27 أكتوبر 2026
27 أكتوبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


لم تكن ليلة السبت الماضي في إحدى قرى محافظة حجة شمال غربي اليمن تشبه سابقاتها، فما بين عشية وضحاها تحولت حياة أسرة الشاب ربيع شمهان إلى مأساة كاملة، فبأداة حادة (فأس)، أقدم الشاب ربيع الذي يعاني اضطرابات نفسية، على ارتكاب جريمة مروعة أودت بحياة ثلاثة أشخاص، بينهم والده وشقيقه أحمد، وشخص ثالث من أبناء منطقته.

فخلف هذه الحادثة مأساة أخرى، فبحسب حديث أحد أفراد العائلة المنكوبة إلى "اندبندنت عربية" فإن الضحية أحمد عاد قبل أعوام من السعودية مستصحباً زوجته الإندونيسية لبناء حياة هادئة في اليمن، لكنها اليوم وبعد فقدان زوجها في الحادثة وجدت نفسها أرملة، وأماً لأربعة أيتام بلا معيل ولا أهل، بينما تقف أم أحمد المكلومة وحيدة، إذ فقدت الزوج والابن على يد ابنها الآخر، ولم يبق لها سوى نساء الأسرة والأطفال المكلومين.

​هذه الحادثة المؤلمة ليست سوى انعكاس لواقع مرير يعيشه مرضى الاضطرابات النفسية وسط غياب الرعاية الطبية وشح الأدوية، جراء أعوام الحرب والنزوح وانقطاع الرواتب وتردي الوضع المعيشي بخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات المدعومة من إيران.

وتتكرر هذه المأساة عبر الجغرافيا اليمنية، فمن شمال غربي البلاد إلى محافظة مأرب (شرق)، تتشابه تفاصيل المعاناة، حيث يجد آلاف المرضى أنفسهم وعائلاتهم في معاناة مع غياب المستشفيات المتخصصة بالصحة النفسية.

وأثناء زيارة "اندبندنت عربية" أحد مستشفيات المدينة، الذي يضم عيادة للطب النفسي ومشروعاً للدعم النفسي تنفذه إحدى المنظمات الإنسانية في المحافظة، كان دحان يقف عند بوابة المستشفى ممسكاً بملف يضم أوراقاً وتقارير طبية، إلى جانب كيس يحتوي على أدوية سبق أن تناولها شقيقه الذي يعاني اضطرابات نفسية.

وفي رحلة البحث عن علاج لشقيقه علي، يقول دحان إنه يتنقل منذ سبعة أشهر بين المستشفيات والعيادات الطبية، بحثاً عن أمل في تحسن حالته.

وتعود جذور مأساة علي المصاب بمرض نفسي إلى نحو 14 عاماً، حين أصيب بطلقة رشاش في رأسه في محافظة عمران بشمال اليمن، أثناء مواجهات مسلحة مع الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، لتبدأ معها رحلة طويلة من الاضطرابات النفسية المزمنة.

​لم تكن تلك الإصابة مجرد جرح جسدي تكلل بالشفاء، بل أورثته هلاوس بصرية ورؤية خيالات لحيوانات وجن دُفع بسببها مراراً إلى المعالجين الشعبيين، بحثاً عن رقية تخلصه مما اعتقدوا أنه مسّ وجن، وتفاقمت حالته بفاجعة كبرى حين أقدم في ذروة المرض على قتل زوجته ليقضي بعدها خمسة أعوام في السجن، انتهت بصلح ودفع الدية لأهل الزوجة، لتبدأ رحلة نزوح جديدة إلى مأرب للبحث عن العلاج.

​يشتكي علي اليوم للطبيب النفسي في مأرب من أرق دائم وانعدام تام للشهية، لكن المأساة تبدو أوسع بكثير وأشد قسوة حين يروي شقيقه تفاصيلها لـ"اندبندنت عربية"، "أخي جالس الآن عندي هنا في مأرب، قصدت مستشفيات عدة لتوفير علاجات له، ولا يزال متعباً... الشظايا فوق الدماغ تلزمها جراحة"، وأضاف، "لا نتمكن من الحصول على العلاج إلا بعد تعب، لأنه يحتاج إلى علاجات مستمرة، ويعاني أخي القلق النفسي فقد قتل حتى زوجته".

ويصمت آلاف المصابين بأمراض نفسية في اليمن عن معاناتهم خوفاً من الوصم أو لعدم وجود الوعي أو لقلة الإمكانات المادية وعدم قدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية وانعدام المستشفيات المتخصصة في الصحة النفسية، كما هي الحال في مدينة مأرب التي تعج بملايين النازحين وتخلو تماماً من مستشفى متخصص وتتفاقم حالة المرضى، ولا يستشعر الناس الكارثة إلا عندما تحدث جريمة مثل المريض النفسي الذي أجهز على ثلاثة من أقربائه بمعول في محافظة حجة شمال غربي اليمن.

ويضطر المرضى النفسيون في محافظة مأرب الذين تملك عائلاتهم إمكانات مادية إلى السفر إلى مدينة تريم بمحافظة حضرموت لمتابعة العلاج هناك في أحد المراكز المتخصصة، التي تبلغ رسوم الرعاية فيها ما يقارب الـ1000 دولار شهرياً، بحسب أحد المرضى الذين تلقوا الرعاية هناك وفضّل عدم كشف هويته.

(هشام الشبيلي)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI