15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026
يمن فريدم-بي بي سي نيوز عربي


"الدقيقة، في لحظة الهروب، تمر كأنها سنة". هذا ما قالته أم محمد، وهي تستعيد اليوم الذي تركت فيه بيتها في منطقة حمير بالوادي، غربي تعز، دون أن تكون مهيأة للخروج.

"في البداية كانت الاشتباكات بعيدة، لم نكن خائفين. الخوف بدأ عند وصول الحوثيين إلى المكان"، تقول وقد غلبها البكاء عند تذكر تفاصيل تلك الليلة.

محاولات للنجاة

اضطرت أم محمد إلى المشي مسافات طويلة وسط إطلاق نار لا تعرف مصدره، هي وأبناؤها الخمسة وأمها العجوز، تاركة خلفها بيتها وأرضها وماشيتها، التي كانت مصدر رزقها الوحيد، لتنجو بنفسها وأبنائها الذين يبلغ عمر أكبرهم نحو 14 عاماً.

تصف أم محمد في حديثها لبرنامج يوميات الشرق الأوسط عبر بي بي سي، صوت الرصاص الذي رافق رحلة نزوحها بأنه جعلها تظن أنهم مستهدفون بعينهم، من شدته واستمراره: "كنت أدعو الله فقط أن أصل بسلام من أجل أبنائي الذين كنت أرتعب عليهم. حاولت طمأنتهم بكل الطرق، كنت أقول لهم إن الرصاص بعيد وليس في طريقنا، بينما كان الصوت يقترب منا أكثر".

مشت أم محمد صحبة أبنائها وعشرات النازحين من القرية نفسها لساعات، قبل أن تجد سيارة تقلهم إلى مدينة تعز بمبلغ باهظ. اليوم تقيم العائلة في شقة مهجورة ومدمّرة جزئياً بسبب الحرب، بين عشرات الأسر التي لجأت إلى المكان نفسه.

تقول الأم: "الوضع الحالي صعب، المكان ضيق جداً ومزدحم. كنا ميسوري الحال، وفجأة صرنا عبئاً على الناس".

قصة أم محمد كقصة الآلاف، إذ أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الثلاثاء أن 100 ألف شخص على الأقل نزحوا منذ استئناف المعارك في اليمن بين الحوثيين والسعودية.

النزوح بين عواء الذئاب والرصاص

من بين الآلاف أيضاً، السيدة أم أزهار، التي كانت القذائف تسقط على بُعد كيلومتر واحد فقط من بيتها في مديرية مقبنة بريف تعز. وصلت الشظايا إلى نوافذ منزلها، فقررت النزوح مع أبنائها دون أن تأخذ أي شيء من متعلقاتها. "كان الكبار يصيحون من البيوت من شدة أصوات القذائف، والطيران يضرب بجوارنا. شعرنا بالموت حولنا"، تقول.

تصف أم أزهار مشهد خروج جيرانها من القرية: "خرج الجيران من بيوتهم حتى بلا ثياب. رأيت طفلاً في الخامسة من عمره يحمل شقيقته الرضيعة على ظهره، حتى سقط أرضاً من الإرهاق وهي فوقه".

هي نفسها مشت مسافات طويلة حاملة ابنتها، حتى احتمت بأحد الجبال، وانتظرت ساعات طويلة حتى مرّت أول سيارة فتزاحم عليها النازحون، ما اضطرها إلى المكوث وقتاً أطول وسط عواء الذئاب. تقول إنها شعرت أنها ستكون إما فريسة للذئاب أو هدفاً لرصاص القنّاصة من حولها.

مديرية جبل حبشي وحدها سجّلت نزوح ما يقارب 19 ألف شخص، بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق تضرراً في هذه الموجة من النزوح غربي تعز.

اليوم تتقاسم أسرة أم أزهار بيتاً واحداً مع سبع عائلات أخرى، وأطفالها بلا مدارس، ولم تصلهم أي مساعدة حتى الآن، فتقول باكية: "مشينا من الجبل بلا أي هدف، خرجنا من دون أن نعرف وجهتنا، كان الأهم أن نمشي وأن نفر. الإيجارات مرتفعة جداً، تركنا المواشي وكل شيء. إلى الآن لم تقدم لنا أي جهة أي مساعدات. كل أمنياتي أن أعود إلى مكاني وبيتي بأمان، نحن هنا غرباء".

"حماية الأطفال من الحرب.. الهمّ الأكبر"

أما محمد، الذي كان يعمل معلماً في قريته، فيختصر ما حدث بجملة واحدة: "لم أكن أتخيل أن نخرج في يوم من الأيام من بيتنا بهذه الطريقة، دون أن أحمل أي شيء سوى ملابسي التي على جسدي".

بدأت الأحداث بسقوط القذائف عشوائياً، وكان الرعب قد دبّ بين الأهالي، لكن قرار الخروج ظل صعباً رغم ذلك بحسب ما يقول محمد: "السبب الأبرز لنزوحي هو الخوف من الزجّ بالأطفال في هذه الحرب، ولذلك رغم الاشتباكات فضّلنا الخروج والنزوح إلى مديرية تعز".

ويضيف: "كانت لحظة فارقة لحظة النزوح. خرجنا من البيت في الساعة الخامسة عصراً، رفض أصحاب السيارات الدخول إلى القرية، فمشينا أكثر من ساعة إلى جبل حبشي في ظل زخات الرصاص والقذائف، من دون أي شيء، لا ملابس ولا أدوات ولا بطانيات. ظللنا في جبل حبشي حتى الصباح، ووجدنا سيارات بأسعار باهظة طلبت الواحدة منها 200 ألف ريال يمني".

يصف محمد أثر النزوح على النساء والأطفال: "كانت النساء تختبئ بين الجبال وهن يصرخن، ورأينا عائلات كثيرة تخرج كذلك من القرية".

"الأطفال في هذه الأثناء تعرّضوا لما يشبه الصدمة النفسية، يصيحون ويبكون من شدة الضرب حولهم وأصوات القذائف التي أصابتهم بالرعب. وحتى الآن، بعد أن استقرينا في المدينة، ما زالوا يشعرون بأصوات القصف".

يقول محمد إن أبرز الصعوبات كانت الخروج دون أي شيء: "لم ننم تلك الليلة، تركنا أغنامنا وأغراضنا كلها. تترك بيتك وتترك سكنك لتذهب إلى الشارع، في ليلة وضحاها تفقد كل شيء كان ملكك".

زاد التنقل من حجم المعاناة بسبب نقص المال؛ خرجت أسرته إلى جانب ثلاث أسر من أقاربه، وأسر أخرى كانت تبحث، مثلهم، عن مأوى وسكن وإغاثة. "الطريق جبلي، مشهد صعب، رأينا أشياء غريبة، الخوف في عيون الجميع، وسؤال 'إلى أين ستذهب؟' يلاحق الجميع"، يقول.

يؤكد محمد الذي لجأ لغرفة في منزل أحد أقاربه بلا فراش أو أي شيء في مديرية تعز إن الوضع المعيشي صعب للغاية، فعدة أسر يقيمون في بيت واحد، والأطفال ينامون على الأرض، مع عدم وجود طعام يكفي الجميع، فيما اضطرت أسرته إلى الاستدانة من الصيدلية للحصول على الأدوية التي يحتاجونها.

وبحسب بيانات رسمية، يعيش عدد كبير من الأسر النازحة في تعز أوضاعاً مشابهة، وسط نقص حاد في المأوى والغذاء والخدمات الصحية.

"الأمان كان همّنا الأكبر"

فضل زيد قرر بدوره اللجوء إلى مخيم متهالك في تعز أُقيم عشوائياً. يقول إن النزوح كان بالنسبة له ضرورة وليست خياراً، لأن الوضع كان مأساوياً للغاية، إذ كان الهم الأكبر بالنسبة له النجاة بأسرته.

خسر فضل زيد النازح من مديرية حيس ماله وعمله ومزارعه، لكن الأمان، كما يقول فوق كل اعتبار آخر.

أرقام لا تتوقف عن الارتفاع

ما يجمع قصص النازحين ليس فقط الخوف والفقدان، بل الطريق الجبلي الوعر نفسه، وغياب أي استجابة إنسانية فورية، وواقع جديد يتقاسم فيه عشرات الغرباء سقفاً واحداً لا يكفيهم. الخوف، كما تصفه إحدى الشهادات، هو "سيد المشهد"، وسؤال "إلى أين ستذهب؟" يلاحق كل من يمرّ في الطريق.

تشير بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين إلى أن محافظة تعز تصدّرت موجة النزوح الأخيرة بعشرات الآلاف من النازحين، تلتها محافظة لحج بنحو 19 ألف نازح، ثم محافظة الحديدة بنحو 8 آلاف نازح، في وقت امتدت فيه موجات النزوح لتشمل عدن وأبين وشبوة أيضاً.

هذه الأرقام تختصر آلاف القصص المشابهة لقصص أم محمد وأم أزهار ومحمد وفضل زيد، أسر فقدت مصادر رزقها بين ليلة وضحاها، وأطفال حُرموا من مدارسهم، ونساء وجدن أنفسهن يقدن رحلة النجاة وحدهن.

(أميرة دكروري)

الهاشتاج
اليمن نزوح حرب
الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI