المدخلات يؤدي حتماً إلى فساد المخرجات".
وتطرّق التقرير إلى الخلل الهيكلي في توزيع التخصصات، إذ كشف أن نحو 90% من التخصصات المبتعث إليها إنسانية وأدبية تتوفر في الجامعات المحلية.
وبلغ عدد مبتعثي الجامعات الحكومية في التخصصات الأدبية والإنسانية 233 طالباً، يمثلون 36% من إجمالي مبتعثي الجامعات، بكلفة سنوية وصلت إلى 1.73 مليون دولار.
ورأى التقرير أن هذه الأموال كان يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في حال سُخّرت لتطوير برامج الدراسات العليا بالداخل، بدلاً من استنزاف الموارد المحدودة.
ووصل العبث الأكاديمي إلى مستويات غير مسبوقة، عبر ابتعاث طلاب لدراسة اللغة العربية في بلدان غير عربية، مثل الهند وماليزيا وباكستان، ودراسة الأدب الإنكليزي في دول غير ناطقة بها مثل روسيا وتونس، إلى جانب حالات غريبة مثل ابتعاث طالب من جامعة ذمار إلى مصر لدراسة تخصص "إنتاج أسماك".
ولم تقف الاختلالات عند الحدود المدنية، بل اجتاحت ملفات مؤسسات سيادية كوزارة الدفاع.
وكشف التقرير خلو ملفات مبتعثيها من أدنى البيانات الأساسية أو الوثائق الثبوتية والبطاقات العسكرية. وأظهرت الوثائق طغيان المعدلات الضعيفة (بدرجة مقبول) لمن أوفدوا للدراسات العليا، إلى جانب ابتعاث أشخاص لا ينتمون إلى القطاع العسكري أصلاً، أو غير مستقرين في اليمن.
ووُجهت موازنات المؤسسة العسكرية لتمويل تخصصات مدنية لا علاقة لها بالدفاع، إذ كشف التقرير أن جميع المبتعثين عبر وزارة الدفاع إلى الأردن (14 طالباً)، وماليزيا (11 طالباً)، وألمانيا (12 طالباً) درسوا تخصصات مدنية بالكامل، وكان غريباً إرسال طالب على نفقة "الدفاع" لدراسة "العلوم الزراعية".
وفي مفارقة مالية صارخة خصصت الحكومة نحو 4,500 دولار سنوياً رسوماً للطالب الواحد في تخصصات أدبية وإنسانية تتوفر بكثرة داخل البلاد، ما استنزف موازنة الدولة في استئجار مقاعد أدبية في الخارج بأسعار مضاعفة.
ولم تتوقف الاختلالات عند هذا الحد، بل كشف التقرير استمرار صرف المخصصات لطلاب تجاوزوا المدد القانونية بسنوات طويلة، حيث تبين أن بعضهم لا يزال يتقاضى استحقاقاته رغم ابتعاثه منذ عامي 2010 و2011، فضلاً عن اكتشاف حالات "ازدواج" لطالب واحد ظهر اسمه في كشوفات الابتعاث في دولتين مختلفتين في وقت واحد.
ولم تقتصر التجاوزات على صلة القرابة وتوزيع التخصصات، بل طاولت الشروط الأكاديمية التنافسية، إذ أظهرت البيانات كشوفات تعج بحاملي معدلات متدنية في الثانوية العامة في خانات السبعينات والستينات بل حتى الخمسينات، وبعضهم رسبوا في اختبارات المفاضلة.
وقد مُنحت هذه الفئات ضعيفة التحصيل مقاعد في تخصصات حيوية مثل الطب البشري وطب الأسنان وهندسة البترول (كما في مصر بمعدلات تتراوح بين 69% و74%)، ما أدى لاحقاً إلى تعثر هؤلاء الطلاب وتمديد فترات دراستهم أو تحويلهم إلى تخصصات أسهل.
(العربي الجديد)