لا تقاتل الصين إلى جانب إيران، لكن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، فمن النفط الذي أبقى لطهران أحد أهم مصادر دخلها، إلى شبكات التجارة والتمويل والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، وصولاً إلى صور الأقمار الاصطناعية التي تقول واشنطن إنها ساعدت إيران في استهداف قواتها، تكشف الحرب عن صور متعددة من الانخراط الصيني تتناقض مع دعوة بكين إلى وقف القتال والتفاوض.
هذه الازدواجية تعكس سياسة حاولت الصين من خلالها تجنيب إيران الهزيمة أمام واشنطن من دون أن تتحمل هي كلفة الدخول في الحرب، لكن استمرار القتال واتساع تهديداته لطرق الطاقة قد يجعلان الحفاظ على هذه المعادلة أكثر صعوبة.
هجوم الأردن
سعت واشنطن طيلة الحرب إلى التهوين من أهمية الدعم الصيني العسكري لإيران، إلا أن تحقيقاً جديداً لصحيفة "وول ستريت جورنال" كشف أمس الجمعة، عن أن حصول طهران على صور عالية الدقة من جهات صينية مكنها من استهداف قاعدة موفق السلطي في الأردن مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في الـ17 من يوليو/ تموز الماضي، وهو أوضح دليل حتى الآن على العواقب المباشرة والمميتة للدعم الصيني لإيران، وفق مسؤولين أميركيين.
وفي حين لم يسم المسؤولون الأميركيون الجهات الصينية التي وفرت صور الأقمار الاصطناعية وتجنبوا اتهام بكين بالتورط المباشر، رفض المتحدث باسم السفارة الصينية لدى واشنطن ليو تشانغ التطرق إلى تلك المزاعم، واكتفى بالقول إن منتقدين لم يسمهم يقومون بـ"ربط دول أخرى بالصراع وتشويه سمعتها بصورة خبيثة"، مضيفاً أن تعاون الصين مع إيران يتوافق مع القانون الدولي.
وأسفر هجوم يوليو الماضي عن قتلى أميركيين للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في أبريل/ نيسان، مما أثار شكوكاً حول فاعلية الضربات الأمريكية السابقة ضد الرادارات والأقمار الاصطناعية والمعدات الإيرانية، ومخاوف بشأن تحسن دقة الاستهدافات الإيرانية خلال الصيف بعدما كانت في بداية الحرب تصيب مواقع محدودة القيمة، ولذلك يحقق المسؤولون الأمريكيون في احتمال استخدام إيران بيانات أو تقنيات صينية للمساعدة في استهداف القواعد والسفن الحربية الأمريكية.
وأطلقت طهران خلال الأيام الأخيرة صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات وسفن حربية أمريكية، وعلى رغم أن القيادة المركزية قالت إن الهجمات فشلت، وصف مسؤولون بعضها بأنها اقتربت بدرجة مقلقة من أهدافها، ولاحظوا تحسناً في قدرة إيران على استهداف القطع البحرية المتحركة، وإذا ثبت أن صوراً أو بيانات صينية تساعد في ذلك، فإن الدور الصيني لم يعد مقتصراً على دعم إيران في مواجهة العقوبات، بل يمتد إلى استراتيجيات الحرب، عبر تحديد الأهداف وتحديث مواقعها واختيارها في الوقت المناسب.
ولم يشكل هجوم يوليو الشرارة الأولى للمخاوف بشأن الدور الصيني، ففي مايو/ أيار، فرضت إدارة ترمب عقوبات على شركات صينية بينها "ميزار فيجن" و"إيرث آي" و"تشانغ غوانغ"، بعدما اتهمتها بتوفير أو جمع صور لأهداف أمريكية يمكن لإيران استخدامها عسكرياً.
وقالت. وكانت واشنطن قد اتهمت الشركة الأخيرة أيضاً في السابق بتوفير صور ساعدت الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
وتؤكد لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية التابعة للكونغرس أن الدعم الصيني لا يقتصر على صور الأقمار الاصطناعية، بل يشمل مواد وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومكونات تدخل في صناعات الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات تساعد إيران على المحافظة على صادراتها النفطية.
وفي أواخر يوليو الماضي، كشفت "رويترز"، عن صفقة بين إيران والصين لشراء ما لا يقل عن 300 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف صينية الصنع بقيمة تتراوح بين 60 و70 مليون دولار.
وتتميز هذه المنظومات بإمكانية استخدامها ضد الطائرات والمروحيات والمسيّرات التي تحلق على ارتفاع منخفض، مما يمنح إيران وسيلة لحماية المنشآت العسكرية ومرافق الطاقة.
وكانت شبكة "أن بي سي نيوز" قد نقلت قبل ذلك عن مسؤولين أمريكيين أن مقاتلة "أف-15" أمريكية أسقطت فوق جنوب غربي إيران في أبريل يُرجح أنها أصيبت بصاروخ محمول على الكتف صيني الصنع.
في حين نفت وزارة الخارجية الصينية تقارير الصفقة، وقالت إنه "لا أساس لها من الصحة".
العلاقة مع بكين
المفارقة أن إدارة ترمب كانت تعرف جانباً كبيراً من هذه الأنشطة الصينية، لكنها حاولت في الوقت ذاته منع الحرب الإيرانية من تسميم العلاقة مع بكين، إذ أبلغ ترمب فريقه أن الحفاظ على علاقة جيدة مع الصين والرئيس شي جينبينغ يمثل أولوية، وسعى مسؤولون كبار إلى تجنب مواجهة علنية قد تعطل قمة الزعيمين في الـ24 من سبتمبر/ أيلول، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وحرصت الإدارة الأمريكية على إبقاء قنوات التواصل مع بكين مفتوحة، وتجنب الصدامات الإعلامية حول إيران.
وظهر ذلك بوضوح بعد أيام من هجوم الأردن، حين سئل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عقب لقائه نظيره الصيني وانغ يي، عما إذا كانت الصين تزود إيران بمعلومات تساعدها في استهداف القوات الأمريكية، إذ لم يجب روبيو مباشرة، مكتفياً بالقول إنه "لا شيء فعلته الصين غيّر بأي شكل مسار الصراع".
المنطقة، إلى زيادة الاعتماد على خط أنابيب شرق-غرب لنقل الخام من حقولها الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر وتجاوز المضيق، غير أن الرياض أعلنت في الـ11 من سبتمبر/ أيلول وقف الخط احترازياً بعد تعرضه لهجوم، مما يقلص خيارات تصدير النفط المتجه إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمها الصين.
وفي الوقت ذاته، أصبح المسار عبر البحر الأحمر أكثر عرضة للأخطار مع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، مما يزيد قدرتهم المحتملة على تهديد الملاحة.
وهكذا تواجه الصين ضغطاً على مسارين في آن واحد، هرمز الذي تمر عبره معظم صادرات الخليج النفطية، وباب المندب الذي يمثل أحد أهم البدائل للوصول إلى آسيا.
ويظهر أثر ذلك في واردات الصين، إذ انخفضت وارداتها من الخام إلى نحو 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، بتراجع 32% عن الربع السابق، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فيما قفزت كلفة نقل الخام بالناقلات العملاقة من خليج عمان إلى الصين إلى نحو 11.5 دولار للبرميل في سبتمبر.
واستفادت الصين لأعوام من علاقتها بطهران ومن شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، وكان دعم إيران في وجه الضغوط الأمريكية محدود الكلفة نسبياً ما دامت المواجهة لا تعطل إمدادات الطاقة على نطاق واسع، أما مع تقييد حركة النفط عبر هرمز، وتعطل المسار السعودي البديل، وارتفاع الأخطار عند باب المندب، فإن إطالة أمد الحرب باتت تهدد المصالح الصينية بصورة متزايدة.
وقد تساعد هذه الضغوط في تفسير تصاعد الدعوات الصينية إلى التسوية، إذ دعا الرئيس شي جينبينغ السبت دول "بريكس" إلى الاضطلاع بدور "صانع السلام" في حرب الشرق الأوسط.
وخلال كلمته أمام قمة "بريكس" في نيودلهي، قال شي إن الصين ستعمل مع أعضاء التكتل للاضطلاع بدور أكبر في إنهاء الحرب التي قال إنها "لا تخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي".
ويمكن قراءة هذا الموقف في سياق ارتفاع الكلفة التي تتحملها بكين مع استمرار التصعيد، إذ قد يصبح نفوذها على طهران أكثر أهمية كأداة للدفع نحو إنهاء الحرب، بدلاً من الاكتفاء بمساعدتها على تحملها.
(عيسى النهاري)