2 يوليو 2026
2 يوليو 2026
يمن فريدم-أحمد ناصر حجازي


في الـ29 من يونيو/ حزيران الماضي، اتجهت أنظار متابعي كرة القدم الدولية إلى ملعب "فوكسبورو" في ماساتشوستس، لمشاهدة مواجهة ألمانيا وباراغواي في دور الـ32 من نهائيات كأس العالم، التي تستضيفها أميركا وكندا والمكسيك بين الـ11 من يونيو الماضي والـ19 من يوليو/ تموز الجاري.

وبدت المواجهة - قبل انطلاقها - في متناول يد ألمانيا، التي تعد إحدى أكبر القوى التاريخية في كأس العالم، إذ تمتلك أربعة ألقاب في 1954 و1974 و1990 و2014، وتحتل حالياً المركز الـ12 في ترتيب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الشهري، وفي المقابل تحتل منافستها باراغواي المركز الـ34 عالمياً، وكان تحقيق المركز الثامن في نسخة مونديال 2010 في جنوب إفريقيا هو أعظم إنجازاتها في البطولة.

وكانت الأحاديث تدور حول كون مواجهة باراغواي مجرد محطة في طريق ألمانيا نحو نهائي تاريخي مبكر مع الغريمة الأوروبية فرنسا في دور الـ16، إذا عبرت فرنسا عقبة السويد.

وما عزز التوقعات بأن تكون المواجهة سهلة على ألمانيا أنها استهلت مشوارها في بطولة هذا العام بالفوز بنتيجة (7 - 1) على كوراساو في الجولة الأولى من مباريات المجموعة الخامسة، التي تصدرها "المانشافت" في طريقه نحو دور الـ32، في الوقت الذي كانت فيه باراغواي تخسر من أميركا بنتيجة (1 - 4) ضمن الجولة ذاتها، ثم تأهلت إلى دور الـ32 ضمن أفضل ثمانية منتخبات احتلت المركز الثالث في المجموعات الـ12.

وجاءت المفاجأة الكبرى بتعادل ألمانيا مع باراغواي (1 - 1) في الوقتين الأصلي والإضافي للمباراة، قبل أن تودع المونديال بركلات الترجيح بنتيجة (3 - 4)، وهي المرة الأولى التي تخسر فيها بركلات الترجيح في كأس العالم، بعدما أهدر ثلاثة من لاعبيها ركلاتهم، بعد 44 عاماً ظل فيهم أولي شتيليكه الألماني الوحيد الذي ضيع ركلة ترجيح لبلاده.

لماذا لا يفوز الكبار بسهولة؟

لم يكن خروج ألمانيا أو أي منتخب كبير آخر من كأس العالم أمام منافس أقل منه تصنيفاً حدثاً استثنائياً في يوم من الأيام، فالمفاجآت جزء أصيل من تاريخ اللعبة، لكن ما تشهده النسخة الحالية يبدو مختلفاً. فالمفاجأة لم تعد تكمن في سقوط منتخب مرشح أو تأهل آخر أقل شهرة، بل في الطريقة التي تجري بها المباريات نفسها.

فالمنتخبات الكبرى التي كانت تحسم مواجهاتها خلال الدقائق الـ90 الأصلية أو حتى في الشوطين الإضافيين أصبحت تجد نفسها عاجزة عن ترجمة تفوقها النظري داخل الملعب، لتذهب المباراة إلى ركلات الترجيح التي تتلاشى معها فوارق التاريخ والإمكانات والقيم التسويقية.

ولم يعد السؤال لماذا خسر منتخب كبير، بل لماذا يتكرر وصول المنتخبات الكبرى إلى ركلات الترجيح أمام منافسين أقل جودة؟

جزء كبير من الإجابة يبدأ من طبيعة مباريات خروج المغلوب نفسها، ففي دور المجموعات يستطيع المنتخب تعويض أي تعثر لاحقاً، أما في الأدوار الإقصائية فلا توجد فرصة ثانية. وخطأ واحد قد ينهي أربع سنوات من العمل، وهدف واحد قد يبدد مشروعاً كاملاً أنفقت عليه مئات الملايين.

ولهذا السبب أصبحت المنتخبات الأقل ترشيحاً تدخل هذه المواجهات بعقلية مختلفة تماماً، فهي لا ترى نفسها مطالبة بالاستحواذ أو فرض الإيقاع، بل بإغلاق المساحات، وتقليل الأخطاء، وإطالة عمر المباراة قدر الإمكان.

وتدرك هذه المنتخبات أن مرور الوقت يعمل لمصلحتها، فكل دقيقة تنقضي من دون أن يسجل المنافس تزيد الضغوط على المنتخب المرشح، وتدفعه إلى مزيد من التعجل والمغامرة، وهو ما يفتح الباب أمام الهجمات المرتدة أو في الأقل يمنح الفريق الأضعف فرصة الوصول إلى الوقت الإضافي، حيث تصبح الفوارق البدنية والذهنية أقل وضوحاً.

ولم يعد هذا النهج مجرد أسلوب دفاعي تقليدي، بل تحول إلى فلسفة كاملة تعتمد على الانضباط، والضغط في المساحات المناسبة، وإدارة إيقاع المباراة أكثر من السعي الدائم إلى السيطرة عليها.

العبء النفسي يثقل الكبار

المفارقة أن المنتخبات الكبرى أصبحت في كثير من الأحيان ضحية مكانتها، فالمنتخب المرشح يدخل المباراة وهو يحمل عبء التوقعات، ويعرف أن الجماهير والإعلام لن يقبلا سوى بالفوز، بينما يدخل المنافس وهو لا يملك ما يخسره تقريباً، وهذا الفارق النفسي يصنع أثراً هائلاً داخل الملعب.

ولهذا كثيراً ما نشاهد السيناريو نفسه يتكرر، إذ يستحوذ المنتخب الكبير على الكرة ويكرر المحاولات الهجومية من دون جدوى، قبل أن تتحول المباراة إلى معركة أعصاب، لا إلى استعراض للفوارق الفنية.

وشهدت مواجهة ألمانيا وباراغواي استحواذ "المانشافت" على الكرة بنسبة 65 في المئة، في مقابل 23 في المئة فقط لباراغواي، مع تداول الكرة بينهما بنسبة 12 في المئة.

ووصل عدد محاولات ألمانيا الهجومية على مرمى باراغواي إلى 21 من بيهم ست محاولات على المرمى و11 من داخل منطقة جزاء المنافس، في مقابل سبع محاولات إجمالية لباراغواي من بيها ثلاث على مرمى مانويل نوير.

ومع تكرار هذا النموذج من المباريات أصبح السؤال المتداول بكثرة بين الجماهير والمحللين، هل تقاربت المستويات بين المنتخبات الكبرى والأقل شأناً؟

الإجابة المختصرة هي نعم، ولكن ليس بالطريقة التي يتصورها كثيرون، فالفوارق في جودة اللاعبين لا تزال موجودة، ومن الطبيعي أن تضم منتخبات مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإنجلترا والبرازيل والأرجنتين عدداً أكبر من النجوم مقارنة بمنتخبات أخرى.

لكن كرة القدم الحديثة لم تعد تحسم بجودة اللاعب الفردية وحدها.

فخلال العقدين الأخيرين تطورت علوم التدريب بصورة غير مسبوقة، وأصبحت المنتخبات الأقل إمكانات تمتلك أجهزة تحليل أداء، وخبراء تغذية، ومتخصصين في الإعداد البدني، ومحللي بيانات، تماماً كما يحدث في أكبر المنتخبات.

ولم يعد الفارق في اللياقة البدنية كما كان في الماضي، ولم تعد المسافات التي يقطعها اللاعبون أو قدرتهم على تنفيذ الضغط العالي حكراً على منتخبات الصف الأول. بل إن بعض المنتخبات الأقل تصنيفاً أصبحت أكثر انضباطاً من منافسيها، لأنها تبني مشروعها بالكامل على التنظيم الجماعي، لا على المهارات الفردية.

ولهذا لم تعد المباراة تبدأ من فارق في الإمكانات، بل من فارق في التفاصيل.

التفاصيل.. العملة الأغلى في كرة القدم الحديثة

وإذا كانت كرة القدم القديمة تحسم غالباً بالموهبة، فإن كرة القدم الحديثة تحسم بالتفاصيل. من تمريرة خاطئة في منطقة خطرة، أو تمركز غير صحيح، أو تبديل متأخر، أو كرة ثابتة، أو حتى قرار واحد في لحظة ضغط على منافس، ولهذا أصبحت الهوامش بين الفوز والخسارة أضيق من أي وقت مضى.

فمنتخب قد يفرض سيطرته على المباراة بالكامل، ويستحوذ على الكرة معظم الوقت، ويسدد أكثر من منافسه، ثم يجد نفسه أمام ركلات الترجيح، لأن خصمه نجح في إغلاق منطقة الجزاء، وتقليل المساحات، وتحويل المباراة إلى اختبار للصبر أكثر منه اختباراً للجودة.

لكن هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بالتطور التكتيكي أو النفسي، لأن هناك سبباً أكبر غير شكل كرة القدم الدولية بالكامل خلال العقدين الأخيرين، وتجلى في أبهى صوره خلال كأس العالم الحالية، وهو أن المنتخبات نفسها لم تعد كما كانت.

فاللاعبون الذين يمثلون دولاً مختلفة أصبحوا يتدربون معاً، ويلعبون في الأندية نفسها، ويتخرجون من الأكاديميات ذاتها، بل إن بعضهم ينتمي إلى العائلة نفسها، وهو ما أعاد تشكيل مفهوم الهوية الكروية، وقلل الفوارق التي صنعت تاريخ اللعبة لعقود طويلة.

من بين المنتخبات الـ32 التي تأهلت إلى أولى مراحل خروج المغلوب في كأس العالم الحالية، هناك أربعة منتخبات هي كوت ديفوار والسنغال والكونغو الديمقراطية وكاب فيردي، تشارك في البطولة بقائمة 100 في المئة من لاعبيها محترفين خارجياً.

ومن إجمالي 1248 لاعباً في قوائم المنتخبات الـ48 التي بدأت البطولة هناك 473 لاعباً من الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى بنسبة 37.9 من لاعبي البطولة، بواقع 165 لاعباً من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، و98 من الدوري الألماني، و72 من الدوري الفرنسي، و71 من الدوري الإيطالي، و67 من الدوري الإسباني.

العولمة تلعب ضد الكبار

وبالرجوع خطوات عدة إلى الخلف، لمرحلة ما قبل احتراف نجوم المنتخبات في أكبر الأندية الأوروبية، لعبت العولمة دوراً في تنشئة آلاف المواهب الأفريقية والآسيوية ومن الأميركتين في المدارس الكروية الأوروبية نفسها التي تنتج صفوة لاعبي العالم، حتى بات من الصعب الحديث عن "منتخب كبير" و"منتخب صغير" بالمفهوم الذي ساد لعشرات الأعوام.

وقد أزالت العولمة الكروية كثيراً من الحدود بين المدارس التقليدية، وجعلت اللاعبين الذين يمثلون منتخبات متدنية في تصنيف "فيفا" هم في الأساس زملاء لاعبي أكبر المنتخبات، ويخضوع للبرامج البدنية نفسها، ويتعلمون المبادئ التكتيكية ذاتها، بل وربما يقضيان الموسم بأكمله داخل غرفة الملابس نفسها.

ففي الماضي كانت المدارس الكروية واضحة المعالم، كان المنتخب الإيطالي مرادفاً للصلابة الدفاعية، والهولندي رمزاً لكرة القدم الشاملة، والبرازيلي عنواناً للمهارة، والألماني مثالاً للانضباط، كما عرفت المنتخبات الأفريقية بالاعتماد على القوة البدنية والمهارة الفردية.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحدود أقل وضوحاً بكثير في ظل الاعتماد الأكبر على أبناء الجاليات الخارجية، وقد بلغ عدد اللاعبين المولودين خارج البلاد التي يمثلونها في كأس العالم الحالية 292 لاعباً من أصل 1248 مشاركاً في البطولة، بنسبة 23.4 في المئة، وهذا الرقم هو الأعلى على الإطلاق سواء من حيث النسبة أم العدد المطلق.

وكان منتخب كوراساو الذي ودع المنافسات من دور المجموعات، المثال الأكبر على هذه الظاهرة، إذ ولد 25 لاعباً من أصل 26 في قائمته خارج البلاد.

وبالتالي عندما يقفون أمام فرنسا أو إنجلترا أو البرتغال في كأس العالم، فإنهم لا يواجهون واقعاً جديداً، بل منافسين يعرفونهم جيداً. وبناء عليه فقد اختفت رهبة الأسماء الكبرى، وحل مكانها دراية تامة بالمنافسين ونقاط ضعفهم ومواطن قوتهم.

العزف المنفرد لا يزال سلاحًا فعالًا

ومع تقارب المستويات العامة للمنتخبات بصورة غير مسبوقة، لم تكن معتادة في الماضي، لا تزال المهارات الاستثنائية لبعض اللاعبين تلعب دوراً حاسماً في كسر تكتيكات المنافسين وترجيح كفة الكبار.

ففي الدور الأول من كأس العالم الحالية، فشلت منتخبات كبرى في التفوق على منتخبات أصغر، كما حدث في تعادل إسبانيا مع كاب فيردي سلبياً، وتعادل الكونغو الديمقراطية مع البرتغال (1 - 1)، وإنجلترا مع غانا (0 - 0). لكن في المقابل نجح تألق ليونيل ميسي في قيادة الأرجنتين للفوز بأول مباراتين في دور المجموعات بتسجيل ثلاثية ضد الجزائر في الفوز (3 - 0)، وثنائية في النمسا في الفوز عليها (2 - 0).

وتألق كيليان مبابي في فوز فرنسا الحاسم على السنغال (3 - 1) إذ سجل هدفين، وكذلك لعب إيرلينغ هالاند دور البطولة في فوز النرويج على العراق والسنغال في دور المجموعات، وعلى كوت ديفوار في دور الـ32.

وربما يكون قائد المنتخب الإنجليزي هاري كين أفضل من ضرب مثالاً لترجيح كفة فريقه الكبير في مواجهة صلابة الكونغو الديمقراطية، في المباراة التي جمعتهما في دور الـ32، إذ ظل الفريق الأفريقي الذي يحتل المركز الـ46 عالمياً، متقدماً في النتيجة منذ الدقيقة السابعة وحتى الدقيقة الـ75، وكاد يقصي "الأسود الثلاثة" الذي يحتل المركز الرابع عالمياً، لولا انفجار كين الذي سجل هدفين وضمن لبلاده الفوز في الوقت الأصلي.

ركلات الترجيح وتقليل تأثير الحظ

وإذا كانت العولمة الكروية قد قلصت الفوارق الفنية بين المنتخبات، فإن الثورة التكنولوجية قلصت أيضاً مساحة المجهول داخل المباراة.

فقبل سنوات، كانت الأجهزة الفنية تعتمد بصورة أساسية على مشاهدة المنافس وعدد محدود من التسجيلات المصورة. أما اليوم، فأصبح كل تحرك داخل الملعب قابلاً للقياس والتحليل، ولعل أكثر ما تغير في السنوات الأخيرة هو النظرة إلى ركلات الترجيح نفسها.

فلسنوات طويلة ظلت توصف بأنها لعبة "يانصيب"، تعتمد على الحظ وحده، لكن هذا التصور لم يعد يحظى بالقبول داخل كرة القدم الاحترافية.

فقد خصصت اتحادات وأندية كبرى علماء نفس رياضيين للعمل مع اللاعبين قبل البطولات الكبرى، بهدف إعدادهم للتعامل مع الضغوط التي ترافق لحظات الحسم.

وتناولت دراسات أكاديمية عدة، من بينها أبحاث عالم النفس الرياضي النرويجي غير جورديت تأثير الضغط النفسي في منفذي ركلات الجزاء، وخلصت إلى أن الفارق لا يرتبط بالمهارة الفنية فقط، بل بسرعة اتخاذ القرار، ومستوى التوتر، والقدرة على الحفاظ على الروتين الذهني نفسه في أكثر اللحظات حساسية.

وعلى رغم ذلك، فقد خلصت دراسة بعنوان "ركلات الترجيح صعبة لكن التناوب في التسديد عادل" نشرت في مستودع "ببمد سنترال" للأبحاث في 2024، إلى أن نسبة نجاح ركلات الترجيح بعد وقت المباريات أقل من ركلات الجزاء أثناء المباراة، والسبب الرئيس في ذلك ليس براعة حراس المرمى فقط، بل بسبب الضغط النفسي الذي يخفض جودة تنفيذ المسددين.

ولذلك لم تعد المنتخبات تتدرب على تنفيذ الركلات فحسب، بل تتدرب أيضاً على الظروف المحيطة بها.

إذ تجري بعض المنتخبات تدريبات تحاكي الضوضاء الجماهيرية، فيما يطلب من اللاعبين تنفيذ الركلات بعد مجهود بدني كبير لمحاكاة الإرهاق الذي يسبق نهاية الوقت الإضافي، بينما يتلقى الحراس تقارير كاملة عن العادات المفضلة لكل مسدد، والزوايا التي يختارها، ونسبة تغيير قراره تحت الضغط.

لهذا السبب، لم تعد تصديات بعض الحراس تبدو معجزة، بل نتيجة لتحضير طويل ودقيق.

وفي المقابل كما يزداد العبء النفسي على لاعبي المنتخبات الكبرى خلال المباريات الإقصائية، تصل الضغوط إلى ذروتها في ركلات الترجيح، وما هو ما قد يؤدي إلى إهدار الركلات بنسبة أكبر.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI