هل سيواجه الاقتصاد العالمي فجأة تهديداً متزامناً لإمدادات الطاقة من ثلاث جبهات رئيسة هي الخليج العربي، والبحر الأحمر، والبحر الأسود، في وقت تدخل فيه الأسواق هذه المرحلة المضطربة بأدنى مستويات احتياطات النفط منذ أعوام، مما يزيد هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام أي صدمات جديدة.
ومع تفاقم أزمة التكرير العالمية فإن جرس الإنذار قد تصاعدت حدته فالقادم من الأزمات لن يكون كما كان سابقاً، ومن هنا يرى محللون العمل على سرعة فتح مضيق هرمز وتسهيل الإمداد النفطي.
صدمة النفط
صدمة النفط وطرق الإمداد باتت في اختناق بسبب توسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط هذا الأسبوع بعدما أجبرت جماعة الحوثي المدعومة من إيران ناقلات نفط على تغيير مسارها والعودة من مضيق باب المندب.
وفي الوقت ذاته اشتعلت جبهة أخرى، إذ كثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية الروسية للطاقة وعلى السفن في البحر الأسود، وأدت سلسلة من الضربات قرب ميناء نوفوروسيسك، الذي يتعامل مع ما يقارب ثلث صادرات النفط الروسية، إلى تعليق تدفقات النفط عبر خط أنابيب ينقل الخام الروسي والكازاخستاني إلى البحر الأسود.
الممرات البحرية
ويهدد تعطل هذه الممرات البحرية الثلاثة مجتمعة نحو ربع إمدادات النفط العالمية، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الطاقة أمام اختبار جديد لقدرتها على التكيف مع اضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة النقل.
وبات النفط محوراً رئيساً في صراعين يستحوذان على اهتمام العالم، فإيران تستخدم قدرتها على تعطيل إمدادات النفط القادمة من الخليج كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، بينما نجحت أوكرانيا في توسيع نطاق هجماتها على قطاع الطاقة الروسي، معرقلة صادرات النفط وأسواق الوقود المحلية، مما منح كييف زخماً جديداً في الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام.
وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت أربع سفن لأضرار قرب خط أنابيب النفط في البحر الأسود، من بينها ناقلة نفط استأجرتها شركة شيفرون وتعود ملكيتها إلى شركة الشحن اليونانية "أوكانيس إيكو". وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أريستيديس ألفافوزوس، إن هذه الهجمات تمثل "تهديداً ممنهجاً لشرايين إمدادات الطاقة العالمية ولسلامة العاملين الذين يضمنون استمرار تدفقها".
تراجع المخزونات
إلى ذلك تأتي هذه الأزمة المتعددة الجبهات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، ففي الولايات المتحدة، تراجعت مخزونات النفط الخام، التي تشمل المخزونات التجارية والاحتياط النفطي الاستراتيجي، بنحو 3 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في الـ17 من يوليو/ تموز الجاري، لتسجل أدنى مستوى لها منذ منتصف حقبة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان، في مؤشر يعكس تقلص هامش الأمان الذي كانت تعتمد عليه الأسواق لمواجهة أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات.
وتراجعت المخزونات النفطية الحكومية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم في معظمها اقتصادات متقدمة، بمقدار 44 مليون برميل إضافية خلال يونيو/ حزيران مقارنة بمستويات مايو/ أيار الماضيين، التي كانت بالفعل الأدنى منذ ديسمبر/ كانون الأول 1990، مما يعكس استمرار استنزاف احتياطات الطوارئ العالمية.
وقال محلل الأسواق في شركة "فورتيكسا" المتخصصة في تتبع حركة ناقلات النفط، ميك شتراوتمان، لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن "عمليات السحب الكبيرة من الاحتياطات الاستراتيجية خلال المراحل الأولى من الصراع استنزفت بصورة ملموسة هامش الأمان المتاح لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية في الإمدادات".
وارتفعت أسعار النفط الخام فوق مستوى 95 دولاراً للبرميل الأربعاء، للمرة الأولى منذ الـ10 من يونيو الماضي، أي قبل توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم بينهما، في إشارة إلى عودة المخاوف في شأن أمن الإمدادات إلى الواجهة.
أزمة الديزل
لكن الضغوط الأكبر لا تتركز في سوق النفط الخام، بل في المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، التي تعتمد عليها السيارات والشاحنات والجرارات والطائرات، فقد تجاوز متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات هذا الأسبوع، بالتزامن مع ذروة موسم السفر الصيفي، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة.
ويعود ذلك إلى أن اثنين من أكبر مراكز تصدير المنتجات النفطية المكررة في العالم، وهما روسيا ومنطقة الشرق الأوسط، يواجهان اضطرابات واسعة بسبب الصراعات العسكرية، مما أدى إلى تقليص الإمدادات العالمية من الوقود المكرر، حتى مع استمرار توافر كميات من النفط الخام في الأسواق.
أدت الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية إلى تعطيل جزء كبير من طاقة التكرير لدى روسيا، ثاني أكبر مصدر لوقود الديزل في العالم. ووفقاً لبيانات جمعتها شركة "إي إيه أناليتيكس"، انخفضت معدلات معالجة النفط الخام في روسيا إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، لتبلغ أقل من 4 ملايين برميل يومياً خلال الشهر الجاري.
ومع امتداد طوابير الانتظار أمام محطات الوقود داخل روسيا، قررت موسكو في الثامن من يوليو حظر صادرات الديزل حتى نهاية الشهر، بعدما كانت قد فرضت بالفعل قيوداً على صادرات البنزين ووقود الطائرات قبل تطبيق الحظر الكامل.
وأحدث القرار صدمة في أسواق الوقود العالمية، إذ كانت روسيا توفر نحو 11% من صادرات الديزل العالمية خلال العام الماضي، مما زاد المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، خصوصاً في الأسواق التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات الروسية.
وقالت كبيرة محللي أسواق الوقود بالتجزئة في شركة "وود ماكنزي" للاستشارات في مجال الطاقة، إيزابيل غيلكس، للصحيفة إن "الطائرات المسيّرة الأوكرانية استهدفت أكبر مصافي النفط الروسية جميعها مرة واحدة في الأقل خلال العام الحالي".
وأوضحت غيلكس أن هذه الهجمات أدت إلى خروج أكثر من ثلث طاقة التكرير الروسية من الخدمة، فيما تراجعت صادرات روسيا من وقود الديزل إلى نحو نصف مستوياتها المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي.
وأضافت أن عمليات إصلاح المصافي الروسية من المرجح أن تستغرق وقتاً أطول، لأن العقوبات الغربية تجعل من الصعب الحصول على قطع الغيار اللازمة والاستعانة بالمتخصصين، مشيرة إلى أن موجة هجمات أقل حدة تعرضت لها المصافي العام الماضي احتاجت إلى أشهر عدة حتى تعافت آثارها بالكامل.
وعاق إغلاق الخليج العربي جهود إعادة بناء مخزونات الوقود العالمية، إذ كانت المنطقة تؤمن قبل الأزمة نحو خُمس واردات أوروبا من الديزل ونحو نصف حاجتها من وقود الطائرات.
ويقول محللون إن صادرات النفط الخام تمكنت جزئياً من الالتفاف على إغلاق مضيق هرمز عبر خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر أو خليج عُمان، لكن صادرات المنتجات النفطية المكررة لا تملك بدائل عملية مماثلة، مما جعل تعافي إمدادات الخام أسرع بكثير من تعافي إمدادات الوقود المكرر خلال الأشهر الماضية.
وأدى هذا الاختلال إلى اتساع الفجوة بين أسعار النفط الخام وأسعار الديزل والبنزين، ويُعرف هذا الفارق في صناعة النفط باسم "هامش التكرير"، وهو المؤشر الذي يقيس الفرق بين قيمة المنتجات النفطية المكررة وسعر النفط الخام المستخدم في إنتاجها.
وارتفع هذا الهامش إلى أعلى مستوياته منذ أعوام في كل من أوروبا والولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار نقص الوقود المكرر على رغم تحسن إمدادات النفط الخام.
"إغلاق صنبور النفط بالكامل"
قال محللو بنك "مورغان ستانلي"، إن "طاقات التكرير العاملة حالياً لا تكفي لتحويل كميات النفط الخام المتاحة إلى منتجات نفطية، وهو ما يحد من ارتفاع أسعار الخام، لكنه في الوقت نفسه يترك أسواق الوقود المكرر في حال نقص واضطراب".
ويُتوقع أن تكون شركات التكرير من أكبر المستفيدين من اتساع هامش التكرير، الذي يُعد أيضاً مؤشراً تقريبياً على مستويات أرباحها.
ويستفيد ملاك ناقلات النفط، إذ ارتفعت أسعار تأجير السفن بصورة ملحوظة مع تقلص عدد السفن المتاحة عالمياً نتيجة اضطراب مسارات الشحن.
وتزداد هذه الضغوط بسبب الأوضاع في البحر الأحمر، إذ إن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، لا يمنع السفن من الوصول إلى آسيا، لكنه يجبرها على سلوك طريق أطول بكثير عبر قناة السويس ثم مضيق جبل طارق، قبل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف ما بين 10 و15 يوماً إلى مدة الرحلة، وفقاً لبيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة السفن.
وتبرز عقبة عملية أخرى تتمثل في أن ناقلات النفط العملاقة، التي تصل حمولتها إلى مليوني برميل من الخام، تصبح غاطسة بعمق في المياه عند تحميلها بالكامل، مما يمنعها من العبور عبر قناة السويس، ولذلك ستضطر شركات الشحن إلى تشغيل هذه الناقلات بحمولات جزئية إذا أرادت استخدام هذا المسار.
ومن شأن هذه الرحلات الأطول والأقل كفاءة أن تستنزف مزيداً من طاقة أسطول الناقلات العالمي، وأن ترفع كلفة الشحن بالنسبة إلى مصافي التكرير في آسيا.
أزمة الغاز
في الوقت ذاته هدد التنافس العالمي على الغاز الطبيعي المسال بتقويض استراتيجية أوروبا القائمة على تأجيل مشتريات الشتاء إلى حين إعادة فتح مضيق هرمز.
وأنهت الحكومات وشركات الطاقة الشتاء الماضي وهي تعتقد أنها تستطيع تأجيل إعادة بناء المخزونات، حتى مع هبوطها إلى أدنى مستوياتها منذ 2022.
وصعبت قفزة أسعار الغاز عقب اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير تبرير عمليات الشراء، بينما راهن التجار على أن الدبلوماسية ستنتصر في نهاية المطاف، وأن التدفقات عبر المضيق، الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ستُستأنف.
وبعد نحو خمسة أشهر، يبدو ذلك الرهان محفوفاً بالأخطار، فقد تجدد القتال في الشرق الأوسط، واقتربت أسعار الغاز من أعلى مستوياتها منذ بدء الصراع، وتتخلف أوروبا كثيراً عن وتيرتها المعتادة في تكوين المخزونات.
ويسارع المشترون الآسيويون، من الصين إلى باكستان، إلى اقتناص شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة لتعويض الإمدادات القطرية المفقودة، مما يسحب الشحنات فعلياً بعيداً من أوروبا.