مخاوف من تكرار هذه الجرائم
اغتيال محمد عيضة.. الصحافة اليمنية تواجه العبوات الناسفة
أعاد اغتيال مراسل قناتي العربية والحدث الصحفي محمد عيضة، في محافظة حضرموت، فتْح واحد من أكثر الملفات الخطيرة في اليمن، وهو ملف أمن الصحفيين ومستقبل حرية الصحافة في بلد لا يزال يعيش تداعيات حرب مستمرة منذ أكثر من عقد.
الجريمة التي وقعت في مدينة المكلا مساء يوم الأربعاء 24 يونيو 2026، لم يُنظر إليها داخل الوسط الصحفي باعتبارها حادثة استهداف فردية، بل باعتبارها مؤشراً على تصاعد مستوى المخاطر التي تواجه العاملين في وسائل الإعلام، خصوصاً مع استخدام عبوة ناسفة جرى زرعها داخل مركبة الصحفي وتفجيرها عن بُعد، وفقاً للنتائج الأولية التي أعلنتها شرطة ساحل حضرموت.
أخذت هذه الحادثة أبعادًا أخرى كونها تأتي في وقت تشهد فيه البلاد تراجعًا كبيرًا في مؤشرات حرية الصحافة، وارتفاعًا في معدلات الانتهاكات ضد الصحفيين، وسط مطالبات محلية ودولية متزايدة بوضع حد لظاهرة عدم المسائلة والإفلات من العقاب.
من هو محمد عيضة؟
هو محمد عبدالله يحيى سعيد المعروف إعلاميا بـ "محمد عيضة" من مواليد 1985مديرية شرعب السلام في الريف الشمالي لمحافظة تعز، متزوج ولديه متزوج ولديه ابن وثلاث بنات.
عمل محمد عيضة مصورًا لعدد من القنوات التلفزيونية في صنعاء، ويعد أحد الذين عملوا في التغطية الميدانية للأحداث السياسية والأمنية والعسكرية، وارتبط اسمه بتغطيات ميدانية في بيئات خطيرة في اليمن.
غادر عيضة صنعاء خلال السنوات الماضية بعد تعرضه لملاحقات من قبل الحوثيين مرتبطة بعمله الصحفي، ليستقر لاحقًا في مدينة المكلا، حيث واصل نشاطه الإعلامي هناك.
وكان من بين الصحفيين الذين حافظوا على حضورهم المهني في ظل ظروف أمنية متقلبة، الأمر الذي جعل نبأ اغتياله يترك صدى واسعاً داخل الوسط الصحفي وخارجه.
ماذا تقول التحقيقات الأولية؟
أعلنت شرطة ساحل حضرموت أن المعاينات الفنية الأولية أظهرت أن الانفجار نتج عن عبوة ناسفة محلية الصنع زُرعت أسفل المقعد الأمامي الخاص بالسائق، وجرى تفجيرها عن بُعد أثناء وجود الصحفي داخل المركبة.
وأوضحت الشرطة أن فرق البحث الجنائي والأدلة الجنائية وخبراء المتفجرات تمكنوا من جمع أدلة وقرائن ميدانية مهمة، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة للوصول إلى الجناة والجهات التي تقف خلف العملية.
وفي تطور لافت، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بتشكيل لجنة عليا مشتركة تضم ممثلين عن وزارة الداخلية وأجهزة أمنية واستخباراتية وعسكرية للتحقيق في القضية، في خطوة تعكس حساسية الحادثة على المستويين السياسي والأمني.
قصور في توفير الحماية
رئيسة مؤسسة "دفاع" للحقوق والحريات المحامي هدى الصراري، اعتبرت واقعة اغتيال الصحفي محمد عيضة بواسطة عبوة ناسفة تصعيداً خطيراً في مستوى التهديدات التي تواجه الصحفيين في اليمن، ويعكس حجم القصور في توفير الحماية الفعالة للعاملين في المجال الإعلامي، خاصة في ظل بيئة أمنية هشة وانتشار الجماعات المسلحة وتعدد مراكز القوة.
وأشارت في سياق حديثها لـ"يمن فريدم" إلى عدم وجود آليات مؤسسية كافية ومعلنة لحماية الصحفيين المعرضين للخطر أو للاستجابة السريعة للتهديدات التي يتلقونها.
المحامية الصراري ارجعت تزايد هذه الانتهاكات إلى استمرار الإفلات من العقاب في الجرائم السابقة المرتكبة بحق الصحفيين، وهو الأمر الذي شجّع على تكرار هذه الانتهاكات، على حد قولها.
وشددت على ضرورة فتح تحقيق في هذه "الجريمة" بشكل مستقل وشفاف يفضي إلى تحديد جميع المسؤولين عنها، سواء المنفذين أو المخططين أو المحرضين، ومحاسبتهم وفق القانون.
وأكدت على أهمية "أن تعزز السلطات الإجراءات لحماية الصحفيين، وتطوير آليات للإنذار المبكر والاستجابة للتهديدات، وضمان بيئة آمنة تمكنهم من أداء عملهم دون خوف".
وترى المحامية الصراري "أن تحقيق العدالة في هذه القضية سيكون اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السلطات في حماية حرية الصحافة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي عانى منها الصحفيون في اليمن لسنوات طويلة".
عودة شبح العبوات الناسفة
ما يجعل حادثة اغتيال محمد عيضة مختلفة عن كثير من الانتهاكات السابقة ضد الصحفيين هو وسيلة التنفيذ.
وقبل الصحفي محمد عيضة، شهد اليمن حوادث مماثلة كان أبرزها اغتيال الصحفي صابر الحيدري في عدن عام 2021 إثر انفجار عبوة ناسفة ازُرعت داخل سيارته.
وفي العام ذاته، جرى اغتيال الصحفية والمصورة رشا الحرازي، التي كانت حاملاً في شهرها الأخير، بعد تفجير عبوة ناسفة في مركبتها بمدينة عدن، حيث كانت برفقة زوجها الصحفي محمود العتمي الذي نجا من الحادث بعد تعرضه لإصابات مختلفة.
تكرار هذه العمليات يثير مخاوف من تحول العبوات الناسفة إلى وسيلة ممنهجة لاستهداف الصحفيين، خصوصاً أنها تمنح المنفذين قدرة أكبر على تنفيذ العمليات دون مواجهة مباشرة.
كيف تغيرت أدوات استهداف الصحفيين؟
خلال العقد الأخير تطورت أساليب استهداف الصحفيين في اليمن بشكل ملحوظ، بخلاف السابق، حيث كانت تقتصر الانتهاكات على (الاعتقال التعسفي- الإخفاء القسري- المحاكمات السياسية- إغلاق المؤسسات الإعلامية- مصادرة المعدات- حملات التحريض والتشهير).
أما في السنوات الأخيرة شهدت انتقالاً إلى مستويات أكثر خطورة شملت (محاولات الاغتيال-الاغتيالات المباشرة-الاستهداف بالعبوات الناسفة- المراقبة الأمنية المكثفة- التهديدات العابرة للمناطق الجغرافية).
يرى مختصون أن هذا التحول يعكس طبيعة البيئة الأمنية المعقدة التي أنتجتها الحرب، حيث أصبحت أدوات العنف أكثر انتشاراً وأكثر سهولة في الاستخدام.
لماذا تعتبر العبوات الناسفة أكثر خطرًا؟
تختلف العبوات الناسفة عن أشكال الاستهداف الأخرى لأنها تنقل الخطر من مكان العمل إلى الحياة اليومية، على عكس السابق كان الصحفي يشعر أن الخطر الأكبر يكون في تغطية المعارك أو الأحداث الأمنية، أما اليوم فإن الخطر قد يكون أمام المنزل، في موقف السيارات، أثناء الذهاب إلى العمل، وخلال التنقل اليومي المعتاد.
وتعليقا على ذلك، يرى الناشط في مجال حقوق الإنسان رياض الدبعي، "أن استخدام العبوات الناسفة لاستهداف الصحفيين في اليمن يمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الانتهاكات الموجهة ضد الإعلاميين، لأنه ينقل الاستهداف من التضييق والاعتقال إلى محاولة القتل المباشر والتصفية الجسدية".
وأكد في حديثه لـ"يمن فريدم" أن هذا النوع من الهجمات يكشف حجم المخاطر التي بات يواجهها الصحفيون أثناء أداء عملهم، ويعكس بيئة شديدة العداء لحرية الصحافة ولأي جهود تهدف إلى نقل الحقائق وتوثيق الانتهاكات".
وأعرب الناشط الدبعي عن قلقه من توسيع دائرة الضحايا التي قد تصل إلى المدنيين المحيطين، وقال "ما يثير القلق أن اللجوء إلى العبوات الناسفة لا يهدد الصحفي المستهدف وحده، بل يعرض المدنيين والمحيطين به للخطر أيضًا، وهو ما يضاعف من خطورة هذه الجريمة وآثارها.
استمرار مثل هذه الأساليب دون تحقيقات شفافة ومحاسبة جادة يشجع على مزيد من الإفلات من العقاب، ويفرض ضغوطًا إضافية على العمل الصحفي في بلد يعد بالفعل من أكثر البيئات خطورة على الصحفيين".
الصحافة اليمنية تحت الضغط
وصفت نقابة الصحفيين اليمنيين جريمة "اغتيال محمد عيضة" بأنها اعتداء على حرية الصحافة وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات. في حين اعتبر الوسط الصحفي في اليمن أن التأثير الأخطر لهذه الجرائم لا يتمثل فقط في فقدان صحفي فحسب، بل في نشر الخوف داخل المجتمع الصحفي بأكمله.
فالصحفي الذي يعلم أن زميلاً له قُتل بسبب عمله قد يصبح أكثر ترددًا في تناول ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو النفوذ أو الانتهاكات، وهذا ما ينتج ظاهرة "الرقابة الذاتية"، الذي يلجأ إليها كثير من الصحفيين في اليمن، حيث يبدأ الصحفي بنفسه في تجنب بعض الموضوعات خشية التعرض للأذى.
الإدانات الدولية.. هل تكفي؟
أثارت حادثة اغتيال الصحفي محمد عيضة إدانات واسعة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمات حقوقية وإعلامية عديدة.
المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أكد على ضرورة حماية الصحفيين وضمان قدرتهم على أداء عملهم دون خوف. من جهته شدد الاتحاد الأوروبي على أهمية إجراء تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.
غير أن كثيرًا من الصحفيين اليمنيين يرون أن المشكلة لا تكمن في غياب الإدانات، بل في غياب النتائج العملية التي تمنع تكرار الجرائم. فمع سنوات الحرب صدرت عشرات بيانات الإدانة بشأن انتهاكات طالت صحفيين، لكن عددًا كبيرًا من القضايا بقي دون حسم أو مساءلة واضحة.
الإفلات من العقاب.. المشكلة الأكبر
يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في كشف منفذي جريمة اغتيال محمد عيضة، بل في كسر الحلقة المستمرة من الإفلات من العقاب. ومع كل جريمة لا يُحاسب مرتكبوها تخلق بيئة تسمح بوقوع جرائم جديدة ضد الصحفيين.
ولهذا تطالب نقابة الصحفيين اليمنيين بتحقيق مستقل وشفاف يكشف الحقيقة كاملة ويحدد المسؤوليات بشكل واضح. كما تدعو المنظمات الدولية إلى تعزيز آليات حماية الصحفيين وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم ضد الإعلاميين من العدالة.
وفي هذا السياق تحدث رئيس منظمة "سام" للحقوق والحريات، المحامي توفيق الحميدي عن جريمة اغتيال الصحفي محمد عيضة مراسل قناة العربية والحدث، وأكد أنها "جريمة مدانة"، وتكشف للجميع داخليًا وخارجيًا الحماية الهشة للعمل الصحفي.
وقال إن هذه الحادثة، هي تذكير بخطورة البيئة التي يعمل فيها الصحفيون في اليمن، مشيرًا إلى أمر آخر وهو أن الجريمة أكدت أن استهداف الإعلاميين لم يعد مجرد حوادث فردية معزولة، بل فعل ممنهج تنفذه أطراف ترى في الصحافة خطرًا على وجودها، مما يضاعف المخاطر المستمرة التي تهدد حرية الصحافة وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، على حد وصفه.
ركّز المحامي الحميدي على الآليات والحماية للصحفيين وفق القانون الدولي الذي يمنح الصحفيين العاملين في مناطق النزاعات المسلحة صفة المدنيين، ويوجب حمايتهم من الاستهداف المباشر، ما داموا لا يشاركون في الأعمال القتالية، وفق المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.
وأشار الحميدي في حديثه لـ "يمن فريدم" إلى عدة آليات معنية بحماية الصحفيين، من أبرزها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، ومنظمة اليونسكو التي تتولى متابعة الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، إضافة إلى آلية خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب. كما يضطلع مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان بدور مهم في توثيق الانتهاكات والضغط من أجل المساءلة، وفق ما ذكر.
في المقابل، يرى المحامي توفيق الحميدي "أن التحدي الرئيسي في اليمن لا يكمن في غياب المعايير القانونية أو الآليات الدولية، بل في ضعف تنفيذها على أرض الواقع".
وأكد أن استمرار النزاع المسلح، وتعدد مراكز القوة، وضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وغياب التحقيقات المستقلة والفعالة، عوامل ساهمت في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب، وشجّع على تكرار الانتهاكات ضد الصحفيين.
وشدد على أن حماية الصحفيين في اليمن "يتطلب أكثر من مجرد إدانة الحوادث بعد وقوعها؛ بل تستدعي إجراء تحقيقات مهنية ومستقلة وشفافة، ومحاسبة جميع المتورطين، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، إلى جانب توفير بيئة آمنة للعمل الصحفي".
وأختتم حديثه برسالة للمجتمع الدولي وقال: "المجتمع الدولي مطالب بتعزيز آليات الرصد والضغط من أجل ضمان احترام التزامات الأطراف كافة تجاه حرية الصحافة وسلامة العاملين في المجال الإعلامي".
ما بعد محمد عيضة!
لا تبدو قضية الصحفي محمد عيضة بالنسبة للصحفيين اليمنيين مجرد جريمة اغتيال جديدة، بل لحظة مفصلية قد تحدد اتجاهات المرحلة المقبلة.
فإذا نجحت السلطات في كشف الجناة ومحاسبتهم، فقد يشكل ذلك خطوة مهمة نحو استعادة الثقة في منظومة العدالة وحماية الصحفيين اليمنيين.
أما إذا أضيفت القضية إلى قائمة الجرائم غير المحسومة كجريمة اغتيال الصحفي صابر الحيدري، وكذا اغتيال الصحفية رشا الحرازي في العاصمة المؤقتة عدن، فإن المخاوف ستزداد من أن يتحول استهداف الصحفيين بالعبوات الناسفة إلى تهديد دائم يلاحق كل العاملين في الإعلام اليمني.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى مستقبل حرية الصحافة في اليمن مرتبطًا بمدى قدرة الدولة والمجتمع الدولي والمؤسسات الإعلامية على تحويل الإدانات إلى إجراءات فعلية تضمن ألا يصبح الصحفي هدفًا بسبب قيامه بواجبه المهني.