بعد سنوات من تعرضها للعنف الأسري على يد زوجها، عادت أمينة* إلى منزلها ذات يوم لتجده متوفياً. سارعت إلى إبلاغ أحد أصدقائه المقربين والشرطة بالواقعة، إلا أن قوات الأمن اعتقلت كليهما عند وصولها إلى المكان. وبعد أشهر من التحقيقات، أُفرج عن صديق الزوج بكفالة، بينما بقيت أمينة خلف القضبان.
وبموجب المادة (184) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني، يحق للمتهمين غير المدانين طلب الإفراج المؤقت بكفالة، غير أن محامين يؤكدون أن النساء يواجهن عقبات إضافية ترتبط بالأعراف الاجتماعية والتقاليد التي تحد من فرص الإفراج عنهن.
أمضت أمينة ثلاثة أعوام في انتظار النظر في استئنافها، رغم حقها في محاكمة عادلة وسريعة، قبل أن تُنهي حياتها شنقاً داخل أحد سجون صنعاء في 4 يونيو/حزيران 2020، بعد سنوات من الاحتجاز دون حسم قضيتها.
ووفقاً لإفادات سجينات نقلتها منظمات حقوقية، فإن إدارة السجن لم تتخذ إجراءات لمعالجة الآثار النفسية للحادثة أو منع تكرارها، بل فرضت قيوداً إضافية شملت الحد من التواصل بين النزيلات وأسرهن، ما فاقم مشاعر العزلة والضغوط النفسية.
سنوات خلف القضبان بعد انتهاء العقوبة
تروي هناء* أنها وقّعت على مستندات مالية بطلب من زوجها لمساعدته في تأسيس شركة. وبعد تعثر المشروع، طالب المستثمرون باسترداد أموالهم، فتم سجنها مع زوجها لكون الوثائق مسجلة باسمها.
ورغم صدور حكم بالسجن ثلاث سنوات عليهما معاً وإلزامهما بسداد الديون، تمكن زوجها من الخروج بكفالة، بينما بقيت هناء في السجن. وبعد فترة انقطعت أخباره عنها، قبل أن تتلقى أوراق طلاقها.
وظلت هناء محتجزة لما يقارب عشر سنوات، رغم الوعود المتكررة بمساعدتها. ووفقاً لتقرير صادر عن رابطة أمهات المختطفين بعنوان "أخشى أن أموت ولا يعلم أحد"، تعرضت في عام 2020 لانتهاكات جسدية ومحاولات انتحار متكررة نتيجة الضغوط النفسية وسوء المعاملة.
وصمة اجتماعية لا تنتهي بالخروج من السجن
بالنسبة لكثير من النساء اليمنيات، لا تنتهي المعاناة عند الإفراج عنهن. فمجرد الاعتقال أو الاشتباه قد يؤدي إلى نبذ اجتماعي ورفض أسري وتدمير للسمعة.
وتروي هيفاء علي (31 عاماً) أنها اعتُقلت في محافظة عمران على خلفية خلاف بين شقيقها وأحد المشرفين الحوثيين، وقضت 20 يوماً في الاحتجاز. لكن الصدمة الأكبر جاءت بعد الإفراج عنها، إذ أنهى خطيبها ارتباطه بها ورفضت أسرتها استقبالها.
وقالت: "كنت أعتقد أن الجميع سيقدر ما حدث لي بسبب أخي، لكن عائلتي رفضت استقبالي".
وبسبب غياب ولي أمر يتسلمها، بقيت في السجن عدة أشهر إضافية، حيث تعرضت للتنمر والإهانات من بعض السجينات. وأضافت: "عندما خرجت لم يستقبلني أحد، فغادرت صنعاء".
الحرب تفاقم معاناة السجينات
وتؤكد أمينة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أن أوضاع النساء في السجون اليمنية "مأساوية"، مشيرة إلى أن بعض الأسر تتخلى عن بناتها بمجرد دخولهن السجن، ما يعرضهن لانتهاكات متواصلة تبدأ من التحقيقات غير القانونية وتنتهي بسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
كما ساهمت الحرب المستمرة منذ عام 2014 في تفاقم أوضاع السجينات، من خلال تردي ظروف الاحتجاز، وتزايد حالات الاعتقال التعسفي، واتساع الوصمة الاجتماعية، وضعف الحماية القانونية.
وفي حالات عديدة، تتحول لحظة الإفراج إلى أزمة جديدة، إذ ترفض بعض السجون إطلاق سراح النساء بعد انتهاء مدة محكوميتهن بحجة رفض أسرهن استلامهن أو غياب ولي أمر ذكر، رغم أن القانون اليمني لا ينص على مثل هذا الشرط، بل يجرّم استمرار احتجاز أي شخص بعد انتهاء عقوبته.
انتهاك قانوني وتمييز قائم على النوع الاجتماعي
وتنص المادة الدستورية المتعلقة بالحريات العامة على أن الدولة تكفل الحرية الشخصية ولا يجوز تقييدها إلا بحكم قضائي صادر عن جهة مختصة.
وقالت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية السابقة، إشراق المقطري، إن استمرار احتجاز النساء بعد انتهاء مدة العقوبة يمثل "انتهاكاً قانونياً واضحاً" ويعكس ممارسات ممنهجة تتحمل مسؤوليتها النيابة العامة والسلطة القضائية المكلفة بالرقابة على السجون.
وأضافت أن اشتراط موافقة الأسرة للإفراج عن النساء لا يستند إلى أي نص قانوني، بل يعكس هيمنة الأعراف الاجتماعية على تطبيق القانون ويكرس التمييز ضد المرأة، في حين يُفرج عن الرجال دون شروط مماثلة.
وبحسب إحصاءات رسمية تعود إلى مارس/آذار 2020، بلغ عدد السجينات في اليمن 376 امرأة، من بينهن 57 أكملن مدة محكوميتهن لكنهن بقين محتجزات، فيما تشير مصادر حقوقية إلى أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
زواج قسري هرباً من "العار"
ومن بين القصص التي توثق تبعات الوصمة الاجتماعية، قصة سارة عادل (16 عاماً)، التي اعتُقلت في صنعاء بعد خلاف مع مشرفة حوثية في مدرستها إثر رفضها ترديد شعار الجماعة.
ورغم الإفراج عنها بعد أسبوعين بوساطة قبلية، فوجئت بأن أسرتها رتبت زواجها قسراً من رجل يكبرها بعشرين عاماً خلال فترة احتجازها، ومنعتها من مواصلة تعليمها.
وقالت سارة: "أجبرتني عائلتي على الزواج باعتباره السبيل الوحيد للهروب من العار. كانوا يقولون إنني سأصبح منبوذة ولن يقبلني أحد في العمل أو المجتمع".
من جانبها، أوضحت الطبيبة النفسية يسرى أحمد أن النساء اللاتي يخرجن من السجون يواجهن وصمة مزدوجة؛ إذ تحرمهن أسرهن من فرصة العودة إلى حياة طبيعية، كما ترفض غالباً حصولهن على الدعم النفسي باعتباره مصدراً إضافياً للعار.
وأضافت أن هذا الواقع يدفع العديد من النساء نحو العزلة والتشرد أو الانتحار نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية المستمرة، داعية إلى إنشاء برامج دعم نفسي مستقلة، وتجريم الزواج القسري، وتوفير مراكز إيواء للنساء اللواتي ترفض أسرهن استقبالهن بعد الإفراج عنهن.
*تم تغيير بعض الأسماء حفاظاً على الخصوصية.
(moretoherstory)