أظهر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تمسكاً واضحاً بمشروعه لإنشاء كيان تجاري جديد لإدارة كأس العالم وبقية بطولاته، رافضاً الضغوط المتزايدة التي يواجهها من الاتحادات القارية، ومؤكداً أنه سيواصل عرض المقترح على الاتحادات الوطنية الأعضاء، على رغم تصاعد موجة الرفض التي وصلت إلى حد تهديد دول الاتحاد الأوروبي (يويفا) بمقاطعة بطولات "فيفا"، واستقالة أحد أبرز مستشاري رئيسه جياني إنفانتينو.
وقال "فيفا" في بيان أصدره فجر اليوم الجمعة إن ما وصفها بـ"تقارير إعلامية غير صحيحة" عطلت مسار المشاورات التي كان يعتزم إجراءها، لكنه شدد على أن العملية ستستمر حتى تتمكن جميع الاتحادات الأعضاء، وعددها 211 اتحاداً، من دراسة المشروع وإبداء رأيها "استناداً إلى الحقائق".
وأضاف أن لكل اتحاد الحق في اتخاذ قراره بنفسه، مؤكداً أن أية جهة لا يمكنها الادعاء بأنها تمثل الأسرة الكروية بأكملها.
وينص اقترح "فيفا" المثير للجدل على إنشاء شركة تابعة له بقيمة 20 مليار دولار، تحمل اسم "فيفا فورورد إنتربرايز"، لإدارة كأس العالم وفعالياته الأخرى، وعرض حصة تصل إلى 20 في المئة على المستثمرين من القطاع الخاص، لجمع ما يزيد على 4 مليارات دولار.
وأعلن "فيفا" أنه من المتوقع أن يقود صندوق "ثرايف إيترنال"، الذي تديره شركة "ثرايف كابيتال" التي أسسها جوشوا كوشنر، مجموعة المستثمرين المقترحين، وجوشوا هو شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
أول انشقاق من داخل "فيفا"
لكن أكثر الضربات إيلاماً للمشروع جاءت هذه المرة من داخل أروقة الاتحاد الدولي نفسه، فقد أعلن كبير مستشاري إنفانتينو والرئيس السابق للاتحاد الأميركي لكرة القدم كارلوس كورديرو استقالته من منصبه بأثر فوري، معلناً رفضه القاطع للمبادرة.
وقال كورديرو إنه لا يستطيع "الوقوف مكتوف اليدين" بينما يدرس "فيفا" بيع جزء من كأس العالم، مؤكداً أنه لم يشارك في إعداد المشروع، وأنه يراه "صفقة سيئة للاتحادات الأعضاء، وصفقة سيئة لكرة القدم ولمستقبلها على المدى الطويل".
ولم يكتف بالاعتراض المبدئي، بل وجه انتقاداً مباشراً للأساس الاقتصادي للمشروع، متسائلاً عن جدوى بيع جزء من أكثر أصول "فيفا" قيمة لجمع 4.2 مليار دولار، في وقت يمتلك فيه الاتحاد احتياطات مالية بمليارات الدولارات ولا يعاني أي ديون.
وأشار إلى أن إنفانتينو نفسه أعلن سابقاً تحقيق "فيفا" إيرادات بلغت 15 مليار دولار خلال الدورة المالية بين عامي 2022 و2026، معتبراً أن الاتحاد يملك بالفعل القدرة على زيادة تمويل الاتحادات الوطنية من موارده الحالية من دون الحاجة إلى التخلي عن جزء من حقوقه التجارية.
وتحمل استقالة كورديرو دلالة خاصة، إذ كان أحد أبرز الوجوه التي استعان بها إنفانتينو منذ 2021 لتقديم المشورة في مشاريع تطوير كرة القدم عالمياً، مستفيداً من خبرته الطويلة في القطاع المالي، بعدما شغل مناصب قيادية في بنك "غولدمان ساكس" وعمل مستشاراً لحكومات وشركات دولية كبرى.
إنفانتينو يراهن على الديمقراطية
ورداً على الاتهامات، أكد "فيفا" أن المشروع لن يفرض على الاتحادات، بل سيخضع لتصويت الأعضاء وفق الآليات المعتمدة داخل الاتحاد.
وأوضح أن المبادرة تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة، هي توفير تمويل غير مسبوق لتطوير اللعبة، وإتاحة فرص تجارية يملكها جميع الأعضاء، ومنح كل اتحاد الحق في تقرير موقفه عبر "عملية ديمقراطية".
وكان إنفانتينو قد أبلغ الاتحادات الوطنية هذا الأسبوع بأنها ستحصل على 40 مليون دولار لكل اتحاد إذا وافقت على المشروع قبل الـ19 من سبتمبر/ أيلول، ضمن برنامج تمويلي جديد يبدأ في يناير/ كانون الثاني 2027.
جبهة الرفض لا تتراجع
لكن تمسك "فيفا" بخطته لم يبدد المخاوف داخل العائلة الكروية، فبعد قرار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" أمس الخميس بالإجماع مقاطعة جميع بطولات "فيفا" إذا مضى المشروع قدماً، أعلن الاتحاد الآسيوي تضامنه مع الموقفين الأوروبي واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، مع استمرار انتقاداته لغياب التشاور والشفافية في إعداد المقترح.
وعلى رغم أن الاتحاد الآسيوي لم يصل إلى حد التهديد بالمقاطعة، فإنه شكك في جدوى المشروع بعد موجة الرفض الواسعة، وأبدى تحفظات على آلية اتخاذ القرار داخل "فيفا".
في المقابل، رفض "كونكاكاف" الخطة خلال اجتماع عقده أمس الخميس، لكنه فضل عدم الانضمام إلى تهديد "يويفا" بمقاطعة البطولات.
وعلى رغم هذا الاصطفاف القاري، لا يبدو أن جميع الاتحادات الوطنية ستتبنى الموقف نفسه، إذ رأى رئيس الاتحاد التشيكي لكرة القدم ديفيد تروندا أن المبادرة تحمل جوانب إيجابية تستحق الدراسة، بينما أكد الاتحاد المكسيكي أنه سيقيم المشروع بصورة مستقلة قبل تحديد موقفه النهائي.
ويضم "يويفا" و"كونكاكاف" والاتحاد الآسيوي مجتمعين 143 اتحاداً محلياً، أي ما يزيد على نصف أعضاء "فيفا" البالغ عددهم 211 عضواً.
كرة القدم للجماهير
وامتد الجدل إلى شخصيات بارزة داخل اللعبة، إذ انضم الإسباني تشابي ألونسو إلى الأصوات الرافضة لفكرة دخول المستثمرين إلى إدارة البطولات.
وقال مدرب تشيلسي إن كرة القدم يجب أن تبقى وفية لجماهيرها، مضيفاً أن اللعبة ينبغي أن تخدم المشجعين قبل أي مصالح أخرى.
وأضاف أن الحفاظ على أصالة كرة القدم هو ما يصنع الشغف الذي ظهر في كأس العالم الأخيرة، معرباً عن أمله في ألا تؤدي هذه المقترحات إلى تغيير طبيعة اللعبة التي أحبها ملايين المشجعين حول العالم.