11 يونيو 2026
10 يونيو 2026
يمن فريدم-طارق الشامي


مع أن الصين تعرف تاريخياً باختراع البارود والورق والبوصلة، إلا أنها لم تكُن قوة علمية أو اقتصادية خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي، إذ مثل حجم ناتجها المحلي الإجمالي (163.7 مليار دولار) 10% من اقتصاد الولايات المتحدة آنذاك (1.68 تريليون دولار).

لكن زيارة ريتشارد نيكسون كأول رئيس أمريكي إلى جمهورية الصين الشعبية في الـ21 من فبراير/ شباط عام 1972 التي مهدت لها دبلوماسية "البينغ بونغ" بين البلدين، وما تلى ذلك من دعم أمريكي علمي وصناعي لبكين، غيّر البلاد كثيراً، فتحولت بعد نصف قرن لتصبح بالنسبة إلى كثرٍ في واشنطن الخصم والتهديد الأكبر للولايات المتحدة الآن ومستقبلاً.

وتجلت الندية في التعامل بين البلدين خلال زيارة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة لبكين، إذ حذره الرئيس الصيني شي جينبينغ من مغبة الوقوع في فخ "ثيوسيديدس" وهو أن تشعر القوة العظمى القائمة والمهيمنة (أمريكا) بأنها ملزمة خوض الحرب ضد القوة الصاعدة (الصين)، مما أكد اقتناع الرئيس الصيني الراسخ بأن الولايات المتحدة قوة متراجعة، وزاد من الشكوك بين القوتين العظميين، بخاصة بعدما استقبلت العاصمة الصينية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب انتهاء زيارة ترمب مباشرة، في رسالة لا تخطئها عين بالتحدي والمواجهة.

فلماذا يشعر الأمريكيون بالندم على مساعدتهم "التنين الصيني" في النهوض بينما كان هدفهم الحقيقي هو فصل الصين عن الاتحاد السوفياتي لإضعاف الأخير؟ وما سبيلهم في الصراع الحتمي بين البلدين على قيادة العالم؟

تحول صادم

قبل 54 عاماً، فاجأ ريتشارد نيكسون العالم كأول رئيس أميركي يزور الصين، مما صدم العالم وأثار قلق القادة السوفيات في موسكو الذين تساءلوا عما إذا كانوا يشهدون ولادة تحالف الولايات المتحدة والصين الذي كانوا يخشونه منذ انهيار التحالف الصيني - السوفياتي في أوائل الستينيات.

غيرت زيارة نيكسون التي استغرقت ثمانية أيام العالم وبدلت بصورة كبيرة ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد السوفياتي. فقد ظلت العلاقات الدبلوماسية مجمدة بين واشنطن وبكين الشيوعية على مدى أكثر من 20 عاماً، ولكن مع اقتراب فترة الستينيات المضطربة من نهايتها، كانت إدارة نيكسون تواجه كثيراً من التحديات الرئيسة مثل الحرب الكارثية في فيتنام والصراع الاجتماعي في الداخل ومفاوضات الأسلحة النووية المتوقفة مع السوفيات.

وعلى رغم أن نيكسون صور نفسه على أنه محافظ متشدد وشعبوي معادٍ للشيوعية، فإنه كان ذكياً من الناحية الاستراتيجية، إذ توصل ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر إلى الاعتقاد بأنه من خلال إذابة العلاقات مع الصينيين وإدخالهم في "الأمم المتحدة"، يمكن لأمريكا أن تكسب حليفاً جديداً قوياً خلال مفاوضاتها لإنهاء حرب فيتنام مع كل من الفيتناميين الشماليين والسوفيات.

دبلوماسية "بينغ بونغ"

ساعد على ثقة نيكسون - كيسنجر في نجاح فكرتهما، أن الصينيين كانت لديهم أسبابهم الاستراتيجية الخاصة لإعادة فتح الحوار مع الولايات المتحدة. فعلى رغم أيديولوجيتهم الشيوعية المشتركة مع الاتحاد السوفياتي، كان هناك كثير من عدم الثقة بين موسكو وبكين، إذ شعرت قيادة جمهورية الصين الشعبية بالقلق من أن جيرانها السوفيات المكدسين بالأسلحة النووية والمتطورة، لديهم خطط لتوسيع أراضيهم إلى آسيا، خصوصاً بعدما شهدت أواخر ستينيات القرن الماضي مناوشات حدودية متكررة بين السوفيات والصينيين أوشكت على الدخول في حرب شاملة.

يشير إيفان توماس مؤلف كتاب "أن تكون نيكسون" إلى أن فكرة "عدو عدوي صديقي" التي تبناها نيكسون كانت فكرة صائبة، فبعد العمل من خلال قنوات عبر باكستان ورومانيا لتقديم مبادرات مع الصينيين، جاء اعتراف علني نادر بدفء العلاقة، إذ دعت جمهورية الصين الشعبية فريق كرة الطاولة الأمريكي إلى سلسلة من الألعاب في بكين عام 1971. وهو تبادل ثقافي أصبح يعرف باسم "دبلوماسية بينغ بونغ" أو "دبلوماسية كرة الطاولة".

استراتيجية ناجحة

كان هدف نيكسون من زيارته، إظهار حسن النية والتعاون، وإعلام العالم أن الولايات المتحدة اعترفت بقوة عظمى ثالثة على المسرح العالمي، يمكن أن تكون حليفاً اقتصادياً مهماً وتشكل في الوقت ذاته إحباطاً استراتيجياً للسوفيات.

ومثلت زيارة نيكسون التاريخية إلى الصين، ذروة نجاحات فترة رئاسته التي تلطخت في ما بعد بفضيحة "ووترغيت" واستقالته عام 1974.

في هذا الوقت، نظر الدبلوماسيون الأمريكيون والصينيون إلى العلم على أنه نشاط منخفض التوتر، يشبه التبادل الثقافي، ورأوا أن البدء باتفاق علمي غير مهدد من شأنه أن يمهد الطريق لمحادثات لاحقة حول قضايا أكثر حساسية سياسياً.

وفي الـ28 من يوليو/ تموز 1979، وقع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس الوزراء الصيني دينغ شياو بينغ اتفاقاً شاملاً للتعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، سهّل إجراء البحوث المشتركة ونقل التكنولوجيا في مجالات الفيزياء المتقدمة وتكنولوجيا الفضاء والطاقة.

لم تكُن لدى الولايات المتحدة مخاوف من أية منافسة اقتصادية صينية. ففي نهاية سبعينيات القرن الـ20، كانت الولايات المتحدة قوة اقتصادية عالمية عظمى راسخة، بحجم اقتصاد بلغ 2.63 تريليون دولار أي أكثر من 10 أضعاف اقتصاد الصين الذي راوح ما بين 178 و263 مليار دولار والذي كان اقتصاداً مخططاً ومغلقاً إلى حد كبير، وقائماً على الزراعة.

المشاركة البناءة

تجذرت العلاقة بين البلدين استناداً إلى ما تصفه وثائق الكونغرس الأمريكي بالمشاركة البناءة، فكان صانعو السياسات في واشنطن يأملون في أن يؤدي تعميق العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية إلى تحفيز إصلاحات سياسية جوهرية في الصين ودمج بكين في النظام العالمي القائم على القواعد ومواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي.

وفي أعقاب اتفاق العلوم والتكنولوجيا، فتحت واشنطن أبوابها أمام عشرات آلاف الطلاب والباحثين الصينيين، مما أدى إلى تدفق هائل من الطلاب الصينيين لدراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وغيرها من التخصصات في الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، دعمت الولايات المتحدة تطبيع التجارة، فوقعت اتفاقاً تجارياً ثنائياً عام 1979 ومنحت الصين وضع الدولة الأكثر تفضيلاً عام 1980، مما منح المصدرين الصينيين إمكان الوصول التفضيلي إلى السوق الاستهلاكية الأمريكية الضخمة.

وعلى مدى العقود الأربعة اللاحقة، دعمت الولايات المتحدة اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، وبلغ ذلك ذروته بانضمامها عام 2001 إلى الاتفاق العام للتجارة والتعريفات الجمركية (غات) الذي تحول في ما بعد إلى منظمة التجارة العالمية، مما ساعد الصينيين كثيراً في غزو الأسواق العالمية وتحولها إلى مصنع للعالم بفضل مزايا الكلفة الزهيدة التي تتمتع بها عبر الإنتاج الضخم والمنافسة المفتوحة.

تعاون بلا قيود

بعد فترة عزلة طويلة امتدت من الثورة الثقافية في أواخر خمسينيات القرن الماضي وحتى أوائل سبعينياته، أعلنت الصين إصلاحات وتحديثات وانفتاح عالمي، وكان على رأس التحديثات التي قامت بها ما عرف باسم "التحديثات الأربعة" وهي العلوم والتكنولوجيا والزراعة والدفاع والصناعة.

وفي الأعوام اللاحقة، ازدهر الاقتصاد الصيني، وكذلك إنتاجه العلمي. ومع توسع الاقتصاد، ازداد استثمار الصين في البحث والتطوير المحليين، وعزز هذا كله قدرة بكين على التعاون في المجال العلمي، مما أسهم في دعم اقتصادها.

وبينما كان التعاون المبكر في إطار الاتفاق الشامل لعام 1979 رمزياً في معظمه، واعتمد على تبادل المعلومات، نما التعاون الجوهري بمرور الوقت وبلا قيود بحسب أستاذة الشؤون العامة في جامعة ولاية أوهايو كارولين واغنر.

ومن الإنجازات المبكرة البارزة، نشر البلدان بحثاً يظهر إمكان تناول الأمهات لحمض الفوليك للوقاية من تشوهات خلقية لدى الأجنة، كذلك أسهمت شراكات ناجحة أخرى في تطوير الطاقة المتجددة واختبارات تشخيصية سريعة لفيروس "سارس"، وطريقة تعمل بالطاقة الشمسية لإنتاج وقود الهيدروجين.

وبعد ذلك، بدأت المشاريع المشتركة بالظهور بمعزل عن الاتفاقات أو المساعدات الحكومية، وتلاقت جهود الباحثين حول اهتمامات مشتركة.

وهكذا ازدهر التعاون العلمي بين البلدين، حيث بادر أمريكيون كثر من أصل صيني أو الصينيون الذين يعملون في الولايات المتحدة إلى إنشاء هذه المشاريع، وتعاونوا مع باحثين في بلادهم.

بداية التوتر

خلال العقدين الأولين من الألفية الثانية، ازداد التعاون العلمي بين البلدين بصورة ملحوظة، حيث توسعت مشاريع البحث المشتركة وارتفع عدد الطلاب الزائرين في مجالات العلوم والهندسة بصورة كبيرة، وحظيت المنشورات المشتركة بمزيد من التقدير.

لكن مع نمو الاقتصاد الصيني ونجاحه التكنولوجي، بدأت الوكالات الحكومية الأمريكية والكونغرس بالتدقيق في اتفاق التعاون العلمي ونتائجه بعدما بدأت الخبرة الصينية بناء قوتها العسكرية.

ومع تزايد النفوذ العسكري والسياسي للصين، انتاب القلق الولايات المتحدة حول سرقة الملكية الفكرية وانتهاكات الأسرار التجارية ونقاط الضعف الأمنية الناجمة عن علاقاتها مع الصين.

وتُعد التشريعات الأمريكية الأخيرة مثل "قانون تشيبس والعلوم"، رداً مباشراً على التوسع الصيني المذهل، فمن خلال هذا القانون، ستعزز الولايات المتحدة صناعة أشباه الموصلات لديها التي تُعد أساساً لبناء صناعات المستقبل، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى الحد من وصول الصين إلى التطورات في مجالي الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات.

تزامناً، اعتقد بعض السياسيين بأن اتفاق العلوم والتكنولوجيا الثنائي مع الصين الذي جُدد مرات عدة، يهدد هيمنة الولايات المتحدة في مجال العلوم والتكنولوجيا. ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية، تخوف كثرٌ من تجديد الاتفاق، حتى مع توقيع الصين اتفاقات مماثلة مع أكثر من مئة دولة.

تقليص التعاون

في النهاية، وقعت الولايات المتحدة والصين بروتوكولاً لتعديل وتمديد اتفاق التعاون العلمي والتكنولوجي لمدة خمسة أعوام في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ولكن مع تضييق نطاق التعاون الذي اقتصر على البحوث الأساسية بين الحكومات، ولا سيما في العلوم التطبيقية، بدلاً من تطبيقه على نطاق واسع ليشمل جميع التبادلات العلمية الأكاديمية وغير الحكومية، وتطلبت الشروط الجديدة حماية أقوى للملكية الفكرية وقواعد أكثر صرامة لضمان سلامة الباحثين والشفافية بين الجهات المنفذة.

في ظل هذا التوجس، بدا أن الولايات المتحدة تعيش في عالم لم يعُد موجوداً، ذلك العالم الذي هيمنت فيه على العلوم والتكنولوجيا، إذ تتصدر الصين الآن دول العالم في منشورات الأبحاث المعترف بجودتها العالية، وتخرج عدداً من المهندسين يفوق بكثير ما تخرجه الولايات المتحدة. ووفقاً لجميع المقاييس، فإن الإنفاق الصيني على البحث العلمي في ازدياد مطّرد.

ونتيجة لتقليص التعاون، انخفض عدد المنشورات المشتركة، وتراجع إقبال الباحثين الصينيين على المجيء إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، ازداد معدل عودة الباحثين الصينيين الموجودين في الولايات المتحدة لبلادهم، حاملين معهم معارف قيمة.

استراتيجية معاكسة

بعد خمسة عقود ونصف العقد من خطوة نيكسون المفاجئة التي غيرت العالم، يجد الأمريكيون أنفسهم حالياً في مواجهة أخطار أكبر تتمثل في عودة الصينيين والروس للتحالف والتعاون على الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً وأحياناً عسكرياً، إذ تدرك واشنطن أن مواجهة موسكو وبكين تتطلب تحركاً أمريكياً حاسماً على صعيد جبهات عدة، من تعزيز عسكري جذري لقوات "الناتو" في جميع أنحاء أوروبا الشرقية، وموقف تصادمي أكبر في بحر الصين الجنوبي والشرقي، مما سيؤدي إلى زيادة الضغط على الجيش الأمريكي، كذلك سيمثل عبئاً لم يعُد يرغب الشعب الأمريكي في تحمله.

ومع حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعُد مستعدة أو قادرة على القيام بالدور القيادي الذي كانت تقوم به ذات مرة في الشؤون العالمية، كما يشير الأستاذ في جامعة "هارفارد" الأمريكية جيريمي فريدمان، اعتمدت إدارة ترمب استراتيجية لمواجهة الصين وروسيا على نهج متعدد المستويات قائم على المعاملات، يعطي الأولوية للهيمنة الاقتصادية والقيود التكنولوجية ومحاولات تفكيك التحالف الصيني – الروسي، إذ تسعى الإدارة إلى تعزيز الشراكات الإقليمية لردع التوسع الصيني في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، فضلاً عن محاولة تحسين العلاقات الثنائية مع موسكو لفصل روسيا عن تحالفها الاستراتيجي مع الصين، بهدف عزل بكين في نهاية المطاف. وهي نفس استراتيجية نيكسون-كيسنجر ولكن بطريقة معاكسة هذه المرة.

نهج مستمر

بدأ هذا النهج منذ إدارة ترمب الأولى واستمر مع إدارة جو بايدن، ولا تزال إدارة ترمب الثانية تعمل على النهج ذاته، على رغم محاولة تخفيف حدة التنافس خلال زيارة ترمب الأخيرة لبكين برفقة عدد كبير من قادة الشركات الأمريكية، إذ تنظر واشنطن إلى التقدم السريع لقوة الصين العالمية المنافسة على أنها تهديد لأمنها القومي والاقتصادي، وأدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية بطرق عدة خلال العقد الأخير.

وفرضت واشنطن قيوداً شاملة على تصدير التقنيات الحساسة، ولا سيما أشباه الموصلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، لمنع هذه التطورات من دعم القدرات العسكرية الصينية.

وإضافة إلى القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على اتفاق التعاون العلمي والتكنولوجي مع الصين، بسبب المخاوف من سرقة الملكية الفكرية وتحقيق ميزة عسكرية، أطلقت واشنطن مبادرات لمراقبة ومقاضاة الباحثين المشتبه في مشاركتهم الملكية الفكرية مع حكومات أجنبية، على رغم أنها أثارت مخاوف الجامعات إزاء احتمال هجرة العقول الأجنبية من المؤسسات الأميركية.

وإدراكاً للاعتماد المفرط على التصنيع والبنية التحتية التكنولوجية الصينية، سنت الولايات المتحدة تشريعات تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي للتقنيات الحيوية، وفرض ترمب تعريفات جمركية واسعة النطاق على البضائع الصينية والسيارات الكهربائية الصينية لحماية الصناعة الأميركية وتصحيح الاختلالات التجارية، وقيدت الولايات المتحدة أيضاً تصدير أشباه الموصلات المتقدمة (مثل رقائق "إنفيديا") ومعدات تصنيع الرقائق الحيوية، فيما تسعى إلى دعم سلاسل إمداد المعادن الحيوية لمواجهة احتكار الصين للعناصر الأرضية النادرة، فضلاً عن العمل على إعادة توطين سلاسل الإمداد لتجنب نقاط الضعف الحرجة.

إضافة إلى ذلك، حاولت واشنطن من خلال تعزيز هيمنة الولايات المتحدة على الطاقة وتقييد تدفقات النفط من دول مثل إيران وفنزويلا، التأثير بصورة غير مباشرة في أسواق الطاقة العالمية ورفع كلفة الاستيراد على الصين وتغيير النفوذ الجيوسياسي الذي تتمتع به الدول الحليفة للصين مثل روسيا.

عوامل محلية سلبية

بينما تتسارع وتيرة تقدم الصين في سباق التقدم العلمي والتكنولوجي، تتخذ الولايات المتحدة استراحة غير موفقة في أسوأ توقيت في التاريخ، إذ استخدمت إدارة ترمب مزيجاً من السياسات التي من شأنها أن تؤثر في مسيرة التقدم الأمريكي، من بينها الحد من المساعدات الفيدرالية لعدد من الجامعات المرموقة والمراكز البحثية بسبب الخلافات حول سياسات التنوع ونوع البحوث التي ترغب الإدارة في تمويلها.

وبينما تفوق العلماء الصينيون أخيراً على نظرائهم الأمريكيين في عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المرموقة، استقرت استثمارات الولايات المتحدة في البحث العلمي المحلي، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، خلال الأعوام الخمسة الماضية، بينما استمرت استثمارات الصين في النمو. أما مجال التفوق العلمي الأمريكي الوحيد الذي اعتقد الأميركيون بأنهم متقدمون فيه على الصين وهو الذكاء الاصطناعي، فتلقى صدمة قوية العام الماضي، عندما فاجأ برنامج "ديب سيك" قادة التكنولوجيا الأمريكيين.

في الوقت ذاته، هددت السياسات المعادية للهجرة معدلات الابتكار والاستثمار. ووفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فإن أكثر من نصف الحاصلين على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب والرياضيات في الولايات المتحدة هم من مواليد الخارج، وجاء كثرٌ منهم إلى البلاد كطلاب دراسات عليا، وعدد كبير منهم لم يكتفِ بالحصول على الجنسية، بل أمضى بقية حياته المهنية في التدريس ونقل معارفه إلى الأجيال التالية من الأمريكيين.

ويعزى الفضل للمهاجرين في تأسيس 55% من الشركات الناشئة التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات في الولايات المتحدة، وأكثر من ثلث الأمريكيين الحائزين على جوائز "نوبل" قدموا إلى أمريكا في البداية كباحثين أجانب، وفي المجالات الناشئة الرئيسة للاكتشاف العلمي والابتكار، تزداد أهمية إسهامات المهاجرين، إذ كشف تحليل حديث أجرته المؤسسة الوطنية للسياسة الأمريكية عن أن ما يقارب ثلثي (65%) كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة أسسها أشخاص ولدوا خارج الولايات المتحدة.

وأظهر استطلاع رأي أجرته مجلة "نيتشر" العام الماضي أن 75% من العلماء يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة، بينما تتطلع أوروبا وكندا ودول أخرى إلى الاستفادة من هجرة العقول المحتملة.

صراع البقاء على القمة

يشعر الأمريكيون بالندم الآن أكثر من أي وقت مضى، إذ بات التنافس العلمي والتكنولوجي والعسكري في ذروته في الوقت الحالي، ولا تزال الولايات المتحدة تراهن على إمكان بقائها في صدارة الريادة العالمية علمياً وتكنولوجياً وعسكرياً واقتصادياً من خلال الاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتفوقة والحوسبة الكمومية.

حتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد وفقاً لأسعار الصرف السوقية، مع ناتج محلي إجمالي اسمي يبلغ نحو 31.8 تريليون دولار، بينما تُعد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إذ يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي ما يقارب الـ20.6 تريليون دولار أمريكي.

من الممكن أن تشهد الأعوام المقبلة صراعاً عسكرياً مريراً لعرقلة وصول الصين إلى قمة الريادة العالمية، مما حذر منه الرئيس شي شينبينغ حينما أشار إلى "فخ ثيوسيديدس". لكن الصراع العسكري من المحتم أن تكون عواقبه وخيمة على البلدين والعالم، إذ من المرجح ألا يقبل أي منهما الهزيمة. لكن إذا تحلى قادة البلدين بالعقلانية وبحل المشكلات الناشئة عن تنافسهما العالمي بطريقة سلمية، سيتجنب الجميع أسوأ كوابيس العصر، ليبقى التنافس العلمي والتكنولوجي هو العامل الحاسم في تحديد من يفوز بالسباق.

(اندبندنت عربية)

الهاشتاج
أمريكا الصين
الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI