تعكس قضية اغتصاب "طفل الممدارة" الانهيار المؤسسي والقيمي الذي عمّقته سنوات الحرب والانقسام السياسي والأمني في اليمن، وتبرز مخاطر التواطؤ الأمني، والمداراة المجتمعية تحت مقصلة "العار والستر".
في نهاية مايو/ أيار الماضي، تصدّرت ما باتت تُعرف بقضية "طفل الممدارة" اهتمامات الشارع اليمني، وتحوّلت إلى قضية رأي عام إثر تسريب مقطع فيديو صادم يوثّق جريمة الاعتداء الجنسي على الطفل من جانب طبيب وضابط كبير في أحد الألوية العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل".
غير أن الوجه الأكثر قتامة للقضية كان "وثيقة التنازل" التي أُجبرت أسرة الطفل على توقيعها داخل مقر شرطي تحت وطأة النفوذ، في تسوية قسرية فتحت الباب لنقاشات حادة حول مصير مئات الضحايا الذين تضيع حقوقهم في الغرف المغلقة، إما خشية "الوصمة الاجتماعية" أو رضوخاً لسطوة السلاح.
ورغم أن الجريمة تعود إلى عام 2025، فإن تسريب المقطع المصور أعاد فتح ملف العنف الجنسي المسكوت عنه في اليمن بقوة النفوذ، أو بضغوط المداراة المجتمعية. ووضع الغضب العارم الذي أحدثته الجريمة البشعة السلطات الأمنية والقضائية في عدن أمام اختبار حقيقي.
وبين مطالبات الشارع بإنزال أقصى العقوبات، وتحذيرات الأمن من تبعات التشهير، سلطت الجريمة الضوء على جرح أعمق يواجهه أطفال اليمن في ظل بطء التقاضي وغياب الحماية المؤسسية، وطرحت السؤال الأكثر إلحاحاً: كم طفلاً يعيش هذه المأساة يومياً في ظل غياب "كاميرا" تسرب الحقيقة وحراك شعبي ينتزع العدالة؟
يقول الأخصائي النفسي وليد الرباصي، لـ"العربي الجديد"، إن "مرتكبي جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال يعانون غالباً من اضطراب نفسي يُعرف بـ'اضطراب ولع الأطفال'، والضحية يتعرض لصدمة نفسية حادة تترك ندوباً عميقة تمتد لسنوات، وقد تتطور إلى اضطراب ما بعد الصدمة، أو اكتئاب حاد، مع تدهور بالثقة بالنفس، وصعوبات بالغة في تكوين علاقات اجتماعية سوية، خاصة عند غياب التدخل المبكر".
ويشير الرباصي إلى أن غياب المراكز التخصصية في اليمن يحرم الأطفال من فرصة الإفصاح الآمن والعلاج، ويدفعهم نحو كبت الذكريات المؤلمة، وترافق ذلك بيئة اجتماعية محافظة تجعل الضحايا أكثر ميلاً للصمت والشعور بالذنب، فضلاً عن وصمة العار، والأحكام المجتمعية الجائرة التي تلاحق الضحية وعائلته، والتي تفوق أحياناً أذى الجريمة نفسها، وتمنع الأسر من إبلاغ السلطات خشية التشهير.
ويحذر الأخصائي النفسي من أن "تكتم الأسر يعد كارثة حقيقية، وقد رصدت خلال عملي أن بعض الضحايا الذين حُرموا من التأهيل النفسي تطورت لديهم اضطرابات سلوكية معقدة، وصلت في بعض الحالات إلى إعادة إنتاج أنماط الإساءة نفسها، أو الانخراط في سلوكيات غير سوية، ما ينقل الضرر إلى بقية أفراد المجتمع.
يتحتم إنشاء وحدة حماية متخصصة تضم ضابط مباحث، وطبيب أطفال، وعضواً من الشرطة النسائية، وأخصائيين نفسيين واجتماعيين، ومستشاراً قانونياً، فهذا التنسيق المشترك سيحدث نقلة نوعية في التعامل مع الضحايا، ويسهم في توفير إحصائيات دقيقة لبناء حلول عملية ومستدامة".
من جانبه، يروي عبد الله (اسم مستعار) لـ"العربي الجديد" مأساة عائلته قائلاً: "كنت أسكن مع أسرتي في منطقة الحصبة بالعاصمة صنعاء، حيث أعمل في سوق لبيع الخضراوات، وفوجئت بأن ابني البالغ من العمر 12 سنة جرى استدراجه والاعتداء عليه من قبل شاب في التاسعة عشرة من عمره، وحين قررت الشكوى، تعرضت لتهديد مباشر بالتصفية الجسدية من قبل أسرة الجاني في حال أبلغت السلطات، ما اضطرني إلى النزوح مع أسرتي إلى منطقة في أطراف صنعاء بحثاً عن الأمان".
وأنتجت سنوات الحرب المستمرة في اليمن واقعاً معيشياً أسهم في غياب الرقابة الأبوية، فبين قسوة الفقر، ومرارة النزوح، واضطرار الصغار للالتحاق بسوق العمل مبكراً، أو فقدان الأسر معيلها، بات الأطفال يواجهون منعطفات خطرة بمفردهم، ما يجعلهم لقمة سائغة للمعتدين والنافذين.
والمقلق في جغرافية هذا الخطر أنه لا يعترف بحدود السياسة أو خطوط التماس، إذ تسجل هذه الجرائم في مختلف المحافظات، وفي مناطق سيطرة كل أطراف النزاع، ما يؤشر إلى انهيار منظومة الحماية المؤسسية والمجتمعية التي كان يُفترض أن تصون الأطفال.
وكشفت منظمات حقوقية عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة التي يعيشها الأطفال في ظل النزاع المسلح؛ إذ أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في تقرير حديث توثيق 167 حالة اغتصاب واعتداء جنسي ارتكبها أفراد من جماعة الحوثي بحق أطفال، ضمن أكثر من 29 ألف انتهاك طاول أطفالاً منذ يناير/كانون الثاني 2015.
وأوضح التقرير أن هذه الجرائم الجنسية تأتي بالتوازي مع انتهاكات جسيمة أخرى شملت مقتل وإصابة الآلاف من جراء القصف أو الألغام، واختطاف مئات الأطفال، إضافة إلى حرمان ملايين آخرين من التعليم، ودفعهم إلى سوق العمل.
ويؤكد رئيس منظمة "سياج" لحماية الطفولة أحمد القرشي، لـ"العربي الجديد"، أن "اليمن يشهد انهياراً شبه كامل لمنظومة حماية الأطفال منذ عام 2014 من جراء الانقسام السياسي والأمني الذي أدى إلى تسييس مؤسسات إنفاذ القانون.
الانتهاكات الجسيمة وقضايا العنف الجنسي والاغتصاب والابتزاز باتت تواجه تحديات مرعبة في ظل سيطرة الجماعات المسلحة والمليشيات على الأرض، وضعف مؤسسات الحكومة المعترف بها دولياً وهشاشتها".
ويشير القرشي إلى أن "غياب مؤسسات الدولة التقليدية في المناطق الريفية التي تشكل أكثر من 70% من مساحة اليمن يدفع باتجاه إخضاع جرائم اغتصاب الأطفال والعنف الجنسي للأعراف والمقاربات القبلية والعشائرية التي تسعى لتسوية القضية، وتجبر أولياء الأمور على تقديم تنازلات مجحفة في جرائم يحظر القانون التنازل فيها، بينما المنظومة القيمية والاجتماعية السائدة غالباً ما تحمي الجاني تحت مبررات الستر والتكتم".
وينبّه رئيس منظمة "سياج" إلى خلو مراكز الشرطة من وحدات متخصصة لحماية الطفولة، محذراً من استمرار الممارسات غير القانونية، واستغلال النفوذ أو السطوة من قبل بعض منتسبي مراكز الأمن في عدن ومناطق أخرى، والذين تورطوا في ابتزاز الضحايا واستغلالهم بدلاً من حمايتهم، الأمر الذي يضاعف مخاوف المجتمع، ويحول دون الإبلاغ عن الجرائم خشية الفضيحة، أو الوقوع في دوامة ابتزاز جديدة.
ويشدد على أن "علاج هذا الجرح يتطلب محاكمات علنية عاجلة للمتورطين، وتوفير منصات إبلاغ آمنة.
العجز الحاد في آليات الحماية الوطنية خطر إضافي، إذ لا تضم البلاد سوى سبع محاكم متخصصة، وثلاث دور إيواء مخصصة للفتيات، بالتزامن مع قفز معدلات الفقر إلى نحو 80%، وتجاوز عدد الأطفال واليافعين 21.5 مليوناً، مع ندرة الموارد المتاحة للمنظمات الحقوقية الوطنية، وحرمانها من التمويل، في مقابل هدر ملايين الدولارات من قِبل منظمات دولية تدير برامج لا تنعكس على الواقع، أو توفر حماية للطفل الضحية، أو المعرض للاغتصاب أو الابتزاز الجنسي".
وتكشف شهادات عاملين في الحقل الإنساني عن فجوة هائلة بين الموازنات التي تعلن الوكالات والمنظمات الدولية تخصيصها لحماية أطفال اليمن، وبين الواقع على الأرض، إذ تعجز هذه الوكالات عن تغطية نفقات التكاليف الطبية لفتيات قاصرات ناجيات من العنف الجنسي، أو نفقات لم شمل الأطفال المفقودين، في حين تُقابل المبادرات المحلية المستقلة بتجاهل تام لدعمها.
وتُرجع مصادر حقوقية هذا الخلل الهيكلي إلى خضوع شريحة واسعة من المنظمات الدولية لإملاءات واشتراطات صارمة تفرضها جماعة الحوثي على الأنشطة الحقوقية، ما يشلّ قدرتها على التدخل.
ويضاعف غياب البدائل قتامة المشهد، فبينما تحظى قطاعات الغذاء والدواء بمرونة ووفرة نسبية عبر الجمعيات الخيرية الإقليمية، يظل ملف الحماية حكراً على الوكالات الدولية التي باتت تمويلاتها رهينة الحسابات السياسية والضغوط الأمنية، تاركة الضحايا بلا شبكة أمان حقيقية.
ويرى المحامي ياسر المليكي أن تصاعد ظاهرة اغتصاب الأطفال في اليمن ليس بمعزل عن تداعيات الحرب، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "هذه الظاهرة هي إحدى الآثار المباشرة لانهيار مؤسسات إنفاذ القانون، وتنازع الصلاحيات بين الفصائل والجماعات المسلحة.
القصور التشريعي ليس العائق الوحيد، بل تُضاف إليه التحديات المرتبطة بإثبات الأدلة في قضايا تتسم بطابع السرية، فضلاً عن إشكالية جوهرية تتمثل في عقلية القائمين على إنفاذ القانون، والذين غالباً ما يسهمون في طي هذه القضايا، أو الضغط باتجاه التسويات العرفية تفضيلاً لمنطق حماية العائلة من العار الاجتماعي".
ويشدد المليكي على أن "العرف الاجتماعي هو العامل الأكثر سطوة في حرف مسار القضايا عن مجراها القانوني، ما يجعل الأرقام المعلنة محدودة للغاية مقارنة بما يجرى التستر عليه، ومحاربة الظاهرة تتطلب استراتيجية مؤسسية طويلة الأمد، تشمل القضاء، والشرطة، والقوات العسكرية، إلى جانب وجهاء المجتمعات المحلية، وإدارات مخيمات النزوح، لجعل حماية الطفولة أولوية لا تخضع للمساومات".
وتدرج المادة (269) من قانون العقوبات اليمني اغتصاب الأطفال ضمن "الجرائم المخلة بالأخلاق"، بدلاً من اعتبارها اعتداءً جسيماً على سلامة الطفل، ولا ينص القانون صراحة على عقوبة الإعدام في جرائم الاغتصاب ما لم تقترن بالقتل العمد، ما يمنح القضاء سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة.
ويتضاعف هذا القصور مع وجود تضارب تشريعي يحدد عمر الحماية بـ15 سنة في قانون العقوبات، و18 سنة في قانون حقوق الطفل، ما يرفع الغطاء القانوني عن فئة المراهقين.