في المفهوم العام تتفاوت الحريات من بلد إلى آخر، ولكن في الحالة اليمنية يتباين واقعها من محافظة إلى أخرى طبقاً لكل كيان سياسي أفرزته أكثر من 10 أعوام من الحرب والصراع.
ومثلما باتت المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية تضيق ذرعاً بأي عمل مدني وإن كان إنسانياً، تشكل مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها حالة أفضل على رغم تفاوت نسبة الحريات من محافظة إلى أخرى.
وفي الأيام الماضية، تصاعدت أعمال الملاحقة والقمع ضد المؤثرين وصانعي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات الحوثي.
العمل الإنساني يكشف هول الجوع
وشملت أبرز الوقائع هرب اثنين من أبرز المؤثرين في اليمن. وهما صانع المحتوى والممثل أحمد الجيشي، والناشط الإنساني عماد الفيل بعد تعرضهما لتهديدات بالاعتقال والتنكيل جراء أنشطتهما الإنسانية، وهو النشاط الذي تجرمه الميليشيات المدعومة من إيران وتعده تجييشاً شعبياً ضدها.
وفي مقطع مصور نشره مساء أمس الخميس، قال الناشط الإنساني عماد الفيل إنه اضطر إلى "الهرب" من العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي عقب تعرضه لتهديدات من عناصر الميليشيات المصنفة إرهابية.
وعرف الفيل خلال الأعوام الماضية، كأحد أبرز الناشطين في مجال العمل الإنساني والمبادرات المجتمعية في العاصمة صنعاء، حيث اكتسب شهرة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال تنفيذ مبادرات خيرية تستهدف الأسر المحتاجة والمرضى والأيتام والمشردين والفقراء.
وقال الفيل في فيديو له عقب تمكنه من مغادرة صنعاء، إنه "هرب من صنعاء" بعد تعرضه لسلسلة مضايقات وتهديدات عقب ظهوره في مقطع فيديو للممثل وصانع المحتوى اليمني أحمد الجيشي الذي سبق وغادر هو الآخر صنعاء للأسباب ذاتها.
وأوضح في تسجيله المصور أن أحد الأشخاص الحوثيين أجرى اتصالين هاتفيين به، ووجه له إساءات وتهديدات، وطلب منه لقاءه لضيافته، مما دفعه للمغادرة.
وذكر أن الضيافة لدى الحوثيين تعني غرفاً انفرادية وكل أنواع التعذيب، مما دفعه للمغادرة حفاظاً على سلامته.
وعلى رغم تكريس الفيل نشاطه بتوثيق عمليات توزيع المساعدات ونشر القصص الإنسانية للتعاطف معها ومساعدتها ما أكسبه قاعدة جماهيرية داخل اليمن وخارجه، إلا أن ذلك وفق مراقبين سلوك مجرم لدى الحوثيين لأنه يكشف الواقع الإنساني المريع والصعب الذي بلغه الناس منذ انقلابهم عام 2014.
أنا جاوع
وقبل أيام، أعلن الممثل وصانع المحتوى أحمد الجيشي وصوله إلى السعودية عقب تمكنه من الفرار من مناطق جماعة الحوثي بسبب تهديدات مباشرة على خلفية نشره مقطعاً تمثيلياً بعنوان "أنا جاوع" تناول فيه معاناة المواطنين من تردي الأوضاع المعيشية.
وقال الجيشي إن الفيديو أثار غضب الجماعة، وكشف عن تلقيه رسائل واتصالات تضمنت تهديدات صريحة.
ومن بين هذه الرسائل، وفق الجيشي، رسالة قال إنها وصلته من القيادي بجماعة الحوثي عز الدين عامر قال فيها "سأريك كيف تكون جاوع" إلى جانب اتصالات وتهديدات أخرى فضلاً عن حملة إعلامية شنتها عناصر تابعة للميليشيات تتوعده بالانتقام.
الحريات من محافظة لأخرى
وفي غالب الأمر ينتقل المؤثرون للعيش في الخارج كما هي حال عشرات الإعلاميين والنشطاء والسياسيين والفنانين وغيرهم بعدما ضاق بهم أفق الحريات والحياة في اليمن.
فيما اضطر آخرون للانتقال إلى مناطق تقع في نطاق سيطرة القوات الموالية للحكومة الشرعية التي تشكل بيئة التعايش فيها حالاً أفضل نسبياً من مناطق الحوثيين.
يقول رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي لـ"اندبندنت عربية"، إن انتقال الصحافيين والمؤثرين من مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناطق الحكومة يمثل فضاء أكثر أمناً.
ومع ذلك يقر الحميدي خلال حديثه إلى أن المحافظات التابعة للحكومة المعترف بها "توفر هامشاً أوسع نسبياً للتعبير والعمل الإعلامي، ولا تشهد مستوى القمع المنهجي نفسه القائم في مناطق الحوثيين، لكنها لا تزال تعاني انتهاكات موثقة".
(اندبندنت عربية)