30 يونيو 2026
30 يونيو 2026
يمن فريدم-دلشاد حسين


التنافس الإقليمي بين تركيا وإيران في المنطقة ليس جديدا، لكنه دخل مرحلة مختلفة نهاية عام 2024 عندما سقط نظام بشار الأسد على يد قوى المعارضة المدعومة من أنقرة.

لكن النفوذ الإيراني في سوريا لم يختف تماما . فبحسب مصادر سورية تحدثت لـ"الحرة"، لا تزال طهران تعتمد على خلايا مرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله، وعلى شبكات تهريب أسلحة باتجاه لبنان، للحفاظ على خطوط تأثيرها بعد خسارة حليفها السوري. وبين سعي تركيا إلى تثبيت النظام الجديد، ومحاولة إيران حماية ما تبقى من أدواتها، تتحول سوريا إلى اختبار جديد لقدرة البلدين على إدارة التنافس من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

يقول رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر حماد الأسعد، إن السلطات السورية تنفذ بصورة شبه يومية عمليات أمنية تستهدف خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله.

ويوضح لـ"الحرة" أن "قوات الأمن العام السورية تتحرك بقوة داخل سوريا وعلى الحدود اللبنانية، ونفذت خلال الأشهر الماضية مداهمات أسفرت عن اعتقال عشرات العناصر التابعة للحرس الثوري وحزب الله، إلى جانب ضبط مستودعات كبيرة للأسلحة والمتفجرات".

وفي 11 سبتمبر الماضي، أعلنت السلطات السورية أن قوات تابعة لقيادة الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات السوري ألقت القبض على عدد من عناصر خلية تابعة لـ "حزب الله" ومدعومة من إيران، كانت تنشط بالقرب من دمشق.

وقبل ذلك ذكرت السلطات أن القوات السورية اعترضت في مناسبات عدة شاحنات كانت تنقل صواريخ وشحنات أسلحة أخرى متجهة إلى حزب الله في لبنان.

والشهر الماضي أعلنت وزارة الداخلية السورية إحباط سلسلة جديدة من مخططات الاغتيال التي قالت إن "حزب الله" دبرها واستهدفت شخصيات رفيعة المستوى، فضلا عن هجمات استهدفت شخصيات تنتمي لأقليات، وأهدافا مدنية وعمليات نقل أسلحة، متهمة الحزب وجهات مدعومة من إيران بالسعي لزعزعة الأمن المحلي في أنحاء البلاد، وهو ما تنفيه جماعة حزب الله.

ورغم ذلك، لم تتخذ دمشق حتى الآن أي خطوات عسكرية مباشرة ضد حزب الله داخل لبنان، وهو ما يعزوه مراقبون إلى رغبة الحكومة السورية، وكذلك تركيا، في تجنب فتح جبهة إقليمية جديدة قد تعرقل جهود إعادة الاستقرار.

ويعزز هذا التوجه ما أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه وفدا من وجهاء ريف دمشق منتصف يونيو، عندما أكد أن سوريا لا تنوي التدخل عسكريا في لبنان، وأن أولويتها تتمثل في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتهدئة الأوضاع.

حسابات أنقرة

لا تبدو تركيا، أيضا، متحمسة لهذا السيناريو.

يقول الخبير التركي في العلاقات الدولية محمد رقيب أوغلو إن الإدارة السورية الجديدة لا تملك القدرة على خوض مواجهة عسكرية خارج حدودها، في وقت لا يزال فيه الجيش السوري يعاد بناؤه، ويعاني الاقتصاد من أزمات كبيرة.

ويضيف لـ"الحرة" أن أنقرة تنظر أيضا بحذر إلى أي مواجهة من هذا النوع، لأنها تسعى إلى تثبيت نفوذها في سوريا عبر الاقتصاد والدبلوماسية، وليس عبر توسيع الصراعات العسكرية.

ومع ذلك، يلفت أوغلو إلى أن أي تحرك سوري ضد حزب الله بدعم أو تغاضٍ تركي قد يدفع العلاقات التركية الإيرانية إلى مستوى جديد من التوتر، لكنه يستبعد أن يصل الأمر إلى مواجهة مباشرة، على اعتبار أن الدولتين "اعتادتا طوال العقود الماضية إدارة خلافاتهما عبر القنوات السياسية والأمنية".

العراق يدخل المعادلة

من غير الواضح ما إذا كان سيناريو الصدام المباشر بين أنقرة وطهران ممكنا، لكن من المرجح أن الرد الإيراني على أية ضغوط يواجهها حليفها التقليدي في لبنان قد لا يأتي من سوريا فقط.

"طهران قد تلجأ إلى أدواتها الإقليمية، وخاصة الفصائل المسلحة الموالية لها في العراق، لمحاولة موازنة النفوذ التركي" يقول الخبير في الشأن الإيراني مسعود الفك.

يرجح الفك أن تستخدم إيران هذه الفصائل للتأثير في الساحة السورية أو للضغط على المصالح التركية في العراق، بهدف منع تشكل واقع إقليمي جديد يمتد من دمشق إلى بيروت بعيداً عن نفوذها.

ويضيف أن الصراع في هذه الحالة لن يدور حول سوريا وحدها، وإنما سيشمل شبكة النفوذ الممتدة بين العراق وسوريا ولبنان.

على امتداد نحو أربعة قرون، تجنبت إيران وتركيا الدخول في حرب مباشرة، رغم تنافسهما المستمر على النفوذ في الشرق الأوسط.

وخاضت الإمبراطوريتان العثمانية والصفوية سلسلة من الحروب انتهت بتوقيع معاهدة قصر شيرين عام 1639، التي رسمت الحدود بينهما، ومنذ ذلك الحين لم تشهد العلاقات مواجهة عسكرية مباشرة.

وخلال العقود الأخيرة، استمرت المنافسة بين البلدين في العراق وسوريا وجنوب القوقاز، في وقت حافظت فيه المصالح الاقتصادية والتجارية على الحد الأدنى من الاستقرار في العلاقات الثنائية.

يقول الباحث في المركز السوري للدراسات بدمشق وائل علوان إن أي دور سوري أوسع ضد حزب الله قد يستفز إيران والفصائل الموالية لها في العراق، لكنه لا يتوقع أن يتحول ذلك إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة وطهران.

"إيران ستحاول الحفاظ على قدر من النفوذ داخل سوريا عبر أدواتها التقليدية، في حين ستواصل تركيا دعم الحكومة السورية ضمن حدود الدورين الأمني والاقتصادي.. الضغوط المتبادلة ستبقى محصورة في الساحات الإقليمية، ولن تنتقل إلى مواجهة عسكرية بين الدولتين" يضيف لـ"الحرة".

في المحصلة، تبدو تركيا حريصة على عدم تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة مع إيران، إدراكاً منها أن الحفاظ على الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً لترسيخ نفوذها السياسي والاقتصادي في دمشق.

ومع ذلك لن يتحدد مستقبل العلاقة بين أنقرة وطهران د فقط بما يجري داخل سوريا، وإنما أيضاً بالطريقة التي ستتعامل بها دمشق مع حزب الله، وبالكيفية التي ستختار بها إيران الدفاع عن أحد أهم أوراقها في الشرق الأوسط.

(الحرة)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI