صنعاء، المدينة الضاربة في عمق تاريخ المنطقة، وإحدى أعرق الحواضر في الجزيرة العربية، لا تزال منذ أكثر من عقد تحت سيطرة ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران، في مرحلة شهدت تدهور إرثها الحضاري وتصدع نسيجها الاجتماعي، وسط النزوح وسقوط الضحايا وتراجع الخدمات الأساسية، بعدما كانت على مدى قرون مركزاً للحياة السياسية والدينية والتجارية والثقافية.
وتختزل صنعاء القديمة حكاية حضارة يمنية عريقة تشكلت ملامحها عبر قرون طويلة، وتروي أزقتها وأسواقها ومساجدها ومنازلها تاريخ مدينة ازدهرت فيها الحياة، فيما تكشف مبانيها الشاهقة وزخارفها الجصية عن عبقرية معمارية وظّفت المواد المحلية في إنشاء نسيج عمراني فريد، وتستحضر أسواقها التقليدية ذاكرة الحرف والصناعات التي تناقلتها الأجيال.
لكن المدينة التي صمدت أمام تحولات التاريخ تواجه اليوم واحدة من أشد مراحلها تعقيداً، بين تداعيات الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، وما أصاب مبانيها التاريخية من أضرار بفعل السيول والإهمال والترميم غير الملائم. وبين عراقة الماضي وواقع الحاضر، تقف صنعاء شاهدة على إرث حضاري مهدد، ومدينة يتطلع اليمنيون إلى استعادتها وصون هويتها التاريخية والإنسانية للأجيال المقبلة.
مدينة ضاربة في عمق التاريخ
تقف صنعاء القديمة شاهدة على تاريخ طويل من التحولات الحضارية التي عرفها اليمن، إذ أدت المدينة عبر مراحل مختلفة أدواراً سياسية ودينية وتجارية وثقافية، وأسهم موقعها في تعزيز مكانتها بوصفها مركزاً مهماً للحياة والاستقرار والتبادل التجاري.
وتشكل المدينة جزءاً أصيلاً من الذاكرة التاريخية اليمنية، إذ تعكس معالمها العمرانية وتفاصيل الحياة اليومية فيها صورة عن مجتمع استطاع أن يطور أنماطاً معمارية واجتماعية تتلاءم مع بيئته وحاجاته، ويحافظ على كثير من ملامحها عبر الأجيال.
وفي هذا السياق، يسلط الباحث صالح السوداني الضوء على المكانة الحضارية لصنعاء القديمة، وما مثلته من مركز للتفاعل السياسي والديني والتجاري والثقافي، مشيراً إلى أن أهميتها لا تقتصر على مبانيها التاريخية، بل تمتد إلى ما تختزنه من ذاكرة اجتماعية وإنسانية تعكس جانباً مهماً من تاريخ اليمن.
من الممالك القديمة إلى المدينة الإسلامية
تمتد جذور صنعاء إلى أكثر من ألفين وخمسمئة عام، وفقاً لـ"اليونيسكو"، فيما تحيط بنشأتها روايات تاريخية وتراثية متعددة، لا تتفق جميعها على تاريخ محدد لتأسيسها.
واكتسبت المدينة مكانة مهمة خلال عهد الممالك اليمنية القديمة، وأصبحت في القرن الثاني قبل الميلاد موقعاً ذا أهمية سياسية، قبل أن تتعزز مكانتها في القرن الأول الميلادي بوصفها محطة على طرق التجارة الداخلية في اليمن، وشهدت تلك المرحلة معالم بارزة، من بينها قصر غمدان الذي ارتبطت به روايات تاريخية كثيرة، إضافة إلى الأسواق والتحصينات التي أسهمت في تشكيل النواة العمرانية للمدينة.
وفي القرن السادس الميلادي، خضعت صنعاء للنفوذ الحبشي، وهي مرحلة تركت آثاراً دينية ومعمارية، من بينها كنيسة القليس، ثم دخلت المدينة مرحلة جديدة مع انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي، فتحولت إلى مركز مهم للدعوة والحياة الدينية والسياسية، وشكّل الجامع الكبير أحد أبرز معالم هذا التحول، فيما شهدت المدينة توسعاً وإعادة بناء خلال العصور الإسلامية المتعاقبة، ومن بينها العهدان الأموي والعباسي، ثم فترات حكم الدول اليمنية كالصليحيين والأيوبيين والرسوليين.
ومع وصول العثمانيين إلى صنعاء في القرن الـ16، دخلت المدينة مرحلة أخرى من التوسع وإعادة التنظيم العمراني، إذ أُنشئت أحياء جديدة غرب المدينة القديمة، من أبرزها بئر العزب، مع استمرار حضور النسيج التقليدي للمدينة وأسواقها ومساجدها ومنازلها، وتعاقبت بعد ذلك التحولات السياسية والإدارية، وصولاً إلى العصر الحديث، فيما احتفظت صنعاء القديمة بجزء كبير من طابعها العمراني الموروث.
وعام 1986، أدرجت "اليونيسكو" صنعاء القديمة على قائمة التراث العالمي، تقديراً لقيمتها التاريخية والمعمارية الاستثنائية، وهكذا فإن المدينة التي نراها اليوم ليست نتاج حقبة واحدة، بل حصيلة طبقات تاريخية متعاقبة تركت آثارها في مبانيها وأسواقها وطرائق العيش فيها، وجعلت من الحفاظ عليها مسؤولية ثقافية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.
عمارة تحكي قصة الإنسان والمكان
تتميّز صنعاء القديمة بنسيج عمراني متماسك، تتجاور فيه المنازل التقليدية والمساجد والأسواق والأزقة الضيقة في صورة تعكس خبرة معمارية متراكمة، ووعياً بخصوصية البيئة المحلية، وتبدو مبانيها وكأنها صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ، تحمل في تفاصيلها آثار الحرفيين والبنّائين الذين أسهموا في تشكيل هويتها العمرانية.
وتُعد المنازل البرجية متعددة الطوابق من أبرز سمات المدينة، إذ تتسم بواجهاتها المتناسقة ونوافذها وزخارفها الجصية، فضلاً عن استخدام مواد البناء التقليدية مثل الطوب واللبن والحجر، وفقاً لطبيعة المبنى وموقعه، وتمنح النوافذ المزخرفة والتفاصيل الجمالية الواجهات طابعاً خاصاً يميّز عمارة صنعاء عن غيرها من المدن التاريخية.
ولا تقتصر قيمة هذه العمارة على جمالها الظاهري، بل تكمن أيضاً في قدرتها على التكيف مع المناخ المحلي، وفي تنظيمها الذي يوازن بين الخصوصية والحياة الاجتماعية، فالأزقة المتقاربة والممرات الضيقة تشكل جزءاً من النسيج التقليدي للمدينة، وتربط بين البيوت والمساجد والأسواق في شبكة عمرانية متكاملة.
ويرى الباحث صالح السوداني هذه الخصائص بوصفها شواهد على خبرة معمارية محلية متوارثة، تتجلى في المنازل البرجية والزخارف الجصية واستخدام مواد البناء التقليدية، فضلاً عن العلاقة الوثيقة بين تصميم المباني وطبيعة البيئة المحيطة بها، وتبرز هذه السمات أهمية الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للمدينة عند تنفيذ أعمال الصيانة والترميم.
المساجد والأسواق.. قلب الحياة القديمة
تحتل المساجد مكانة بارزة في المشهد التاريخي والعمراني لصنعاء القديمة، فهي ليست أماكن للعبادة وحسب، بل معالم ارتبطت بالحياة العلمية والاجتماعية، وأسهمت في تشكيل هوية المدينة على امتداد تاريخها، ويأتي الجامع الكبير في صنعاء ضمن أبرز معالمها الدينية والتاريخية، بما يمثله من قيمة معمارية وتراثية.
وإضافة إلى المساجد، تشكل الأسواق التقليدية عنصراً أساساً في هوية المدينة، إذ ارتبطت بالحركة التجارية والحرفية، ووفرت فضاءات للتبادل الاقتصادي والاجتماعي بين السكان والتجار والزوار، واحتضنت هذه الأسواق أنشطة متنوعة، شملت بيع السلع والمنتجات المحلية وممارسة عدد من الحرف اليدوية التي عُرفت بها صنعاء.
ومن بين هذه الأسواق، تبرز سوق الملح بوصفها إحدى أشهر أسواق المدينة القديمة، بما تختزنه من ذاكرة تجارية واجتماعية، فضلاً عن أسواق الحرف والصناعات التقليدية التي ارتبطت بحياة السكان وحاجاتهم اليومية، وتكشف هذه الفضاءات عن دور السوق في بناء العلاقات الاجتماعية ونقل الخبرات المهنية من جيل إلى آخر.
وخلال حديثه عن الأسواق التقليدية، يلفت السوداني إلى ما تمثله من قيمة تتجاوز النشاط التجاري، إذ ترتبط بذاكرة الحرف والصناعات المحلية، ومن بينها صياغة الفضة والأعمال اليدوية. وتظهر هذه الحرف جانباً من المهارات التي حافظ عليها الحرفيون، وأسهمت في منح صنعاء القديمة طابعها الاقتصادي والثقافي المميز.
قيمة تراثية تتجاوز الحدود
تنبع أهمية صنعاء القديمة من اجتماع عناصر متعددة في مكان واحد، فهي مدينة تاريخية ذات نسيج عمراني متكامل، ومركز ارتبط بالحياة الدينية والتجارية والثقافية، وفضاء حيّ لا تزال بعض ملامح الحياة التقليدية حاضرة في أزقته وأسواقه ومبانيه.
وأُدرجت صنعاء القديمة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) عام 1986، في اعتراف دولي بقيمتها التاريخية والمعمارية الاستثنائية، ويعكس هذا الإدراج أهمية حماية المدينة وصون مبانيها ومواقعها التاريخية، والحفاظ على النسيج العمراني الذي يمنحها فرادتها.
ولا تنحصر قيمة المدينة في الأبنية القديمة وحدها، بل تشمل كذلك الممارسات الاجتماعية والحرف التقليدية وأنماط العيش التي نشأت في محيطها، وأسهمت في استمرار حضورها بوصفها مدينة مأهولة تحمل ذاكرة متراكمة، ومن هنا، فإن حماية صنعاء القديمة تتطلب النظر إليها على أنها منظومة تراثية متكاملة، لا مجموعة من المباني المنفصلة.
تحديات تهدد ذاكرة المدينة
على رغم قيمتها التاريخية والمعمارية، تواجه صنعاء القديمة تحديات متزايدة تهدد سلامة مبانيها ونسيجها العمراني، إذ تركت الحرب آثاراً على البيئة العمرانية والخدمات والبنية الأساسية، في حين أسهمت السيول والعوامل الطبيعية في إلحاق الأضرار ببعض المباني التقليدية التي تحتاج إلى صيانة مستمرة وخبرات متخصصة في الترميم.
ويضاف إلى ذلك تأثير الإهمال وضعف أعمال الصيانة، فضلاً عن ممارسات ترميم لا تراعي دائماً خصائص العمارة التقليدية أو المواد الأصلية المستخدمة في البناء، كما أن إدخال مواد وأساليب حديثة بصورة غير منسجمة مع الطابع التاريخي قد يغير ملامح المباني ويؤثر في التوازن البصري والعمراني الذي ميّز المدينة عبر قرون.
لكن صنعاء التي حافظت على هويتها الحضارية عبر قرون من التحولات السياسية والصراعات، تعيش منذ سبتمبر/ أيلول عام 2014 تحت سيطرة جماعة الحوثي، في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً خلال تاريخها الحديث.
فمنذ استيلاء الجماعة على العاصمة اليمنية، لم تعُد المدينة تواجه تحديات الحفاظ على تراثها المعماري وحسب، بل أصبحت شاهدة على صراع سياسي وعسكري طاول حياة سكانها، وهدد كثيراً من معالمها التاريخية. وبين مدينة احتفظت بذاكرة اليمنيين آلاف السنين، وواقع فرضته سلطة الجماعة لأكثر من عقد، تبقى صنعاء رمزاً وطنياً يتطلع اليمنيون إلى استعادة سيادة دولتهم عليه.
ومنذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، تفاقمت التحديات التي تواجه المدينة التاريخية، وسط تراجع أعمال الصيانة والرقابة على المباني التراثية واستمرار مخالفات البناء، ووثّق مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية تسجيل 150 مخالفة هدم وبناء بالأسمنت و15 مخالفة حفر بحثاً عن كنوز خلال الفترة ما بين عام 2015 وعام 2018، في مؤشر إلى حجم الأخطار التي تهدد النسيج العمراني للمدينة في ظل السلطات القائمة، وتضع هذه الوقائع سلطات الأمر الواقع أمام مسؤولية حماية التراث العمراني ومنع العبث بمعالم المدينة.
صنعاء على قائمة التراث المهدد
ولا تزال صنعاء القديمة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر منذ عام 2015، إذ قررت لجنة التراث العالمي التابعة لـ"اليونيسكو" خلال دورتها لعام 2026 الإبقاء عليها ضمن القائمة، مع استمرار الأضرار الناجمة عن الصراع والتحديات الأمنية وتدهور المباني التاريخية وتأثير الأمطار الغزيرة ونقص الموارد المخصصة للحماية.
كذلك، أعادت المنظمة التأكيد على ضرورة التزام التوصيات الفنية الدولية في مشاريع الترميم، بعدما سجلت عام 2025 إتمام مشروع مسجد النهرين من دون تنفيذ توصيات المراجعة الفنية للمجلس الدولي للمعالم والمواقع. وتعكس هذه التطورات استمرار الأخطار التي تهدد القيمة التاريخية والمعمارية للمدينة، والحاجة إلى رقابة فنية أكثر فاعلية على أعمال الترميم والحفاظ على معالمها.
وتشكل التوسعات العمرانية والتغييرات غير الملائمة في بعض المباني تحدياً آخر أمام الحفاظ على أصالة المدينة، خصوصاً عندما تؤدي إلى تشويه الواجهات أو الإضرار بتناسق النسيج المعماري، وتزداد خطورة هذه التحديات مع حاجة عدد من المنازل التاريخية إلى أعمال ترميم عاجلة تحميها من التدهور والانهيار.
ويشير الباحث صالح السوداني في سياق الحديث عن التحديات التي تواجه المدينة، إلى أهمية الانتباه لآثار الحرب والسيول والإهمال، وأخطار الترميم غير الملائم والتوسع العمراني الذي لا يراعي خصوصية المكان، وتؤكد هذه التحديات ضرورة اعتماد معالجات فنية تراعي طبيعة المباني التاريخية، وتحافظ على المواد والأساليب التقليدية قدر الإمكان.
حماية التراث مسؤولية مشتركة
الحفاظ على صنعاء القديمة لا يتحقق بترميم الواجهات والمباني وحدها، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تشمل صيانة الأبنية المهددة وتوثيق المعالم التاريخية وتأهيل الحرفيين ودعم الصناعات التقليدية ورفع الوعي المجتمعي بأهمية التراث.
ويتطلب الأمر أيضاً تنسيقاً بين الجهات المعنية والمهندسين والباحثين وأصحاب المباني والسكان، لضمان تنفيذ أعمال الترميم وفق أسس علمية تحترم القيمة التاريخية والمعمارية للمكان، ومن الضروري أيضاً توفير الدعم الفني والموارد اللازمة لمتابعة حال المباني بصورة دورية، والتدخل الباكر لمعالجة الأضرار قبل تفاقمها.
ولا يقل دور المجتمع أهمية عن دور المؤسسات، فالسكان هم جزء أصيل من هوية المدينة، واستمرار الحياة فيها بصورة تحفظ طابعها التقليدي يسهم في حماية تراثها من التحول إلى مجرد مشهد تاريخي منفصل عن الحياة اليومية، كما أن دعم الحرف والأسواق التقليدية يساعد في إبقاء المهارات المتوارثة حية، ويعزز ارتباط الأجيال الجديدة بذاكرتها الثقافية.
سجل مفتوح لذاكرة اليمن
تظل صنعاء القديمة أكثر من مدينة تاريخية، إنها سجل مفتوح لذاكرة اليمن، وشاهد على قدرة الإنسان على بناء بيئة عمرانية متكاملة تجمع بين الوظيفة والجمال وبين متطلبات الحياة والخصوصية الثقافية، ففي أزقتها ومنازلها ومساجدها وأسواقها تتجسد حكايات أجيال متعاقبة تركت بصمتها في المكان.
لكن استمرار هذا الإرث يتطلب تحركاً جاداً لحمايته من آثار الحرب والسيول والإهمال والتغييرات العمرانية غير الملائمة.
فصون صنعاء القديمة ليس مجرد حفاظ على مبانٍ عتيقة، بل إنه مسؤولية تجاه التاريخ والهوية والذاكرة الجمعية، وضمان لحق الأجيال المقبلة في أن ترى هذا الشاهد الحضاري حيّاً، نابضاً بتراثه، ومحتفظاً بأصالته وتفرّده.
وبينما تواصل صنعاء القديمة مقاومة عوامل الزمن والحرب والإهمال، يتمسك اليمنيون بالأمل في استعادة عاصمتهم من قبضة جماعة الحوثي وعودة مؤسسات الدولة لها. فصنعاء التي احتضنت حضارات متعاقبة، وكانت ملتقى للتجارة والعلم والثقافة، تستحق أن تستعيد مكانتها مدينة لجميع اليمنيين، بعيداً من سلطة الميليشيات والصراعات المسلحة.
ولا ينفصل حلم استعادة العاصمة عن طموح أوسع في حماية هويتها التاريخية وصون تراثها الإنساني، لتبقى صنعاء كما عرفتها الأجيال، شاهداً على حضارة اليمن وذاكرته الوطنية.
(جمال شنيتر)