1 أغسطس 2026
1 أغسطس 2026
يمن فريدم-فخر العزب


تبدو جزيرة سقطرى من الناحية الجغرافية كما لو أنها قطعة انتزعت من داخل الجسد اليمني وقذف بها في عرض المحيط الهندي على بعد 300 كيلومتر من أقرب نقطة للساحل، لكنها تمثل في الواقع خلاصة اليمن أرضاً وإنساناً.

تحضر هوية اليمن في كل تفاصيلها في جزيرة سقطرى، بدءاً من الجمال الساحر للجغرافية المتنوعة بين شواطئ وبحار وجبال وغابات، وصولاً إلى الإنسان الذي تجري دماء اليمن في شرايينه، وتنعكس على أصالته المتفردة التي حافظت على طابع الأصالة المتجذرة في أعماق التاريخ، من دون أن تنال الثورة التكنولوجية منها شيئاً، إذ يبقى الإنسان السقطري عنوان البساطة في أبلغ تجلياتها، نتيجة ارتباطه العميق والمتجذر بتربة الأرض التي وهبها العمر كله، وهي تبادله المشاعر نفسها.

يعد أرخبيل سقطرى من أجمل الجزر حول العالم، ويضم ست جزر في المحيط الهندي، هي سقطرى، وصيال سقطرى، وعبد الكوري، وصيال عبد الكوري، ودرسة، وسمحة، إضافة إلى سبع جزر صخرية، هي صيرة وكرشح وعدلة وصيهر وجالص وذاعن ذتل وردد. ويبلغ طول جزيرة سقطرى 125 كيلومتراً وعرضها 42 كيلومتراً، وطول الشريط الساحلي 300 كيلومتر، وعاصمتها حديبو.

وعلى عكس المناطق الساحلية في اليمن يمثل أرخبيل سقطرى مزيجاً جغرافياً فريداً نتيجة التنوع في التضاريس. ويمكن في الأرخبيل مشاهدة السواحل الرملية على امتداد الخط الساحلي المتعرج، والكثبان الرملية، والجبال، والصخور البركانية، والكهوف، والغابات، والسهول، والبحيرات.

وينفرد أرخبيل سقطرى بجمال طبيعي نادر، حيث يعد محمية طبيعية، وكنزاً زاخراً بأنواع النباتات والحيوانات النادرة، فهو يكتنز عشرات الأنواع من النباتات والحيوانات التي لا توجد في منطقة أخرى من العالم، وهذا ما جعله محل اهتمام من المنظمات الدولية، وخاصة المعنية بالبيئة.
وأدرجت منظمة "يونسكو" الأرخبيل على قائمة التراث العالمي عام 2008. وهي تشير إلى أن "73% من أنواع النباتات (من أصل 825 نوعاً) و90% من أنواع الزواحف و95% من أنواع الحلزونيات البرية لا توجد في أي مناطق أخرى من العالم".

ومن أشهر الأشجار التي تميز أرخبيل سقطرى وصارت معلماً له شجرة دم التنين، المشهورة بدم الأخوين، حيث سميت بهذا الاسم نتيجة المادة الحمراء (الصمغ) التي تستخرج منها، وهي سائل أحمر يشبه الدم، وللشجرة شكل مميز يشبه المظلة المثبتة بشكل مستقيم، وتستخدم في علاج كثير من الأمراض. لكن هذه الشجرة باتت معرضة للانقراض بسبب اقتلاع كثير منها، خاصة بسبب الأعاصير التي تضرب الأرخبيل بين الحين والآخر.

وفي الإجمال يعتبر الأرخبيل ذا قيمة بيئية وبيولوجية نادرة، ومنطقة سياحية استثنائية تجمع كل تضاريس الطبيعة الساحرة في مكان واحد، ومجتمعاً إنسانياً مغايراً بثقافته وأصالته، وارتباطه العميق بإرثه الحضاري الفريد.

واللافت أن أرخبيل سقطرى هو المنطقة الوحيدة في اليمن التي لا تزال تستقبل السياح القادمين من مختلف دول العالم منذ عام 2010 نتيجة المناظر السياحية الفريدة، وعدم تأثر الأرخبيل بالحرب المندلعة منذ أكثر من عشر سنوات.

وتعد مناطق في الأرخبيل قبلة للسياح، أبرزها هضبة دِقسام، وهي موقع أشجار دم الأخوين والتحولات الصخرية المدهشة؛ تجمع بين الصخور المشقوقة وغابات دراكاينا المظلّلة، وهناك جبال وحواف شديدة الانحدار توفر مسارات للمشي الجبلي، وأيضاً شواطئ رملية ناعمة زاهية الألوان تتميز بدرجات عالية من الصفاء، حيث يمكن مشاهدة أعماقها في مشهد عجيب وساحر، كما تتميز بوجود دلافين وأسماك نادرة.

ويضم الأرخبيل أيضاً كهوفاً ضخمة محفورة بشكل طبيعي في الجبال الشاهقة، ما يجعلها مكاناً مناسباً للتخييم، ولقضاء ليالٍ ساحرة تحت أعين السماء الصافية.

وانعكس انفراد الجزيرة بالأصالة على أبنائها الذين يعيشون حياتهم على نسق حياة الإنسان الأول، فهم رغم احتكاكهم بثقافات العالم عبر السياح الذين يزورون الجزيرة من مختلف الجنسيات، ظلوا محافظين على هويتهم الثقافية، وفي مقدمها اللغة السقطرية التي يستخدمونها مع العربية في الأحاديث العائلية والمجتمعية، وهي لغة سقطرية سامية وشفهية غير مكتوبة ذات أصوات مميزة لا توجد في العربية، وتُصنف ضمن عائلة اللغات الأفرو - آسيوية، وتعتبر جزءاً من مجموعة اللغات العربية الجنوبية الحديثة، وتتميز بتعدد اللهجات وبثرائها الأدبي وقصائدها الطويلة.

يقول الشاب السقطري محمود عبد الملك، لـ"العربي الجديد": "سقطرى مخزون ثقافي فريد، وجوهر هذا الإرث هو لغتنا السقطرية التي تعد هويتنا وتاريخنا. ونناشد الدولة أن تمنحها الاهتمام اللازم وإدراجها في المناهج والأنشطة الرسمية، فهي لغة شفهية تواجه خطر الاندثار، وحمايتها من الانقراض هي حماية لقطعة أصيلة وغالية من الهوية اليمنية والإنسانية".

ويتميز التراث اللامادي في الأرخبيل بالثراء والتنوع، وهو يتضمن الشعر والقصص والأساطير والأمثال التي تُروى شفهياً باللغة السقطرية، وهو يستخدم في أعراس الزواج والمناسبات الاجتماعية الأخرى التي يجري إحياؤها بطقوس محلية خاصة تشمل الأهازيج والغناء والرقصات السقطرية التي تعبر في مضامينها عن تماسك وتلاحم المجتمع السقطري.

ويعتمد المجتمع السقطري في سلاسل الغذاء على الصيد والثروة الحيوانية، إذ يحتوي الأرخبيل على ثروة حيوانية كبيرة تشمل الماعز، والأغنام، والأبقار، والإبل، ويعمل المجتمع في مهنتي الصيد والرعي مصدراً للرزق، لذا يضم المطبخ السقطري مشاوي لحوم الأسماك والماعز والأبقار بالدرجة الأولى، إضافة إلى أنواع مختلفة من الخبز المحلى بالعسل.

واللافت أن اعتماد الإنسان السقطري على الغذاء الطبيعي وطب النباتات يجعله ذا مستوى صحي عالٍ، حيث تندر الأمراض بين أوساط السقطريين، خصوصاً الأمراض المزمنة.

(العربي الجديد)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI