7 يونيو 2026
7 يونيو 2026
يمن فريدم-محمد غندور


في بعض الأحيان، تتحول البطولات الكبرى إلى أكثر من مجرد منافسة على الكأس حيث تصبح فاصلاً بين عصرين. وهذا ما يبدو أن كأس العالم 2026 مقبلة عليه. فبينما تستعد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستضافة النسخة الأكبر في تاريخ البطولة، يستعد عدد من أعظم لاعبي كرة القدم في القرن الـ21 لخوض فصلهم الأخير على المسرح العالمي.

من كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي إلى لوكا مودريتش ونيمار ومحمد صلاح وكيفن دي بروين. يقترب جيل كامل من نهاية رحلته الدولية بعد أعوام صنع خلالها بعضاً من أكثر لحظات اللعبة خلوداً. وبينما تتطلع الجماهير إلى الأهداف والمفاجآت وصراع الكبار على اللقب، سيكون هناك نوع آخر من المشاهد يستحق التوقف عنده: مشهد الوداع.

مونديال 2026 لن يُحفر في الذاكرة بمن رفع الكأس فحسب، بل بمن أنزل يده عنها للمرة الأخيرة. لأن ما سيجري هذا الصيف ليس مجرد بطولة موسعة تضم 48 منتخباً، بل هو الفصل الختامي لأطول رواية عشق عرفتها الكرة في تاريخها الحديث، رواية كتبها رجال بدأوا أمام الكاميرات صغاراً وها هم يُسدلون ستارتها وقد أثقل الزمن خطاهم من دون أن يكسر إرادتهم.

نيمار وصلاح ودي بروين ولوكاكو وهاري كين، كل واحد منهم يحمل إلى هذا المونديال ما لم يستطع إنهاءه بعد: حلماً معلقاً، أو ديناً لم يُسدد لوطن ينتظر، أو مجرد الرغبة في الرحيل واقفاً لا مُقعداً. وبين هذه الأثقال المتفرقة تتشكل حكاية المونديال الحقيقية، قبل أن تُطلق صافرة الانطلاق الأولى.

الأرقام التي تُقلق

مهما تكن الأوهام التي يُرسخها الشغف، يبقى الزمن محكماً لا يقبل الطعن في قراراته. ميسي سيبلغ الـ39 في مرحلة المجموعات، ورونالدو يدخل البطولة وهو في الـ41. مودريتش تجاوز الـ40. هذه ليست إحصاءات جافة، إنها مسافات بين اللحظة الراهنة وما كان ممكناً ذات يوم.

وبالنسبة إلى البقية، تُنبئ الأعمار بصراعات لا تُشبه مباريات كرة القدم: دي بروين يبلغ الـ35، وصلاح الـ34 خلال البطولة، ولوكاكو كذلك، أما هاري كين فيدخلها في الـ32.

الأعمار هذه في ذاتها ليست حكماً بالإعدام، لكنها حين تجتمع مع الإرهاق التراكمي لمسيرات طويلة، تُصبح ثقيلة الوطأة على أجساد اعتادت أن تُعذب المدافعين لا أن تُعذب بالزمن.

ليونيل ميسي (39 سنة): الأرجنتيني الذي طارد كأس العالم طويلاً كمن يطارد شيئاً يهرب منه، نال بطولة 2022 في قطر بما يشبه الرواية المُكتملة. مونديال 2026 لن يكون رحلة جوع بلا شبع، بل قد يكون محاولة الملك لتوطيد عرشه وداعاً.

لم يُفصح ميسي علناً عن موقفه من الاعتزال الدولي كما فعل منافسه، لكن المؤشرات تُحيط به كمن يُحاصر قلعة: صحته الهشة أحياناً، وعمره المتقدم، وتراجع حدة صراعه مع الوقت.

كريستيانو رونالدو (41 سنة): صرح لشبكة "سي أن أن" في نهاية 2025 بأن مونديال 2026 سيكون مشاركته الأخيرة بصورة قاطعة "التأكيد نعم، سأكون في الـ41". يدخل البطولة برصيد قياسي بلغ 143 هدفاً دولياً، ساعياً إلى الوصفة الوحيدة المفقودة في مسيرة استثنائية: كأس العالم. برتغالي حول جسده إلى آلة حرب لعقدين، وها هو يُواجه في البطولة الأخيرة أقسى خصومه: انتهاء الوقت القانوني.

لوكا مودريتش (40 سنة): قائد كرواتيا الذي بات يُشبه في ملعبه ساعة دقيقة لا تتوقف، يُقبل على مشاركته الخامسة في تاريخ عمره في المونديالات. لقد علم مودريتش جيداً أن كرواتيا لن تحوز الكأس في 2026، ما يُحركه ليس حسابات الزمن بل شيء أهدأ: حق الرحيل بالكرم الذي يستحقه، في قميص بلاده وبينما يتصاعد هتاف جمهوره.

نيمار (34 سنة): البرازيلي الذي جعل الإصابات من سيرته فصولاً مكتنزة بالحسرة، عاد إلى القائمة البرازيلية في المونديال بعد غياب. يعلم هو أن هذا المونديال هو ملعب الفرصة الأخيرة لإضافة ما يُغير طبيعة الحكم التاريخي عليه، إذ ظلت شبهة "الموهبة الضائعة" تُلازمه رغم كل ما حقق.

محمد صلاح (34 سنة خلال البطولة): لا يُشبه صلاح أياً من هؤلاء في طبيعة عبئه، فهو لا يمثل نفسه بل يُمثل مصر كلها. دولة لم تدخل دور الأفضل منذ زمن بعيد، وشعب ينظر إلى اسمه كما ينظر العطشان إلى الماء. مشاركته محفوفة بضغط لا تصنعه الأعوام بل الجغرافيا والتاريخ معاً.

كيفين دي بروين (35 سنة): قُدم دي بروين عقداً كاملاً باعتباره الموهبة الأكثر إبداعاً في وسط الملعب على مستوى العالم. مونديال 2026 هو آخر فرص جيل بلجيكي ذهبي لم يُترجم تألقه الملحمي على صعيد الأندية إلى إنجاز دولي حقيقي. هذا الفشل الجماعي في الحصاد يظل أشد وطأة من أي إصابة عضلية.

روميلو لوكاكو (34 سنة): المهاجم البلجيكي الذي رافق دي بروين في رحلة الجيل الذهبي من دون أن تنتهي بلقب. قوته الجسدية الاستثنائية جعلته عنواناً لكرة القدم البلجيكية نفسها، وربما هذا المونديال آخر موعد له مع الحلم الذي طال انتظاره.

هاري كين (32 سنة): هو الحالة الأكثر تعقيداً بين الأسماء التي نشير إليها هنا: أعلن صراحة أنه لا يرى 2026 نهاية طريقه الدولي، ويستشهد بمستواه الراهن مع بايرن ميونيخ دليلاً على امتداد القدرة. المشكلة أن التاريخ يميل إلى ما لا يتوقعه القادرون على كل شيء.

مانويل نوير (40 سنة): كان قد أعلن اعتزاله اللعب الدولي بعد كأس أوروبا 2024، لكنه عاد مجدداً. بات نوير مجدداً الرقم واحد في حراسة المرمى الألمانية.

ورغم أن المدرب يوليان ناغلسمان كرر على مدى نحو عامين أن مسألة عودته غير مطروحة، فإن لا مارك-أندريه تير شتيغن، كثير الإصابات، ولا أوليفر باومان تمكنا من فرض نفسيهما.

المتوج بطلاً للعالم عام 2014 وهو في قمة عطائه، أظهر هذا الموسم في دوري أبطال أوروبا أنه لا يزال قادراً على التصديات الاستعراضية التي صنعت سمعته.

غير أن حالته البدنية تثير التساؤلات: فبعد إصابات متكررة منذ مونديال 2022، عانى أخيراً من إصابات، حرمته من خوض نهائي كأس ألمانيا أواخر مايو (أيار) مع بايرن ميونيخ.

إدين دجيكو البطل البوسني: بعد مسيرة مر خلالها بفولفسبورغ ومانشستر سيتي والدوري الإيطالي (روما، إنتر ميلان)، لا يزال إدين دجيكو، بعمر 40 سنة، عنصراً أساساً في منتخب البوسنة.

ويلعب رأس الحربة حالياً مع شالكه، وهو الهداف التاريخي للمنتخب (73 هدفاً)، وصاحب الرقم القياسي في عدد المباريات الدولية (148).

وخلال التصفيات، سجل ستة أهداف، بينها هدف التعادل الحاسم أمام ويلز في نصف نهائي الملحق، قبل أربع دقائق من النهاية. وفي النهائي أمام إيطاليا، أدى دوره رغم إصابة في الكتف، قبل أن يتولى زملاؤه المهمة بنجاح في ركلات الترجيح.

ما الذي يجعل هذا الوداع مختلفاً؟

مونديالات الوداع ليست ظاهرة جديدة في تاريخ كرة القدم. شهد 1994 رحيل روماريو بعد أن رفع الكأس مع البرازيل، وودعنا في 2006 زيدان في مشهد لا يُنسى صنع منه الزمن أيقونة لا تشيخ.

لكن ما يجعل مونديال 2026 مختلفاً في طبيعته ليس الوداع بحد ذاته، بل تزامن الوداعات، إذ نادراً ما اجتمع في بطولة واحدة هذا العدد من الأسماء التي شكلت وعياً جماهيرياً عالمياً في آنٍ واحد.

الفارق الثاني هو طبيعة المنافسة عينها في 2026: اتساع البطولة إلى 48 منتخباً يعني مزيداً من المباريات ومزيداً من الإرهاق في مرحلة الشيخوخة الرياضية. قد يعيش بعض هؤلاء اللاعبين أجمل لحظاتهم في الدور الأول، ويخرجون قبل أن تكتمل الدراما. هذا احتمال حقيقي لا ينبغي إغفاله في قراءة ما سيجري.

وهنا تُطرح مسألة جوهرية كثيراً ما تنزلق تحت الاحتفالية العاطفية: ما الذي يجعل اللاعب يُصر على الاستمرار حتى هذه المرحلة من العمر؟ الجواب ليس واحداً بالضرورة.

في حالة رونالدو، ثمة نزعة إنجازية لا تكتفي والكأس العالمية تظل البقعة البيضاء الوحيدة في سيرة مُكتنزة بالإنجازات. في حالة مودريتش، ثمة رغبة في الرحيل البطولي لا الاختفاء الصامت. في حالة نيمار، ثمة شعور بدين لم يُسدد للبرازيل وللكرة معاً. وفي حالة صلاح، ثمة مسؤولية لا تختاره وضغط من شعبه للنجاح.

لكن ثمة جانباً قلما يُلتفت إليه بالقدر الكافي: فمغادرة الملاعب ليست بالبساطة التي تبدو عليها من الخارج. فبالنسبة إلى كثير من الرياضيين، لا تمثل اللعبة مجرد مهنة، بل تشكل جزءاً أساسياً من هويتهم ومعنى وجودهم. لذلك لا يكون الاعتزال، حتى حين يأتي في أفضل الظروف، مجرد نهاية لمسيرة ناجحة، بل بداية مواجهة شخصية مع فقدان الدور الذي منح حياتهم إيقاعها ومكانتهم لأعوام طويلة.

من هنا تكتسب عبارة "البطولة الأخيرة" ثقلاً يتجاوز معناها المباشر، إذ تختصر لحظة فاصلة بين حياة عرفوها جيداً وأخرى لم تتضح ملامحها بعد.

ما بعد الجيل الذهبي؟

يسأل المرء بصورة مشروعة: من سيملأ الفراغ الهائل الذي سيتركه هؤلاء؟ ثمة أسماء تُلمع بقوة في الأفق: فينيسيوس جونيور، بيدري، يامال، إيرلينغ هالاند، كيليان مبابي. لكن الواقع يُلزم بقراءة أكثر تحفظاً: تحول لاعب إلى ظاهرة جيل كامل يستلزم عقداً من الحضور المتراكم لا موسماً واحداً باهراً.

المشكلة التي قد تُواجه كرة القدم ما بعد هذا الجيل ليست غياب الموهبة، بل غياب التراتبية الرمزية، ذلك التسلسل الهرمي الواضح بين عمالقة يسبقون الآخرين في الوعي الجماهيري. حين يعتزل ميسي ورونالدو في العقد ذاته، ستكتشف كرة القدم أن ما كانا يفعلانه لم يكن مجرد تسجيل أهداف، بل إنتاج معنى للعبة أمام مئات الملايين.

الجيل القادم سيحمل هذا العبء المضاعف: ليس فقط الفوز، بل ملء مخيلة من اعتاد أن يرى الكمال في شخصين.

في التراث العربي، حين يرحل شاعر كبير يقول الناس "أفل نجم لن يطلع له مثيل". والكلمة ذاتها تصلح هنا، مع تحفظ واحد: النجوم لا تُنطفئ فجأة في علم الفلك، إنها تنبعث ضوءاً لآلاف السنين بعد أن تكون قد ماتت فعلاً. هكذا هو حال الجيل الذي يودعنا في 2026: سيستمر ضوؤه في كل من تعلم الكرة على اسمه، وفي كل من أحب اللعبة لأنه رآها تُخاض بهذا الجمال وبهذا الجنون.

ربما لن يفوز ميسي مرة أخرى. وربما لن يُحقق رونالدو حلمه. وربما ستنتهي البطولة بعناوين لأسماء لم تكن في قائمة التوقعات. لكن ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية: أن جيلاً بأكمله بلغ من الإنجاز ما جعله علامة فارقة في تاريخ اللعبة، وأنه يقترب اليوم من المشهد الأخير بالطريقة التي تليق بمن صنع حقبة كاملة، لا من مقاعد المتفرجين، بل تحت الأضواء التي اعتاد الوقوف في قلبها.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI