تزداد تعقيدات المشهد في جنوب اليمن، في ظل تزايد الملفات التي تفرض نفسها على الوضع الميداني وفي أروقة السياسة، مع تزايد الفجوة داخل التحالف العربي بقيادة السعودية والشرعية المدعومة من التحالف نفسه منذ أحداث حضرموت والمهرة، التي تنعكس على الواقع، مع تعثر إقامة مؤتمر الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، بعد أن سيطر الخلاف والتباين حول السقف والمظلة التي قد يعقد تحتها هذا المؤتمر.
ووفق معلومات "العربي الجديد" الواردة من الرياض، فإن تعثر إقامة مؤتمر الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، تقف خلفه جملة من الأسباب، أبرزها وجود خلافات وتباينات داخل قيادة الشرعية وأطراف جنوبية، حول السقف الذي سيعقد تحته المؤتمر.
وكشفت مصادر في الرياض مقربة من رئيس مجلس القيادة، رشاد العليمي، وأخرى من القيادات الجنوبية، لـ"العربي الجديد"، أن العليمي وضع شرطاً لانعقاد المؤتمر يتمثل بعقده تحت سقف ومظلة اليمن والوحدة ووفق المرجعيات الثلاث المتمثلة بالمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي 2016 بشأن اليمن. في المقابل، يشترط المجلس الانتقالي الجنوبي حواراً تحت سقف إقامة "دولة الجنوب".
مقتضيات الحوار الجنوبي
وحسب المصادر، فإن العليمي الذي تدعمه أحزاب ومكونات، والعديد منها شمالية، متمسك بوجهة نظره، ويصر على التدخل في موضوع إقامة المؤتمر، بما في ذلك إصدار قرار جمهوري بتشكيل اللجنة التحضيرية من أجل عقد الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، من خلال تسمية رئيس اللجنة وأعضائها بالتشاور مع الأطراف والقيادات الجنوبية، وأيضاً تحديد القوى والفئات الجنوبية التي ستُدعى إلى المشاركة في الحوار، تحت إشراف الدولة وبرعاية السعودية ومجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة.
وقالت المصادر إن هناك رفضاً جنوبياً في الرياض لتدخّل العليمي في موضوع الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، ومحاولته فرض سقف اليمن والوحدة سقفاً لعقد المؤتمر، بينما يتمسك المجلس الانتقالي الجنوبي بفكرة أن الوحدة اليمنية انتهت، وأن السقف يجب أن يكون فقط حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم، وترك الجنوبيين يحددون كل ذلك.
ويتمسك وفد الانتقالي الجنوبي المنحل الموجود في الرياض برفض تصورات العليمي وكل التحركات التي يقوم بها مع فريقه وبعض المقربين منه، خصوصاً أن أغلب وفد "الانتقالي" يرفض حتى اللحظة عقد أي لقاء رئيس مجلس القيادة، منذ وصول أعضائه إلى الرياض، عقب أحداث حضرموت والمهرة، في مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي.
تقويض الشراكة السياسية؟
ورداً على استفسارات "العربي الجديد"، قال أحد قيادات الوفد الجنوبي الموجود في الرياض إن "الوفد الجنوبي، منذ لحظة وصوله إلى العاصمة السعودية، يحمل أمانة شعب بأكمله وتطلعاته، ملتزماً الدفاع عن قضيته الوطنية العادلة.
وفي هذا الصدد، يعلن الوفد رفضه القاطع لأي محاولات تسعى لتجاوز أو الانتقاص من هذه القضية من قِبل أي أطراف سياسية يمنية، بما في ذلك الممارسات الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، التي أدت إلى تقويض الشراكة السياسية والتوافقات الرئيسية التي قام عليها اتفاق الرياض".
وتابع القيادي الجنوبي: "في سياق تواصله المستمر مع المجتمع الدولي، يضع الوفد الجنوبي مجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والفاعلين الإقليميين والدوليين كافة، أمام مسؤولياتهم القانونية والسياسية، مؤكداً الاحتكام للإرادة الشعبية، لأن الفيصل النهائي والوحيد لتحديد المستقبل السياسي للجنوب يكمن في العودة إلى إرادة شعبه الحرة، عبر آلية استفتاء عام ونزيه يخصّ أبناء الجنوب وتنظمه وتشرف عليه هيئات دولية محايدة.
وكذلك، التزام القانون الدولي، إذ يشدد الوفد على أن حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته بكامل حدودها السياسية لما قبل عام 1990، حق مكفول بموجب العهود الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والمواثيق القانونية والحقوقية المتعارف عليها عالمياً.
وأيضاً حماية المكتسبات الوطنية، لذلك يقود الوفد حالياً حراكاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً لتعزيز وحدة الصف وتشكيل جبهة وطنية واسعة، لحماية المكتسبات التي تحققت، ونقل الرؤية الجنوبية بوضوح تام إلى مراكز القرار الدولي دون قيود أو إملاءات.
ويطرح بعض الجنوبيين، منهم مستشارو رئيس مجلس القيادة من الجنوبيين وأعضاء في مجلس القيادة، تشكيل لجنة تحضيرية للحوار الجنوبي من الجنوبيين أنفسهم، من كل الأحزاب والمكونات والمحافظات والشرائح والفئات الجنوبية.
وقال عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي السابق، عضو الوفد الجنوبي الموجود في الرياض، الشيخ راجح سعيد باكريت، في منشور له على صفحته في "فيسبوك": "ما يحدث اليوم في الجنوب انعكاس طبيعي لإرادة شعب عبّر عنها بتضحياته ومواقفه ورسالة واضحة، أن أبناء الجنوب يتمسكون بحقهم ولن يرجعوا إلى اليمن الواحد، ويرفضون أي حكومة شرعية شمالية لا تعبّر عنهم".
الميسري والإمارات
في ظل هذا السجال بشأن سقف الحوار الجنوبي وتعثر انعقاده وتشكيل لجنته التحضيرية، دُعي إلى الرياض نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية السابق أحمد الميسري، أحد أبرز الصقور في الحكومة اليمنية من صف القيادات الجنوبية، وكان أول من دخل في خلاف وصراع مع الإمارات وحلفائها في المجلس الانتقالي الجنوبي.
مع العلم أن المجلس الذي كان قد شنّ هجوماً عسكرياً في السابع من أغسطس/ آب 2019، وطرد الحكومة من قصر المعاشيق في عدن، اقتحم حينها عدداً من المنازل، وفي مقدمتها منزل الميسري.
وبعد مواجهة مسلحة بين الطرفين راح ضحيتها العشرات، تدخّل السعوديون وأخرجوا الميسري ونقلوه إلى مقر التحالف، بحماية قوات سعودية، ومن مقر التحالف حينها، تحدث في تسجيل فيديو له، اعترف فيه بتعرضهم لهزيمة من الإمارات، وتعرّض منزله للنهب وصل حتى الأغراض الشخصية، معتبراً أن ذلك جولة، وأنه سيعود من جديد، ونُقل إلى الرياض مع عدد من المسؤولين والقيادات.
الميسري كان أحد أبرز المقربين من الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي، الذي أُجبر حينها بضغط إماراتي وصمت سعودي، على تشكيل حكومة جديدة برئاسة معين عبد الملك وإزاحة الميسري من منصبه، في 18 ديسمبر 2020، بعد أن كان قد مُنع من العودة، وأُوقِف عن مزاولة مهامه.
ثم ما لبث أن غادر الرياض وعاش متنقلاً بين مسقط والقاهرة، واستمر في مهاجمة الإمارات حتى في أثناء الحرب التي جرت بعد ذلك في 2021 بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.
اليوم عاد الميسري إلى الواجهة بعد حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي (نظرياً)، وأصبح ممن قادوا الحرب حينها ضد الرجل، مطاردين من الحكومة الشرعية والسعودية.
وحسب مصادر مقربة من الميسري وأخرى سياسية جنوبية، تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن استدعاء الميسري إلى الرياض يأتي لما له من تأثير في مختلف المستويات، وقدرته على المساعدة لإعادة ترتيب المشهد في الجنوب، خصوصاً أنه أكثر من يعرف سياسة الإمارات وحلفاءها، ومخططاتها في الجنوب، وخاض ضدها وسياستها معارك.
لذلك، تطرح الكثير من التساؤلات عن الدور الذي قد يقوم فيه داخل الحكومة الشرعية، لتكوين جبهة واسعة داخل الحكومة، ولا سيما جبهة جنوبية لمواجهة تدخلات الإمارات والجبهة التي تحاول إعادة تشكيلها من جديد لعرقلة الترتيبات الجارية في الجنوب بعد طردها، وحل المجلس الانتقالي الجنوبي، وفكفكة البنية التي بنوها خلال السنوات الماضية في كل المستويات.
وأكدت المصادر أن أولوية الميسري هي الدفع نحو تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار الجنوبي ـ الجنوبي، ثم عقد مؤتمر الحوار، لذلك يقود جهوداً كبيرة منذ أن وصل إلى الرياض، مع المكونات والأطراف والأحزاب والشخصيات والقيادات الجنوبية، وكذلك مع السعوديين، وبعض البعثات الدبلوماسية، وأعضاء من مجلس القيادة، من الجنوبيين، إضافة إلى لقاء أعضاء في الوفد الجنوبي، وهو وفد المجلس الانتقالي الذي وصل إلى الرياض وأعلن فيما بعد حلّ المجلس.
وأشارت المصادر إلى أن كل هذا يهدف إلى الدفع نحو إزالة المعوقات لإقامة مؤتمر الحوار، ويطرح اسمه ليكون رئيس اللجنة التحضيرية، مع اختيار أعضاء من كل المحافظات الجنوبية ومن كل مكونات الجنوب وشرائحه وفئاته.
عودة الميسري إلى الواجهة وقيادته هذا الحراك في الرياض، أحدثا توجساً وسط المجلس الانتقالي الجنوبي، الطرف المتمسك برفض حل المجلس، والموالي لرئيسه عيدروس الزبيدي.
وهو توجس يوجه رموز المجلس الجنوبي فيه سهامهم نحو السعودية، متسائلين عن هدفها من السماح للميسري بالعودة لتصدر المشهد، خصوصاً أنه يأتي في الوقت الذي صعّدت فيه الحكومة ضد الزبيدي، باستخدام العقوبات الدولية والمحاكمة القضائية من خلال القضاء اليمني.
وتزامن ذلك أيضاً مع مواصلة تفكيك بنية الإمارات والمجلس الانتقالي، بما فيها إطاحة القيادات والمسؤولين في المؤسسات والمرافق والمكاتب والوزارات، والأجهزة الأمنية والعسكرية، ممن استمروا في موالاة الزبيدي والمجلس، وساندوه في هجومه العسكري، مطلع يناير الماضي، على حضرموت والمهرة، خصوصاً ممن رفضوا السفر إلى الرياض.
توجس أنصار الزبيدي
هذا التوجس الذي يتواصل ويزداد مع استمرار المساعي لإنهاء أي تأثير ودور لعيدروس الزبيدي ومن معه، وبالتالي قطع أي تأثير على الأرض للإمارات، يدفع هذا الطرف إلى تصعيد اللهجة ضد السعودية تحديداً، ومهاجمتها علناً وأيضاً رفض مؤتمر الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، الذي يقولون إن نتائجه معدة مسبقاً من خلال خريطة الإملاءات وفرضها على الجنوبيين.
وفي إطار التحضير لمؤتمر الحوار، يجري حالياً تشكيل مجالس تنسيقية في كل محافظة من محافظات الجنوب، يضم فيه مكونات المجتمع في الجنوب وشرائحه وفئاته وأحزابه، من دون استثناء، وهي مجالس ستشارك في المؤتمر وتلغي سردية الانتقالي، بحديثه إنه ممثل الجنوب الوحيد، حسب ما أكده أحد القيادات الجنوبية في الرياض، والمعارضة للانتقالي.
المصدر القيادي أكد لـ"العربي الجديد" أن المجالس التنسيقية هذه ستضم جميع الجنوبيين بكل اختلافاتهم وبكل مشاريعهم، من منادين بانفصال دولة الجنوب واستعادتها، والمنادين بفيدرالية ودولة اتحادية وأنصار الحكم المحلي وغيرها من المشاريع، وتمنع محاولة "الانتقالي" أو غيره من احتكار الجنوب بمشروعه.
وأضاف أن لدى الجنوبيين فرصة تاريخية لتحديد مصيرهم وإيجاد حل لقضيتهم، من خلال جلوسهم معاً، من دون أن يفرض عليهم أحد أي مشروع باستخدام قوة السلاح كما كان يفعل الانتقالي، على حساب بقية الجنوبيين المعارضين له.
(العربي الجديد)